*
آخر تحديث: 2017/11/30 الساعة 17:56 (مكة المكرمة)


"الشيء".. التاريخ الخفي لوحوش ستيفن كينغ الأكثر رعبا

هاجر رجب

محررة
"الذعر الذي لن يأتي إلى نهاية إلا بعد ثمانية وعشرين عاما، إذا ما انتهى أبدا، بدأ حد معرفتي وما استطعت جمعه من معلومات، بقارب مصنوع من صفحة جريدة يطفو على سطح مزراب منتفخ بمياه الأمطار"

(الفصل الأول، رواية "الشيء")

 

إذا كنت من أبناء التسعينيات السعيدة فالاحتمالية الأقرب أنك شاهدت في وقت ما أو آخر المسلسل التلفزيوني القصير المقتبس عن رواية ستيفن كينغ الشهيرة "الشيء"، ربما لا تذكر متى، أين أو كم كان عمرك وقتها، لكنك تشعر بالذكرى تلمع خاطفة في عقلك الباطن عندما ترى بالونة حمراء تطفو وحيدة، معطف مطر أصفر أو مهرجا أصلع ذا شعر أحمر على جانبي رأسه وثلاث كرات فرو برتقالية على بذلته مكشرا عن أنيابه.

 

في خريف 1985، خرجت الطبعة الأولى من رواية "الشيء" حاملة رقم الرواية الثانية والعشرين لستيفن كينغ والأضخم حينذاك، حيث بلغ حجمها 1138 صفحة. تدور الرواية، كمعظم روايات كينغ، في ولاية ماين الأميركية. في مدينة أميركية نموذجية، على السطح على الأقل، أما في أعماق المدينة داخل مواسير الصرف الصحي فأمر آخر. حيث يعيش كائن متحول الشكل يقتات على رعب الأطفال، فزعهم ولحمهم. تدور الأحداث في خطين زمنيين متناوبي العرض، الأول في أواخر الخمسينيات، عندما يقتل جورجي دينبوراه بينما يطارد قاربه الورقي أثناء عاصفة مطرية ويؤشر ذلك إلى موجة من اختفاءات أطفال المدينة، يبدأ أخوه الأكبر بيل بمساعدة أصدقائه من نادي الخاسرين، البحث عن قاتل جورج وأطفال المدينة.

   

    

مما يقودهم إلى مواجهة "الشيء" في عرينه بالمجاري تحت المدينة اللا مبالية. بعد معركة ضارية يتمكن الأصدقاء السبعة من جرح "الشيء" ويبدو أنهم تمكنوا من الانتصار عليه، فيُقسمون قَسَم دم بالعودة لقتاله مرة أخرى إذا ما عاد. أما الخط الزمني الثاني فيدور بعد سبعة وعشرين عاما، عندما تبدأ موجة جديدة من القتل والرعب، بالقتل الوحشي لشاب مثلي، يعود الأصدقاء السبعة -الآن في منتصف الأربعينيات من العمر- للوفاء بقسمهم ومحاربة "الشيء" مرة أخيرة. لكنهم هذه المرة فقدوا أفضليتهم الأهم، الإيمان المطلق في الخير الذي لا يتمتع به إلا الأطفال. فكما يقول كينغ هو "لا يرى الأطفال إلا كضحايا أو كقوى خير".

    

فازت الرواية بجائزة الخيال البريطانية لعام 1987، كما ترشحت لجائزتي اللوكوس وجائز الخيال العالمي بنفس العام. سمّت مجلة بابليشيرز ويكلي رواية "الشيء" أفضل الكتب مبيعا في الولايات المتحدة الأميركية لعام 1986. على موقع جودريدز، تحوز الرواية على 4.19 من خمسة نجوم نتيجة أكثر من 516 ألف تقييم وأكثر من 14 ألف تعليق. فالرواية بعد ثلاثين عاما من نشرها لأول مرة ما زالت ذات صلة وثيقة بحياتنا، فهي ليست فقط عن خوف الأطفال من المهرجين خاصة هؤلاء الذين يقتلعون أذرع أصدقائك، إنها عن خوفنا من التقدم في العمر، من إخفاقاتنا، من كل ما فقدناه وسنفقده بمرور الزمن. ما زالت رواية "الشيء" هي الأكثر رعبا وتعقيدا من بين روايات كينغ، فهي كما قال عنها كينغ "محصلة كل ما تعلمته وفعلته في حياتي كلها حتى تلك اللحظة".

 

عندما بدأت محطة "أيه بي سي" الأميركية العمل على تحويل رواية ستيفن كينغ "الشيء" إلى مسلسل تلفزيوني قصير، لم تكن الرواية نفسها نشرت بعد. ما خُطّط له في البداية كمسلسل قصير من ثماني ساعات مقسم على أربعة أجزاء انتهى كأربعة ساعات مقسمة على جزئين، مما أدى إلى التخلي عن الكثير من الحبكات الفرعية التي تزدحم بها الرواية، كالنظرة المقربة للحياة المنزلية لسكان المدينة، الحيوات الشخصية للأبطال السبعة كأشخاص بالغين، وأصل "الشيء" كمخلوق فضائي هبط إلى الأرض منذ ملايين السنوات.

  


  

يقول لورنس كوهن كاتب المسلسل القصير: "لا أستطيع حتى البدء في تعداد مشاهدي المفضلة من الرواية التي اضطررنا إلى حذفها، لأن هناك العديد منها. لكنني أختار أن أنظر إلى نصف الكوب المليء، هناك مشاهد في كل من جزئي الفيلم نقلت نقلا حرفيا عما كتبه كينغ في الرواية، وأنا سعيد للغاية أنهم وجدوا مكانا على الشاشة. كمشهد كعكة الحظ وعودة بيفرلي بالغة إلى منزل طفولتها. الأمر كما أراه هو أن أفضل لحظات الكتاب انتقلت إلى الشاشة أما البقية فهم ضحايا حرب".[1]

علّق ستيفن كينغ، في مقابلة عام 2015، على المسلسل القصير قائلا: "عليك أن تتذكر كم كانت توقعاتي منخفضة. ها هو كتاب من أكثر من ألف صفحة، وهم يحاولون ضغطه في أربع ساعات، متضمنة إعلانات تلفزيونية. لكن المسلسل فاجأني بجودته، فهو اقتباس طموح عن كتاب طويل للغاية".[2]

عندما عُرض الفيلم التلفزيوني على قناة "أيه بي سي" في (نوفمبر/تشرين الثاني) 1990 لم يتوقع أحد أن يجذب أكثر من 30 مليون مشاهد ويحفظ لنفسه مكانا بين كلاسيكيات الرعب العالمية على مدار الثلاثة عقود التالية. في الأغلب بفضل أداء تيم كاري لشخصية بينيوايز المهرج الراقص، تحور الشيء الشكلي الأكثر استخداما، فمَن الطفل الذي لا يحب المهرجين؟ على الأقل قبل عرض "الشيء".

        
يقول كاتب مجلة رولينغ ستونز شين كولينز عن المسلسل التلفزيوني أنه "أسطوري" و"من كلاسيكيات الرعب"، كما قال عن بينيوايز نفسه "أداء تيم كاري هو واحد من أعظم أدوار حياته المهنية، فالمهرج القاتل هو ما تصنع منه الليالي المؤرقة، فهو يشمت، هو يقهقه، هو يستهزئ بضحاياه ويلتهم الكادر كما يلتهم الوحش نفسه ضحاياه من الأطفال. إنه يدمغ نفسه في عقل المشاهد".[3]

            


       

لذا يمكننا تفهم التشكك المختلط بالحماس الذي قوبل به إعلان "وارنر براذرز" إنتاجهم لفيلم مقتبس عن الرواية من إخراج أندريس موشيتي، مخرج فيلم الرعب ماما وكتابة تشيس بالمر، كاري فوكوناغا وغاري دوبرمان. خاصة أن الإعلان جاء أثناء تفشي الهلع العام من ظاهرة "مشاهدات المهرجين" في الولايات المتحدة الأميركية وكندا. الظاهرة التي بدأت في (أغسطس/آب) 2016 ووصلت إلى ذروتها في منتصف (أكتوبر/تشرين الأول) من نفس العام، حينما توالت بلاغات المواطنين القلقين عن أشخاص يرتدون ملابس المهرجين يقفون بجانب الطرق السريعة، بالقرب من المدارس أو الغابات القريبة من المناطق السكنية.

     

لكن الفيلم لم يخيب أمل معجبي الرواية، ففي (مارس/آذار) 2017 فاز الفيلم بعنوان "الشيء: الفصل الأول" بطولة بيل سكارسغارد في دور بينيوايز بلقب الإعلان التشويقي الأكثر مشاهدة خلال 24 ساعة من إطلاقه بأكثر من 197 مليون مشاهدة، متغلبا على الجزء الثامن من سلسلة فاست أند فيوريس. وعند عرضه في السينما في (سبتمبر/أيلول) من نفس العام أصبح أكثر أفلام الرعب تحقيقا للإيرادات على الإطلاق وثاني أكثر فيلم مصنف تحقيقا للإيرادات (بعد ديدبول). بلغت أرباح الفيلم 685 مليون دولار عالميا.

 

اختار موشيتي أن يفصل الرواية إلى فيلمين منفصلين، مما يعطيه فرصة أفضل للاحتفاظ بأكبر كم ممكن من المادة الأصلية. كما اختار أن ينقل زمن أحداث الفيلم الأول، أو الفصل الأول، إلى الثمانينيات. يبدو هذا مواكبا لسن معجبي الرواية والمسلسل القصير، فيمكنه من استغلال حنينهم إلى ثمانينيات طفولتهم، مثلما فعل الأخوان دافر في مسلسل نيتفليكس سترانج سينجز، ويعطيه الفرصة لسرد الفصل الثاني في الزمن الحالي، جاعلا إياه أكثر ثراء وصلة بحياتنا اليومية.

   

   

في مقابلة تليفونية مع صحيفة الجارديان، يحكي موشيتي عن صعوبة التعامل مع ضغط التوقعات العالية لتحويل رواية محبوبة إلى فيلم: "بالنسبة لي، كتاب ستيفن كينغ كامل في ذاته، بحيث لا يمكنك أن تصنع اقتباسا حرفيا منه. عليك أن تصنع فيلما كاملا في ذاته وتأمل أن يتفهم الجمهور ذلك".

     
يحكي موشيتي في مقابلة عن خوفه من تقبّل ستيفن كينغ للفيلم واختلافه عن النص الأصلي، يقول: "ستيفن كينغ من أبطالي الأدبيين، عندما أبلغوني أنهم سيرسلون الفيلم إلى فلوريدا ليشاهده كينغ، كتبت له خطابا أطلب مغفرته عما قمت به من تغيرات". ثم يكمل: "لكنه كان لطيفا للغاية. أبلغني ألا أقلق وأن الفيلم رائع ومنحني مباركته على التغييرات".[4]

في الواقع تحدث كينغ في الآونة الأخيرة كثيرا عن إعجابه الشديد بفيلم موشيتي، ففي مقابلة مع موقع إلكتروني يقول كينغ: "كانت عندي آمال للفيلم، لكنني لم أكن مستعدا لكم كان جيدا. إنه مختلف لكنه، في نفس الوقت، شيء يستطيع الجمهور التواصل معه وخلق علاقة به، فهم سيقعون في حب الشخصيات. بالنسبة لي، كل شيء يدور حول الشخصيات، فإذا ما أحببت الشخصيات، إذا ما اهتممت بأمرها، فستخاف معها وعليها. أنا متأكد أن معجبيني سيستمتعون بالفيلم".[5]

   

أما عن خططه للفصل الثاني يقول موشيتي: "في رأيي، لا يمكن أن يدور فقط حول الأبطال البالغين. أكثر ما أحبه في الرواية هو الحوار بين الخطين الزمنيين للأحداث، فهو قصة عن الطفولة. الكتاب هو رسالة حب للطفولة، لكنه أيضا قصة عن احتضار الطفولة. الشيء رمز في النهاية، لأنه عندما يصف بينيوايز نفسه بـ "ملتهم العوالم" فهو لا يعني وحشا يلتهم الكواكب، هو يتحدث عن التهام عالم المخيلة والسحر". 

    

أعلنت "وارنر براذرز" السادس من (سبتمبر/أيلول) عام 2019 ليكون موعد الإطلاق الرسمي لفيلم "الشيء: الفصل الثاني".[6]

تقارير متصدرة


جميع الحقوق محفوظة © 2018 شبكة الجزيرة الاعلامية
Powered by: