*
آخر تحديث: 2017/11/28 الساعة 16:15 (مكة المكرمة)


مسلسل "حكاية أََمَة".. بشاعة البشرية بعيون النساء

إسلام السقا

محرر سينما

كان حدثًا اعتياديًا بالنسبة لجون، الواقعة في الحب منذ وقت قريب، أن تدلف إلى أحد المقاهي برفقة صديقتها مويرا. يختلفان كالعادة حول المشروب ولكن لا شيء يتجاوز الطبيعي. عند الدفع تتفاجأ جون بأنّ بطاقتها الائتمانية لا رصيد فيها. أمر مرعب أن تختفي نقودك في لمح البصر، أليس كذلك؟

 

تطلب من البائع التأكد من البطاقة عندما يبدأ الأخير بشتمها بعنف هي ورفيقتها، ويطردها من المكان دون أدنى اكتراث للعواقب. بدا الأمر غريبا وعدائيا دون أدنى تبرير. بعد قليل ستعرف جون أن جميع الحسابات البنكية للنساء عموما تم إيقافها، وأنها مطرودة من عملها كما بقية زميلاتها، وأن صديقتها مويرا لن تستطيع العودة إلى منزلها بمفردها بعد اليوم.

 

"لا يخشون من هروبنا، الخادمة لا يمكنها الذهاب بعيدا على أي حال. إنهم يخشون نوعا آخر من الهروب، مثل الذي تفتحه في نفسك باستخدام حدّ جارح أو باستخدام ملاءة ملتفّة تتدلّى من ثُريّا في السقف. أحاول منع نفسي من التفكير بهذا النوع من الهرب. اسمي أوفريد، كان لي اسم آخر فيما مضى ولكنّه ممنوع الآن.. أمور عديدة ممنوعة اليوم".
 

  

ألوان.. ألوان

ترتدي أوفريد رداءها الأحمر، الذي يشير بين ما يشير إليه نحو الشهوة والثورة. ليست الوحيدة بهذا الرداء فكل الخادمات يرتدين زيًّا موحّدا، ففي أميركا الجديدة التي يحكمها هذه المرة مسيحيون أصوليون يدعون أنفسهم "جماعة أبناء يعقوب" يجب على كل فئة في المجتمع أن ترتدي لونا معينا.

 

تنقسم دولة "جلعاد" الشمولية إلى عدد من الأجزاء الملوّنة بالضرورة، والتي تُشكّل فيما بينها سلسلة يُحكم بها النظام الخناق على كافة مظاهر الحياة. هناك رجال الحكم، القادة الذين يرتدون الملابس الرسمية الأنيقة باللون الأسود، كما يرتدي الرجال عموما اللون الأسود بحسب متطلبات وطبيعة عملهم، سائقون، رجال أمن وغيرهم.

 

أمّا النساء، فلهم ألوان مختلفة، اللون السكّري الباهت لعاملات المطبخ الذين لا يجب أن يحتل وجودهن أي مساحة لونية في حياة الآخرين. أمّا العمّات، وهن النساء المسؤولات عن الخادمات اللاتي يحظين بخصوبة قوية لإنجاب الأطفال، يرتدين الأخضر الزيتي وكأنهن جنود أو ضبّاط.

  

 
أمّا سيرينا جوي، زوجة القائد الكبير في نظام جلعاد، فكانت تحظى بأهمية كبيرة في مجتمع ما قبل الكارثة ككاتبة ومنظّرة ثقافية، لكنها الآن مجرد زوجة القائد التي لا تنجب الأطفال وعلى خادمتها أن تقوم بالإنجاب نيابة عنها، فهي ترتدي اللون الأزرق كما بقيّة الزوجات. هي أيضا أَمَة في هذا النظام، ولكن من درجة مغايرة.

 

تقوم دولة جلعاد على عدّة عناصر أيضا تشترك فيما بينها بالقمع الموجه إمّا للنساء أو المثليين أو المثقفين الجامعيين أو حتى مَن لا ينضم إليهم من الرجال، ولكن التقسيم الأكثر دلالة فيه هو التقسيم الطبقي للمرأة، التي إما أن تكون صالحة للإنجاب فتبقى على قيد الحياة، وإما غير صالحة للإنجاب فيتم التخلص منها عبر إرسالها إلى "المستعمرات".

 

إنجاب الأطفال أمر في غاية الأهمية للدولة والنظام بعد إصابة العالم بعقم رهيب يذكّر بأحداث فيلم "أطفال الرجال" (Children of Men) للمخرج المكسيكي ألفونسو كوارون، وهو فيلم ينتمي إلى أفلام الديستوبيا تماما كما يفعل مسلسل "حكاية أَمة" المعروض على شبكة "هولو" (Hulu) الأميركية والمنتظر صدور الموسم الثاني منه خلال (أبريل/نيسان) القادم.

 

عمل نسوي في عالم مجنون


 
كتبت الناقدة والروائية والناشطة النسوية مارغريت آتوود روايتها هذه عام 1985، في عهد الرئيس ريغان ذي التوجه الديني(1) الذي رسم معالم السياسة الأميركية داخليًا وخارجيًا في الولايات المتحدة في فترة الثمانينيات. كانت الأجواء المشحونة والتي سببت خيبة أمل كبيرة للكثيرين مصدر إلهام للكاتبة الكنديّة، ولكنها لم تكن تتوقّع أن يكون خيالها أقرب إلى الواقع مع وصول الرئيس ترامب إلى الحكم مؤخرا.

 

لم يكن أي مما كتبته آتوود محض خيال، كل أمر كان لا بد أن يكون له مرجع ما في حياة البشر، لا يوجد شيء في هذا المسلسل لم نره مسبقا. اضطهاد المرأة؟ تلك التي كان لها زيّ موحّد تحت حكم طالبان؟ أم التي لم يكُن مسموح لها بالقيادة في السعودية عندما صدر هذا المسلسل نهاية (أبريل/نيسان) الماضي؟

 

إن التحوّل المفاجئ من مجتمع مثالي هادئ إلى مجتمع وحشي لا يتقبّل الآخر يعتبر أمرا عاديا عند الحديث عن أنظمة ديكتاتورية تعتمد على معسكرات الاعتقال للتخلص من أعدائها، تماما كما كانت النازيّة مصدر إلهام لهذه الرواية/المسلسل. كما رأى هتلر ورجاله تميّز العرق الآري فإن قادة جلعاد يرون في أنفسهم الشيء ذاته، وكما اعتمدت النازية على رجال الغستابو لحفظ الثبات الداخلي للبلاد فإن "العيون" كانوا شبكة التجسس الخفية الممتدة داخل بيوت الآخرين والتي تُبنى عليها دولة جلعاد.

 

 
أما عند الحديث عن وقائع الإنجاب الإجباري للنساء من أجل رفع معدّل النمو السكاني وزيادة عدد السكان فلا بدّ أن نتذكّر حادثة مطابقة كان الديكتاتور الروماني تشاوشيسكو قد نفّذها عندما أمر بوجوب إنجاب كل امرأة في سنّ الإنجاب داخل رومانيا خمسة أطفال، وتُعاقب مَن تُخالف الأوامر. تماما كما في جلعاد التي تتعرض فيها الخادمات إلى طقس تزاوج إجباري كلّ شهر حتى "يُبارك الرب فيها" فتصبح حاملا.

 

في واحدة من الحلقات يصدر حكم بإعدام فتاة رجما بالحجارة، أمّا المثليون عقابهم الشنق في الساحات العامة، وهو ما بدا متأثرا بتعاليم دينية معروفة لن يكون التفاجؤ بوجودها في المسلسل إلا إغماضا للعين عن الحقيقة الواقعة. قوانين العالم الفاسد لمسلسل "حكاية أَمة" موجودة بالفعل من حولنا وهو مما لا جدال فيه.

 

يرفض نظام جلعاد إعطاء المرأة حق القراءة أو الكتابة أو اختيار الملابس بنفسها أو حتى مغادرة غرفتها إن لزم الأمر. في الحلقة الثالثة نرى إعدام امرأة بعد أن اكتشفوا علاقتها المثلية. في هذا العالم تحولت المرأة حرفيا إلى سلعة يُمكن تملّكها. "نحن مسجونون هنا" تقول أوفريد.

 

يحضر الاغتصاب كفعل مسيطر على حياة المرأة، وتغيب الحرية بمفهومها العام والخاص. تستخدم السلطة العنف بكافة الأشكال حتى بالأسماء واللغة. يصبح التفكير بخلاص جماعي مجرد رفاهية عندما لا يحسن لإحداهن النجاة بنفسها. إن لم تستطع المرأة أن تنجب فالمشكلة تكمن لديها ومن غير المسموح وصف الرجل بأنه "عقيم".

 

"هذا لا يبدو عاديا بالنسبة لك الآن، ولكنه سيكون طبيعيا مع الوقت"، تقول العمّة ليديا لواحدة من الخادمات، وهو بالضبط الرسالة الأمنية لأي نظام ديكتاتوري وقمعي تجاه شعبه، يريدون بكل بساطة أن يكون هذا ما يؤمن به الجميع ويُطبّقه، الاعتياد على الإذلال. تمتلك أي أيديولوجيا سلطوية القدرة على خلق الدين الذي تراه مناسبا وتقنع الآخرين باعتناقه، وفي جلعاد كان الدين هو الخوف مستخدمين كلمات معينة للتحية فيما بينهم والرد عليها مثل "مُباركة هي الثمرة" و"تحت عين الإله".
 

 

ديستوبيا وأمل

تُمنع الكتابة والقراءة وسماع الأخبار. القائد فقط يستطيع امتلاك نسخة من الكتاب المقدس، رغم أنه يحتفظ سرّا بعدد من المجلات من العهد الأميركي القديم. يغوي أوفريد للعب السكرابل معه في مكتبه ليلا، قبل أن تتطور العلاقة بينهما لتحكمها الشهوة. تمسك أوفريد بقطع اللعبة الخشبية المكتوب على كل منها حرف، على وجهها علامات شهوة من نوع آخر، شهوة الإمساك بالأحرف بعد حرمان طويل.

 

تحظى أوفريد بوجه قادر على التمثيل ببراعة، لا نقصد كدور فني هنا ولكن كخادمة قادرة على خداع الآخرين بذكائها وصبرها واتساع أفقها. إنها امرأة متعلّمة بوجه محبوب ولكنه لا يعكس أبدا حقيقة ما وراءه. لا تثق أوفريد، منذ تم الإمساك بها، بأي أحد على الإطلاق، هذا ما تعلمته وما تلتزم به، وهو ما يسيطر على الجميع تحت نظام متعصب.

 

رغم وضوح العدو في رواية جورج أورويل الشهيرة "1984" لكنه يبقى أكثر ضبابية في "حكاية أَمَة/مملوكة"، وهو ما يجعل كلمة مثل "ثقة" فاقدة لأي جوهر في "جلعاد"، فالعدو هناك باختصار هو الآخرون جميعهم. تخلق هذه الحالة نوعا من الأسطورية لما تؤول إليه الأمور في المسلسل. "كان عليهم عدم منحنا زيّا موحّدا إن كانوا لا يريدون تحويلنا إلى جيش"، تقول أوفريد بعد أول انتصار تحققه الفتيات الخادمات بعصيان أمر من أوامر العمّة. في الحقيقة، وعلى الرغم من سوداوية الواقع ضمن أجواء المسلسل لكنه يتميز بوجود الأمل بين موجات الإحباط فيه، هذا الشيء الذي يعادل بمجرد وجوده كل لحظات الغضب والعجز وقلة الحيلة وانعدام الثقة.

  

  

العلاقات محدودة، اللمس ممنوع وتبادل الأشياء مُحرّم، أما الثقة فلا وجود لها، ولكن الحب هناك. زوج أوفريد/جون الذي تكون الحلقة السابعة عنه كاملة، يعطي أملا ببعث الحُب كطاقة للمقاومة تستطيع أوفريد أن تستخدمها ضمن حدود سجنها هذا، وأن ترفض هزيمة مُنيت بها على حين غرة.

 

لماذا ننجذب إلى أعمال تُنبئ بعالم يتفكك، نكون فيه عاجزين عن إيجاد حلول لأنفسنا و للذين نحبهم؟ تقول المخرجة ريد مورانو(2) إنها لم تكن تتوقع أن يكون المسلسل ذا صلة بالواقع بهذه الصورة بما أنها قامت بتصوير المسلسل قبل الانتخابات الأميركية نهاية عام 2016. "كان أمرا سرياليا، فعندما كنت في غرفة المونتاج أحاول التفكير بالشعارات التي ستحملها اللافتات في مشهد المظاهرة في المسلسل لم أكن أعرف أنني سأحصل على الكثير من الأفكار بعدها بشهر عندما تبدأ النساء بالتظاهر ضد ترمب".

 

يرى الروائي ستيفن شلوزمان أن أدب وسينما المدينة الفاسدة أو الديستوبيا جيد على أكثر من نحو،(3) أوّلهم هو كونه يعطي فرصة للقارئ أو المُشاهد لأن يفكر فيما يريد فعله إن كان في موقف كهذا، ومن جهة أخرى فهو يعطيهم الفرصة للاستمتاع بالبدء من جديد مهما حصل "كل هذا الارتباك والخوف ومع ذلك يقول الناس لربما الغد كان أفضل".

 

إذن لن يكون من المستغرب فهم رسالة هذا العمل بسهولة، فهو يأتي لقلب المفاهيم التقليدية المتعصبة والمتحجرة لمحاولة إنقاذ ما يُمكن إنقاذه في عالم منحدر ببلاهة نحو المجهول، لذا ليس من قبيل الصدفة أن يكون كل الرجال في المسلسل يحملون شرّا في داخلهم ما عدا الرجل الأسود الوحيد في العمل، كما تحمل كل النساء شرّا تتراوح قسوته فيما بينهن عدا المثليات منهن.

تقارير متصدرة


جميع الحقوق محفوظة © 2018 شبكة الجزيرة الاعلامية
Powered by: