*
آخر تحديث: 2017/12/3 الساعة 13:54 (مكة المكرمة)


"المعجزة الهولندية".. الرسم في عصره الذهبي

هند مسعد

محررة فنية

تعود جذور المعجزة الهولندية إلى منتصف القرن السادس عشر عندما تزايد سخط الهولنديين ضد حكم فيليب الثاني ملك إسبانيا، بسبب سياسة التوحيد الديني الصارمة التي فرضتها محاكم التفتيش، والذي كان يعتبر المحافظات السبعة عشر الهولندية تحت سيادة الإمبراطوريّة الإسبانيّة هائلة الحجم.[1]
 

وبحلول عام 1568، بدأت حرب الثمانين عامًا، أو حرب الاستقلال الهولندية، عندما قامت المحافظات السبعة عشر بثورة ضد حكم فيليب الثاني ملك إسبانيا. الحرب التي استمرت حتى عام 1648. وقد حصلت بعدها المحافظات العشر على استقلالها بالكامل وقام بموجبها ما يُعرف اليوم بجمهورية هولندا المُتحدة.[2]
 

إعلان استقلال هولندا كان لحظة انطلاق ما يُعرف بالعصر الذهبي الهولندي أو "المعجزة الهولندية" وهي الفترة الزمنية الممتدة بطول القرن السابع عشر والتي عاشت فيها هولندا كملكة للفنون والعلوم كما سيطرت على حركة التجارة العالمية والفنون الحربية.[3]
 

بعد الاستقلال هيمن الهولنديون على حركة التجارة بين الدول الأوروبية عبر السيطرة على البلدان الواقعة على طرق التجارة بين الشرق والغرب والشمال والجنوب. والذي بدوره ساعد على مواقف متسامحة مع التوجهات الدينية والفكرية على عكس عهد فيليب الثاني.[4]

 

 

في تلك الفترة، ظهر الرسم كسيد للفنون والعلوم، حيث شهد العصر انتشار أنواع متميزة من اللوحات دسمة التفاصيل حيث يقضي الرسامون معظم حياتهم المهنية في رسم لوحاتهم. وقد صار العديد من تلك اللوحات اليوم ذي أهمية كبرى في تاريخ الفن التشكيلي الغربي حتى أطلق على رساميها "الأساتذة القدماء/The Old Masters) [5]). 
  
وعليه، توّج الرسم ملكًا للفنون في تلك الفترة. ساهم في ذلك تحرر الفن من قيوده الدينية التي فرضتها إسبانيا قبل حرب الثمانون عاما. فابتعدت اللوحات عن المواضيع الدينية واتجهت بخطى أكبر نحو المواضيع العلمانية والواقعية. لذلك، نجد أن اللوحات ركزت على مواضيع بعينها دون أخرى؛ مثل مشاهد الحياة الريفية والفلاحين والمناظر الطبيعية مع الحيوانات. كما تم التركيز على البورتريهات الشخصية ومشاهد الطبيعية والمناظر الحية أو البحرية.

 

 
مثلا، لوحة "الثور"، 1647، للرسّام الهولندي بولص بوتر (1625 - 1654)، تعتبر إحدى أشهر نماذج العصر الذهبي في الرسم. مِن حيث، أنّها توجه واضح نحو الواقعية، والذي بدوره كان توجه علماني على عكس الأنماط الدينية التي سيطرت قبل حرب الثمانين عامًا، كما أنّها وضعت إطارا لحجم الموهبة والإبداع الذي صار فيما بعد مميزا للعصر الذهبي ككل.
 
فنرى أن اللوحة اعتمدت عدد كبير من الألوان ودرجاتها، غير التوزيع الدقيق للظل والنور، أيضًا أبعاد وأحجام الحيوانات ورسم المنظور وغير ذلك من عناصر البيئة الزراعيّة الريفيّة. كذلك استطاع بوتر رسم جلود الحيوانات وفرائها بقدرة هائلة حتى إننا نكاد نشعر بملمسها.
 
أمرٌ آخر ساهم في تنامي بيع وانتشار اللوحات الواقعية العلمانية والنفور من الدينية: هو أن اتساع رقعة التسامح الديني جعل اللوحات الدينية أقل بيعا والواقعية تحقق أسعار أعلى وشهرة أكثر. بالتالي، صار للمواضيع غير الدينية تسلسل هرمي من حيث القدرة على تحقيق النجاح والبيع بأعلى سعر، وهذا التسلسل كالآتي:[6]
1- اللوحات التاريخية والأسطوريّة.

2- لوحات البورتريه والتي استخدمت في تزيين البيوت.

3- اللوحات التي تتناول مشاهد الحياة اليوميّة.

4- اللوحات التي تتناول المناظر الطبيعية والبحرية والريف والفلاحين والأطلال.
  
أولا: اللوحات التاريخية والأسطوريّة، لأن المجتمع الهولندي في تلك الفترة لم يكن سوقا رائجا للفن الكنسي، فقد تمت معالجة حتى المواضيع الكنسية والأسطورية والأدبية والشعرية بأسلوب واقعي. فيتم استعراض الموضوع بتفاصيل أقرب للواقع دون تمثيل خيالي. ويظهر هذا جليا في لوحة "المسيح مُكلّل بتاج الأشواك"، 1623، إحدى أبرز اللوحات تمثيلا لذلك. فقد تمت مُعالجة التفاصيل بأسلوب واقعي. مع استعراض واضح لمعالجة الظّل والنور وتوزيع كليهما في فضاء اللوحة. كما تم نحت الأجساد بشكل يُظهر قوتها العضلية والبدنية وتفاصيل التاج والأشواك وملامح وجه المسيح المُتألم.
 


 
ثانيًّا: لوحات البورترية، ازدهرت لوحات البورترية في العصر الذهبي بحكم النشاط التجاري الواسع الذي أعطى العديد فرصة تخليد أنفسهم في بورتريهات أرستقراطية. وتعتبر بورتريهات رامبرانت، 1606 - 1669، الأشهر والأبرز في ذاك العصر. السبب في ذلك قوة رامبرانت الكبيرة على التعبير عما يختلج في شخوص لوحاته بأسلوب مسرحي انفعالي. أضف لذلك، قدرة رامبرانت ومهارته في توزيع الضوء والظلال بشكل درامي ملحمي ما جعل البورتريهات تظهر وكأنها ملحمة.
   

   
ثالثا: اللوحات التي تتناول مشاهد الحياة اليومية، والتي كانت بمثابة أعمال سردية عن طبيعة الحياة والناس في هولندا في القرن السابع عشر. وسواء كانت اللوحات تُظهر عدد كبير من الناس أو فرد واحد فإن المحتوى السردي كان سمة مُميزة لتلك اللوحات.

 

مثال ذلك، لوحة "فلاحون في مشهد داخلي"، 1661، للرسام أدريان جانز هندريكش (1610 - 1685). حيث يتم معالجة محتوى سردي بأسلوب واقعي جدا. مع التركيز على نقل التفاصيل الكثيرة جدا بدقة عالية كنوع من استعراض العضلات الفنية مِن قِبل الرسّام.
 

 
رابعًا: اللوحات التي تتناول المناظر الطبيعية والبحرية والريف والفلاحين والأطلال، وتلك اللوحات تختلف قليلا عن لوحات الحياة اليومية من حيث أنها كانت تركز على نقل المعالم الحضرية والبيئية والبحرية على عكس لوحات مشاهد الحياة اليومية التي كان الهدف منها إظهار طبيعية حياة الهولنديين في تلك الفترة. مثال ذلك، لوحة "مشهد طبيعي للنهر وراكبي الخيول"، 1655، لألبرت كويب (1620 - 1691)، حيث تم التركيز على معالم المشهد الطبيعي ومعالجته بأسلوب واقعي، مع استعراض المهارة في نقل الظل والنور وأشكال وأجسام الحيوانات وحالة الطبيعة.

 

 
إلى جانب كويب، تعتبر لوحات الرسام الهولندي جاكوب فان رايسدل، 1629 - 1682، والتي أسست لخط واضح من رسم المناظر الطبيعيّة بأسلوب رومانسي مثالا جيدًا. حيث تتمتع لوحاته بقدر عالي من المهارة في نقل دقة تفاصيل الطبيعة ورسم المنظور هذا غير روائع الظل والنور التي اتسم بها العصر الذهبي ككل.

  

  
الشاهد، استمرت المُعجزة الهولنديّة على مدار القرن السابع عشر، وغير أنها الفترة التي عاشت فيها هولندا سيدة لأوروبا، كانت هي أيضًا الفترة التي توّج فيها الرسم سيدًا للفنون والثقافة. وقد ساعد التوجه نحو العلمانية وحرية العقيدة من ظهور الأسلوب الواقعي في معالجة المواضيع.

كذلك غذت حركة التبادل الضخم التي عاشتها المُحافظات السبعة عشر سوق بيع وشراء اللوحات، كما غذى تنامي طبقة التجار من سوق البورتريهات ولوحات الحياة اليومية. ليُصبح الرسم ساحة واسعة لاستعراض أي قدرات إبداعية عالية.

تقارير متصدرة


جميع الحقوق محفوظة © 2018 شبكة الجزيرة الاعلامية
Powered by: