*
آخر تحديث: 2017/11/16 الساعة 18:22 (مكة المكرمة)


"مصافحة الشيطان".. كيف تدفع الرياض إسرائيل لحرب بالوكالة بلبنان؟

هيثم قطب

محرر سياسي

كان الأحد يومًا غير عادي للعاملين بمطار رفيق الحريري الدولي بالعاصمة اللبنانية بيروت، الثامن والعشرون من رمضان، الثالث من (يوليو/تموز) للعام الماضي 2016، حين هبطت رحلة قادمة من طهران رأسا تابعة لشركة "طيران إيران"، حاملة على متنها ضيفا جديدا من نوعه على الساحة اللبنانية، في زيارة شبه سرية(1) للقاء رجل لا يقل عنه أهمية إيرانيا، ويزيد عنه بما لا يُقاس بالداخل اللبناني، رأس أكبر تنظيم مسلح في الشرق الأوسط: حسن نصر الله، الأمين العام لحزب الله.

 
كان الزائر الإيراني رفيع المستوى، نتاج شهر سابق عاصف في طهران، قام فيه "علي خامنئي"، رأس إيران الأهم والمرشد الأعلى للثورة، بالتخلص من أحد أهم صقور العاصمة الفارسية، ومطيحا بقائد أعلى هيئة عسكرية في البلاد: الجنرال "حسن فيروز أبادي"، المقرب من الرئيس الإيراني "حسن روحاني".

 
خلّف "خامنئي" عاصفة قصيرة من تكهنات برئيس هيئة الأركان العامة الإيرانية الجديد، ولم تكن القائمة طويلة بأي شكل: غلام علي راشد، ويحيى رحيم صفوي، مستشارا المرشد الأعلى العسكريان الأساسيان، واللواء محسن رضائي، أمين عام مجلس تشخيص مصلحة النظام وقائد الحرس الثوري السابق، لكن "خامنئي" خالف كل ذلك، وتجاهل رضائي مرة أخرى، معيّنا في 28 (يونيو/حزيران) في المنصب شديد الحساسية أصغر جنرالات إيران وأحد أكثرهم غموضًا(2): اللواء محمد حسين باقري.

 
عندما هبط الجنرال باقري بمطار الحريري بعد خمسة أيام فقط من توليه منصبه كان للقائه الخاص مع نصر الله عنوان عريض غير مألوف يناقش عملية تحويل الحزب الهيكلية إلى "قوة تدخّل عسكرية كاملة، يمكن نشرها بجميع أنواع مسارح الصراع". عملية داخلية بدأت منذ اغتيال قائد قوات الحزب الأول "مصطفى بدر الدين" قبل لقاء بيروت بشهر ونصف، منتصف (مايو/أيار)، واستمرت مع تولي "فؤاد شكر"، الملقب بـ "الحج محسن"، ذي الرأس المقيّم عالميا بخمسة ملايين دولار مكافأة أميركية لمن يُرشد عنه لمنصب بدر الدين. حتى حينه، لم يمتلك حزب الله، رغم وجوده العسكري الفعلي في ثلاث دول مختلفة (العراق وسوريا ولبنان)، أي عقيدة انتشار عسكرية واضحة. باختصار، كان هدف باقري تحويل الحزب بشكل نهائي إلى جيش نظامي، وإلى مؤسسة عسكرية كاملة، وفي الوقت نفسه حمل الأمر ضربة جديدة لعاصمة عربية أخرى تُعاني من اختلال قبضتها في فنائها الشمالي منذ أشهر عديدة.
 

خامنئي (يمين) يعين اللواؤ محمد باقري (يسار) رئيسا لأركان القوات المسلحة  (الجزيرة)


بدأ العام الماضي، قبيل تولي الجنرال باقري منصبه بأربعة أشهر، في نهاية (فبراير/شباط) 2016، بأسوأ وسيلة ممكنة للرياض، عن طريق تقرير سري(3) لاطلاع أعين القصر الملكي السعودي، أوضح توغل وتزايد نفوذ حزب الله في لبنان، وشكوك جادة بسيطرة الحزب على المديرية العامة للأمن العام اللبناني "GDGS"، المكافئ اللبناني لمكتب المباحث الفيدرالية الأميركي، والمتحكم الأول في الأمن الداخلي، وكذا عمل عدد كبير من ضباط المخابرات العسكرية اللبنانية لصالح الحزب، لكن الأهم أتى في تسليط التقرير الضوء على تزايد نفوذ الحزب في الموانئ والمطارات اللبنانية، ما عنى بشكل مباشر أن لبنان أصبحت ممر انتقال مهم وواسع للحرس الثوري الإيراني، ما يعني بالضرورة نافذة واسعة على الخليج كاملا.

 
على إثر التقرير، وقبل أن ينتهي (فبراير/شباط)، أوقف "محمد بن سلمان"، وزير الدفاع السعودي وقتها عقد الـ "DONAS"(4) الشهير، صفقة ثلاثية وعدت بموجبها الرياض تزويد الجيش اللبناني بأسلحة ومعدات أمنية بقيمة قياسية بلغت ثلاثة مليارات دولار، على أن تكون فرنسا المزود الأساسي لمعظمها، وكانت شاهدة على معركة نفوذ(5) في الداخل السعودي للإشراف الكامل عليها عام 2013، بين ابن سلمان، نجل سلمان عبد العزيز وزير الدفاع السعودي، وخالد التويجري، رئيس الديوان الملكي ورجل التكنوقراط الأقوى حينها، قبل أن يحسمها سلمان لابنه بعد تدخله بثقله لصالح الأخير.

 
كان محمد بن نايف، ولي العهد السابق ووزير الداخلية في حينه، أحد مهندسي العقد الثلاثي، عقدٌ حاولت به الرياض تكوين محور سني ضخم بالداخل اللبناني مقابل المحور الشيعي، يدين للبلاط السعودي بالولاء، ويمثل حاجزًا سميكًا أمام تزايد نفوذ حزب الله، قبل أن يكتشف السعوديون، كعادة اكتشافات متأخرة ومتكررة غالبا، أن المال ليس الوسيلة الأمثل للتغلب على نفوذ جيوسياسي وبيروقراطي وعسكري واجتماعي عميق، كنفوذ حزب الله داخل رقعة الصراع اللبنانية.
 

الرئيس الفرنسي "فرانسوا هولاند" (يمين) وولي العهد السعودي "محمد بن نايف"، أمام قصر الإليزيه، (مارس/آذار) العام الماضي 2016  (رويترز)


في بداية الشهر التالي (مارس/آذار)، وبعد أيام قليلة من وصول التقرير إلى القصر الملكي، أطلع "محمد بن نايف" وزراء داخلية دول مجلس التعاون الخليجي "GCC" على محتواه، مفسرا به اتجاه الرياض الجديد والعنيف سياسيا ضد بيروت، لتشهد الأشهر التالية فصول الرواية السابقة: تراجع الرياض، صعود حزب الله، ظهور باقري على الساحة، رؤيته للحزب، ثم حجر الدومينو الأخير للعام الماضي: تقارب غير مسبوق(6) بين الاستخبارات العامة السعودية "GIP"، وجهاز الاستخبارات الإسرائيلية، المعروف عالميا بـ "الموساد".

 
أتى التقارب السعودي الإسرائيلي الاستخباراتي الحثيث، في (أكتوبر/تشرين الأول)، وبعد سبعة أشهر من تقرير نفوذ حزب الله، راسما محور الصراع المنتظر، وحمل الرسالة السعودية شديدة الوضوح: ستتحالف الرياض مع أي شخص وكيان، حتى الشيطان نفسه، ما دام ضد طهران، ما سهّل التقارب السعودي الإسرائيلي التاريخي، قبل أن تدور الدائرة لعام كامل، ثم تقدم الرياض على تسلسل أفعال شديد السرعة والتوتر منذ أيام قليلة، بدأه ابن سلمان بليلة الخناجر الطويلة، وأتبعه بفعل ربما لم يسبق له مثيل عالميا: احتجاز رأس دولة أخرى وإجباره على الاستقالة مباشرة. "إجبار سعودي" كما أسماه صراحة صحافي الواشنطن بوست الشهير "ديفيد إغناتيوس" في مقاله(7) الجمعة الماضية، جازما بشكل شبه كامل بما حدث عن طريق ما أسماه بـ "مصدر لبناني مطلع"، بينما تبدو من بعيد ملامح ما صاغه محلل هآرتس الإسرائيلية الشهير "عاموس هاريل" في سؤال غير مألوف: "هل تدفع الرياض إسرائيل إلى القيام بمهامها القذرة؟"(8).
 

الكراهية

أثناء العدوان الإسرائيلي على الجنوب اللبناني عام 2006، بعد عملية حدودية لحزب الله أسر فيها جنديين من جيش الاحتلال، كان هناك انطباع عام بأن الحزب قام بما لم يقم به أي نظام عربي منذ حرب (أكتوبر/تشرين الأول) عام 1973، ومع استمرار صمود الحزب العسكري أمام آلة حرب تل أبيب فائقة القوة، وعدم قدرة الأخيرة على تدمير ترسانة الأول العسكرية، وتركيزها على تدمير بنية لبنان التحتية وقصف المدنيين بمعدلات عالية، تحوّل حسن نصر الله من مجرد رجل يترأس مليشيا شيعية إلى بطل قومي عربي، يرفع العامة صوره جوار صور الرئيس المصري الراحل "جمال عبد الناصر" في شوارع القاهرة والأردن، وأصبح الرجل، ومن ورائه الحزب، رمزين غير قابلين للانتقاد تقريبا.

 

مظاهرة (في مصر)  مؤيدة لحزب الله أثناء العدوان الإسرائيلي على لبنان 2006  (رويترز)


عبّر الشاعر المصري الراحل الشهير "أحمد فؤاد نجم" عن ذلك بقصة بسيطة، أثناء مقابلة له في (يوليو/تموز) عام العدوان الإسرائيلي مع "نيل ماكفاركر"، رئيس مكتب نيويورك تايمز بالقاهرة(9)، حاكيا أنه أثناء خروجه صباحا قابل عامل نظافة أمام منزله، وسأله مباشرة عن رأيه فيما يحدث، ليرد الرجل: "عم أحمد، لقد أيقظ نصر الله روحي الميتة، لينصره الله". تكلم ذلك العامل وقتها بلسان كل العرب تقريبا، فعلى المستوى الشعبي، برز نجم نصر الله والحزب بشكل لم يشهده كيان في الشرق الأوسط على مدار عقدين قبل العدوان على الأقل، واكتسب هالة من الحماية العامة، وحاضنة شعبية هائلة، مقابل تراجع ممتد للأنظمة الحاكمة، ولم يكن هناك أحد في الغالب على استعداد لسماع أي كلمات تضرب على وتر علاقة الحزب بطهران، وفي المقابل، أضاءت تلك الأنظمة، وخاصة الرياض، أضواء الخطر الحمراء: لقد وضعت إيران قدمها الأولى بالفعل في العالم السُنِّي المرسوم سعوديًا.

 
كان موقف الأنظمة مختلفا كل الاختلاف(10)، فمن ناحية، حمَّلت الرياض، جوار القاهرة وعَمّان، مسؤولية إثارة الهجوم الإسرائيلي لحزب الله بعد أسره للجنديين، ما أدّى إلى موجة غضب شعبية عامة عربيا تجاههم، ومن ناحية أخرى كان هناك اتفاق شبه عام عربي رسمي، وخليجي بالأخص، على فائدة انتهاء العدوان بنجاح إسرائيلي في تفكيك منظومة الحزب العسكرية، وكان الهدف دائما حزب ضعيف وغير مسلح، ما يعني بالضرورة انتهاء عصر أخذ قرارات الحزب في طهران، وهو اعتقاد ملك الأردن عبد الله الثاني حينها، وربما حتى الآن.

 
قبل نهاية (يوليو/تموز) عُقِد مؤتمر روما لبحث سُبل وقف القصف الإسرائيلي، ووعد الملك عبد الله بمليار دولار للبنك اللبناني المركزي، ونصف مليار أخرى لإعادة إعمار الجنوب المدمر، وهو وعد رافقه تحميل الحزب مسؤولية إثارة تل أبيب كما ذكرنا(11)، وبنهاية منتصف (أغسطس/آب) أوقفت إسرائيل عدوانها. خرج الحزب أقوى، وخرج لاعبو السياسة العرب الرئيسون بحالة وهن شعبي عامة، وبدأت سلسلة إدارة الخسائر السياسية التقليدية: الكثير من التصريحات المنتقدة لإسرائيل، والكثير من التصريحات المساندة للبنان، ومؤتمرات إعادة إعمار الجنوب، وبدا أن العالم في طريقه إلى نسيان ما حدث، لكنّ عامين فقط كانا كفيلان بظهور النيّات السعودية تجاه الحزب بأوضح صورة ممكنة.

 

لنغزُ لبنان

"سيُحاسَب حزب الله على حربه على المملكة العربية السعودية.. حرب تشنها المليشيا الشيطانية بأسلحة وصواريخ إيرانية يطلقونها من اليمن.. الحل هو تحالف دولي صارم لمواجهته ومن يعمل معه لتحقيق الأمن والسلام الإقليمي"
(ثامر السبهان، وزير الدولة السعودية لشؤون الخليج، في مقتطفات من تصريحات
(12) وتغريدات(13) نصية(14) له منذ (سبتمبر/أيلول)، العام الحالي 2017).

 

"ثامر السبهان" وزير الدولة السعودية لشؤون الخليج (الجزيرة)

 
لا يمكن لأحد إعطاء الوزير السعودي "السبهان" صك ابتكارية دعوته إلى تحالف دولي لمواجهة حزب الله، فقد استخدمت الفكرة بالفعل في اليمن الفقير المجاور، وهو تحالف "دولي بقيادة سعودية" لم يفعل شيئا تقريبا إلا تدمير اليمن بدون نتيجة حقيقية، وصناعة مستنقع ما زال صانعه (الرياض) غارقا فيه إلى الآن بلا طريقة للخروج دون خسائر فادحة، لكن الأهم أن دعوة "السبهان" هي مجرد تكرار لدعوة أخرى، سعودية أثيرة أيضا، وأكثر عنفا، سبقت كلمات "السبهان" بعقد كامل، الهدف: غزو عملي للبنان.

 
خرجت المملكة بعد وقف إطلاق النار، منتصف (أغسطس/آب) 2006 وحتى أوائل عام 2007، بتصور شبه موحد بأنه لا وقت أكثر مناسبة من ذلك لإنهاء حزب الله، فقد استهلكت المليشيا جزءًا كبيرًا من قوّتها العسكرية ضد تل أبيب، بينما تبدو لبنان داخليا هشة بما يكفي محاولة لملمة أشلائها بعد العدوان، وتوفر مبرر دبلوماسي متقن للتدخل لـ "حماية الشعب اللبناني"، لذا، وبالنسبة للرياض، لم يكن هناك وقت أفضل من هذا لضرب طهران بالوكالة.

 
كانت زيارة مهمة، وبعد خمسة أشهر فقط، في 6 (فبراير/شباط) عام 2007، وصلت "فرانسيس فراجوس" مساعدة الرئيس الأميركي "جورج دبليو بوش" للأمن القومي ومكافحة الإرهاب إلى جدة، متوّجهة مباشرة إلى قصر مهندس العلاقات السعودية الدولية الأشهر، ووزير الخارجية المخضرم حينها الأمير "سعود الفيصل".

 
بالنسبة للسعوديين، يبدو الأميركيون أحيانا متساهلين بشكل أكبر مما يجب، وعلى الأرجح كانت تلك رؤية الأمير "الفيصل" مستمعا لـ "فرانسيس" أثناء طلبها الجاد لمساعدة المملكة في وقف بث قناة المنار اللبنانية، ذراع حزب الله الإعلامي الأكبر، عن طريق محو تردداتها من القمر الصناعي "عرب سات"، مضيفة أن الفرنسيين وافقوا بالفعل على وقف الترددات، لتتبقى خطوة الرياض.
 

 

وفقا لـ "سعود"، كان ذلك تعاملا مع عرض المشكلة السعودية لا أصلها، لذا كان واضحا في إخباره لمساعدة الأمن القومي بأن مشكلة "مؤسسة حزب الله الثقافية هي الأكثر إلحاحا حاليا لنفوذها الأضخم"، مؤكدا أنه "يمكن إغلاقها بتحالف عسكري دولي"(15)لا تمثّل رؤية أحد أبرز وزراء الخارجية السعوديين لحن قول بخضم تفكير المملكة، فلطالما اعتبر بلاط الرياض الملكي لبنان حديقته الشمالية الخاصة بفاصل ودود أردني، وتعامل معها دوما باعتبارها خط دفاع مهم ضد هاجسه الأول والدائم في طهران، لذا لم يكن مستغربا أن يتكرر اقتراح الغزو، من الأمير "الفيصل" مرة أخرى في العام التالي مباشرة، 10 (مايو/أيار) 2008، أثناء مقابلته مع السفير المخضرم "ديفيد ساترفيلد"، مستشار وزيرة الخارجية "كونداليزا رايس" لشؤون العراق، رفقة فريق دبلوماسي من سفارة واشنطن ببغداد، مخبرا إياهم أن "تحدي حزب الله العسكري للنظام اللبناني بحاجة إلى حل أمني" بطريقة مختلفة هذه المرة.

 
اقترح وزير الخارجية تشكيل قوة عربية عسكرية مشتركة(16)، "لحفظ النظام داخل وحول بيروت" حسب تعبيره، قوة ستتدخل عسكريا بمساعدة وتحت غطاء قوات حفظ السلام الأممية "اليونيفيل" بالجنوب، والأهم أن الحلف سيحتاج، بحسب طلب "الفيصل"، إلى توفير دعم حركي لوجيستي شامل وقوة بحرية وجوية من قِبَل الولايات المتحدة والناتو، مُنهيا قائمة مطالب الرياض بعبارة واضحة: "يعني انتصار حزب الله في بيروت نهاية حكومة السنيورة، ما يعني وقوع لبنان في قبضة إيران".

 

في أعين الرياض، وكما عبّر "سعود" نصا، فإن سيناريو انتصار حزب الله المحتمل متزامنا مع التحركات الإيرانية سيكون "كارثة على الولايات المتحدة والمنطقة"، وأن "الموقف عسكري ولن يُحلّ إلا عسكريا"، لكن المخضرم "ساترفيلد" لم يتأثر كثيرا بمقترح الأمير، مُبديا تشكّكه في جدوى الأمر لواشنطن، وعندما أنهى "الفيصل" مرافعته بأن "لبنان -من بين كل جبهات التوغل الإيراني- ستكون معركة أسهل بالنسبة لحلف مضاد لطهران، وستُبقي حزب الله خارج لبنان إلى الأبد"(17)، ربما ظن أن إنهاء المقترح بذلك الوعد الرنان سيلهب "ساترفيلد" أكثر، لكن الرجل، وواشنطن من ورائه، كانا أكثر حكمة كما يبدو مستدعيين إرث العراق الأثقل أميركيا وغير المنتهي، وعندما وعد "ساترفيلد" بنقله إلى البيت الأبيض ودراسته، عنى ذلك وضع خاتم الرفض الأميركي الأحمر على خطة الرياض كاملة.

  

لا يمثّل "السبهان" بدعا من النظرة السعودية الخارجية، وعلى الأرجح فإنه لم يمهّد للمقترح، القديم-المتجدد دوما بالتدخل العسكري في الدولة اللبنانية، بمبادرة شخصية، فالرجل في النهاية ترس صغير في آلة الرياض السياسية الخارجية، وهي آلة غير معقدة ولا تعرف كثيرا ألعاب الإستراتيجيات الطويلة، وإنما تعتمد دوما على ركيزتين أساسيتين: المال والقوة، ركيزتان غير دائمتين ويفضيان، كما أثبت التاريخ السياسي الحديث مرارا وتكرارا، إلى خسائر هائلة. لذا، فقد بقيَ حلم المملكة دوما بإنهاء حزب الله إلى الأبد وقطع الذراع الإيرانية الأهم في الشرق الأوسط، وهو على صعوبته، ونتائجه الكابوسية المحتملة على المنطقة، لا تتفرد به الرياض وحدها، وإنما تشاركها الحُلم عاصمة أخرى، بكيان أكثر قوة، وأكثر ذكاء بما لا يقارن.

 

ألعاب الحرب

الزمان: الرابع عشر من (يونيو/حزيران) للعام الماضي 2016، والمكان هو كِبوتس "معيان باروخ"، مستوطنة احتلال إسرائيلي بجوار نقطة تقاطع الحدود الفلسطينية اللبنانية السورية المشتركة، يسكنها قرابة الألف مستوطن، والحدث فريد من نوعه: تنفيذ(18) أول إخلاء فعلي لمستوطنة شمالية ضمن سيناريو إسرائيلي لغزو عسكري افتراضي شامل، من قبل حزب الله اللبناني، للشمال المُحتل.

 
شهدت إسرائيل ذلك اليوم أكبر محاكاة إلكترونية لحرب شاملة ضد حزب الله(19)، وتمت المحاكاة باستخدام عناصر من لواء النخبة الإسرائيلي "جولاني"، وفرقة دبابات كاملة، وبمعاونة سلاح المهندسين لجيش الاحتلال، وبإدراج ضربات طائرات بدون طيار في لعبة الحرب، وفي السياق، وعلى لسان "إرين ماكوف" أحد ضباط جيش الاحتلال الرئيسين، جرى تدريب مستوطني الشمال للمرة الأولى على إجراءات إخلاء قياسي، وأيضا حال بقاء بعضهم أثناء قيام الحرب.

 
لم تكن اللعبة إلا بداية تسلسل إسرائيلي جديد من نوعه ومثير لأسئلة جوهرية، فرغم كون إسرائيل كيانا أمنيا قائما بشكل رئيس على افتراض حرب شاملة مفتوحة في أي لحظة فإنه لم يسبق لتل أبيب أن أجرت ألعاب حرب بهذه الكثافة، وفي أوقات متتالية ومتقاربة، وبأنماط عسكرية متصاعدة تدريجيا، وكلها بلا استثناء موجهة إلى حزب الله.
 

  

بمرور ثلاثة أشهر، وفي السبت 10 (سبتمبر/أيلول) للعام الماضي، بدأ(20) جيش الاحتلال تدريبات محاكاة فعلية واسعة للتعامل مع غزو افتراضي من مقاتلي حزب الله المدعوم إيرانيا، وتضمّن التدريب تنفيذ خطة عمل استغرقت بضعة أشهر لوضعها، شاملة إخلاء مستوطنتين كاملتين، هما "يعارا" و "ديشون"، ونقل سكانهما إلى الجنوب إلى مستوطنة جان شموئيل، وتأمين مسافة حدودية قدرها أربعة كيلومترات في العمق الفلسطيني المحتل، مع إعادة تأهيل كاملة لتلك الحدود، بوضع حواجز خراسانية وعوائق وأنظمة مراقبة أكثر تطورا، مع قاعدة بيانات تفصيلية تشمل كل مستوطن شمالي، بدءا من معلوماته الأساسية، ووصولا إلى نزعاته الشخصية ومدى قبوله للإخلاء، حال حدوث حرب فعلية، من عدمه.

  
لم تمض ستة أشهر أخرى إلا وانتقلت وزارة الدفاع الإسرائيلية إلى مستوى أدق، فتم استدعاء مجموعة من الاحتياط الإسرائيلي، ودُمجت بمجموعة من قوات النخبة، في أواخر (مارس/آذار) لعامنا الحالي، ووُضعوا في قاعدة "Elyakim" العسكرية شمالا، حيث جرت(21) تدريبات قتالية شاملة في نموذج لقرية خراسانية لبنانية بكامل مبانيها، وبمحاكاة شبه دقيقة لسيناريو انتقال عسكري إسرائيلي للجنوب اللبناني، مع تقسيم القوات المستدعاة إلى قسمين، أحدهما يمثّل مقاتلي حزب الله، بنفس أزيائهم، وباستعدادات مشابهة تقنيا لاستعداداتهم العسكرية.

 

كان كل ذلك تمهيدا للحظة المنتظرة، منذ شهرين تقريبا، في الرابع من (سبتمبر/أيلول) المنصرم، شهد(22) فيها الشمال المحتل أكبر ألعاب حرب إسرائيلية في العشرين عاما الأخيرة، منذ تدريبات "بوابات السماء" العسكرية الشهيرة لمحاكاة حرب إسرائيلية-سورية عام 1998. واستغرقت وزارة الحرب الإسرائيلية 18 شهرا للتخطيط لها، مُطلقة عليها "ضوء الحبوب"، ومحاكية فيها مرة أخرى سيناريو غزو واسع النطاق من حزب الله للشمال المحتل بطوله، بنطاق أوسع هذه المرة.

  

جنود إسرائليون يتدربون بقاعدة إلياكيم (رويترز)

 
استخدم جيش الاحتلال عشرات الآلاف من الجنود الأساسيين والاحتياط، وقوة جوية كاملة "طائرات حربية - طائرات مروحية - درونز"، وشبكة أنظمة الدفاع الصاروخي الرباعية "ديفيد - القبة الحديدية - السهم - باتريوت"، واشتركت فيها القوات البحرية، ووحدات من المهندسين العسكريين، والمخابرات العسكرية "أمان"، ووحدات الدفاع المدني الإسرائيلي، ووحدات سيبرانية للمرة الأولى للتحكم في تدفق الألعاب المعلوماتي، مع تجربة شاملة لأنظمة اتصالات جديدة وسرية موجهة لإصلاح خبرات حرب عام 2006، وفجوات شبكة الاتصالات الإسرائيلية العسكرية وقتها التي استغلها حزب الله بشكل ناجح.

 
حازت تحضيرات الألعاب الكبرى على موافقة الجنرال غازي إيزينكوت، رئيس أركان جيش الاحتلال، أوائل العام الماضي، وأشرف على تنفيذها في عشرة أيام -إلى 14 (سبتمبر/أيلول) المنصرم- 40 ضابطا إسرائيليا رئيسا، وقادهم قائد الفيلق الشمالي الإسرائيلي، الجنرال تامير هيمان، وفوقه قائد القيادة الشمالية الجنرال يوئيل ستريك، بينما كان الهدف هذه المرة، وعلى لسان تامير، ليس مجرد هزيمة حزب الله كما التدريبات المعتادة، وإنما دحره تماما.
 

بالرغم من التأكيد الدائم، الكلامي والعملي، لحزب الله اللبناني، على لسان أمينه العام حسن نصر الله، ونعيم قاسم رجل الحزب الثاني، وقادته العسكريين وعلى رأسهم طلال حمية، أحد أبرز المطلوبين عالميا الآن لواشنطن، على جاهزية الحزب الدائمة لأي حرب إسرائيلية، فإن تصاعد الاستعدادات الحربية لتل أبيب بهذه الوتيرة، وتركيز نتنياهو مؤخرا على الحزب كعدو أول، وتأييده لقيام دولة كردية، وانتهاج الرياض لمسار اصطدامي شديد الحدة ويبدو متسرعا مع المليشيا الكبرى المدعومة إيرانيا، والاتساق شبه التام بين الخطين الدبلوماسيين الإسرائيلي-السعودي بعد الرابع من (نوفمبر/تشرين الثاني) الحالي، كل ذلك يشكل بيئة مثالية لأسئلة شديدة الأهمية، على رأسها: هل تدفع الرياض إسرائيل باتجاه حرب إقليمية شاملة؟

 

المهام "القذرة"
يمثّل "ابن سلمان" فرصة ذهبية لـ "ترمب" لتقويض أسوأ تركة تركها أوباما له في آراء الأول المعلنة والخاصة دوما، وهي اتفاق إيران النووي المكبل لأيدي الإدارة الأميركية الجديدة في التعامل معها.  (الجزيرة)

 
عندما قطعت "رويترز" يوم الاثنين، 12 (نوفمبر/تشرين الثاني)، بتقريرها المفاجئ
(23) باحتجاز رئيس الوزراء اللبناني المستقيل "رفيق الحريري"، وجزمت عن طريق مصادر لبنانية مقربة منه بأن الرياض "استقبلته بأسوأ طريقة ممكنة وأجبرته على الاستقالة"، لم يكن العالم بحاجة إلى تفسير لمشهد بدا واضحا، بشكل كبير، في ساعاته المبكرة، لكن تأكيد الوكالة الإخبارية العالمية الأولى للأمر، وحتى بعد مقابلة الحريري المتلفزة يومها أيضا(24)، قطع الشك كليا: لقد فعلتها الرياض، وأقدمت على احتجاز رأس دولة أخرى، ما وُصف في أوساط التحليل العالمية كونه فعلًا جديدًا من نوعه وغير محسوب، بأفضل التعبيرات، متهورًا بلا رؤية وبغرور قوة عاتٍ، على أوقعها.

 
بدأ الأمر منذ لحظات مبكرة عام 2013، ما يمكن اعتباره ضربة بداية "الفتى الأعجوبة"(25) بتعبير محللي فورين بوليسي الشهيرين "أرون ديفيد ميلر" و"ريتشارد سوكولسكي"، عندما حسم "ابن سلمان" المعركة الفرنسية لتزويد الجيش اللبناني بعقد "دوناس" والثلاثة مليارات دولار، وأصبح مشرفا كاملا عليها، ما عنى تحكمه شبه الكامل في تنسيق الأمر مع مقاولي الدفاع الفرنسيين، ومع النظام اللبناني. كانت الضربة إشعارا واضحا في البلاط الملكي بأن السلمانية قادمة، وأنه حتى التويجري، رجل التكنوقراط الأقوى وذراع الملك عبد الله الأهم وقتها، لن يكون قادرا على إيقافها.

 
كانت الرياض، رفقة القصر الجمهوري القاهري، أحد أول المهنئين العالميين، وبترحيب حقيقي وحار، بفوز الرئيس الأميركي الحالي "دونالد ترمب"، عنى ذلك بالنسبة للمملكة عامة إطلاق يدها بشكل أكثر رحابة ضد طهران، على الجبهات السورية والعراقية وكالة وتنسيقا بالجماعات والتنظيمات المسلحة هناك، ضد كل أذرع إيران العسكرية "حزب الله/المليشيات السورية الشيعية/قافلة المليشيات العراقية"، وعنى لابن سلمان بشكل خاص أن طريقه أصبح مفتوحا، بمباركة البيت الأبيض، للعرش، ما أدّى إلى امتلاكه لأدوات أكبر لإطلاق أزمات كبرى يمرر بها انقلاباته الراديكالية لتأمين عرشه، ولشغل منافسيه ومعارضيه الإقليميين أو تحييدهم على أقل تقدير، كأزمة قطر وأزمة لبنان مؤخرا.

لكن الأهم هو قدرة تلك الأدوات على محو منافسيه الرئيسين: الأمير "محمد بن نايف"، صديق مجتمع الاستخبارات الأميركي الأول والأوثق، والأمير "متعب بن عبد الله"، المتحكم في القوة السعودية العسكرية الوحيدة الخارجة عن نطاق سيطرة الأمير السلماني المتسرع، محاولا الآن في زمن ما بعد متعب السيطرة عليها، وهو ما أبلغ به الأمير "خالد بن عياف آل مقرن"، المسؤول الجديد عن الحرس الوطني، وآمرا إياه أن يبلّغ ضباط الحرس الوطني الأساسيين برسالة نصية: "لقد انتهى زمن الأمير متعب"(26).
 

 

عندما زار(27) فتى ترمب المدلل وصهره الأثير، كبير مستشاري الرئيس "جاريد كشنر"، الرياض على رأس وفد رفيع المستوى قبيل ليلة الخناجر الطويلة واستقالة الحريري بعشرة أيام، أطلق ترمب العنان لنظام سعودي جديد من نوعه، يوشك على نسف كل توازنات القوى المؤسسة للدولة السعودية الثالثة، يؤسس لعقد اجتماعي داخلي غير ديني ولا علماني، ارتجالي بلا تصنيف، ويضرب بقوة أي محاولة لتغيير الأنظمة الإقليمية العسكرية الراسخة، ويسير على دليل استعمال ابن زايد الأثير، ويوجّه حربته، العشوائية وغير الدقيقة والمحملة بمئات المليارات من الدولارات وعقود الأسلحة وشبكات القوة، تجاه هاجسه الأول "طهران"، متحالفا في سبيل ذلك مع الشيطان إن لزم الأمر، أو بعبارة أدق: مقيما علاقة طالما حرّمها النظام الملكي السعودي تحريما تاما مع عدوه "الافتراضي" الأول سابقا: تل أبيب.

 
يمثّل "ابن سلمان" فرصة ذهبية لـ "ترمب" لتقويض أسوأ تركة تركها أوباما له في آراء الأول المعلنة والخاصة دوما، وهي اتفاق إيران النووي المكبل لأيدي الإدارة الأميركية الجديدة في التعامل معها. تحت غطاء الاتفاق، المهندس إيرانيا ببراعة دبلوماسية أشادت بها طبقة الأبحاث الأميركية حينها، تتحرك إيران بجوار حليفتها "موسكو" لتكوين نظام إقليمي بمنزلة "حلف وارسو" هائل الحجم، لا سيطرة فيه للولايات المتحدة، ولا هيمنة فيه إقليميا للاعبين الخليجيين الرئيسين، ويتم التعامل فيه بندّيّة مع تل أبيب، وتحصل منه موسكو على قبضة حديدية على أوروبا، وتكتسب فيه إيران طريقا معبدا بلا مضايقات واشنطن.

 
يرى ترمب المشروع الإيراني المفترض خطرا داخليا قبل أي شيء، سياسيا قبل أن يكون فعليا، وتراه تل أبيب تهديدا بالغا، وهو أمر يستثمره نتنياهو بأفضل شكل ممكن على المستوى الإسرائيلي المحلي، ورأته الرياض سابقا تهديدا لزعامتها السنية المفترضة للمنطقة، وهيمنتها بالتالي، قبل أن تتحول الرؤية إلى التعامل معه كـ "تهديد وجودي"، لا سعودية في وجوده.

 
برغم كل ذلك، وعلى الأرجح، لن يشهد الاتفاق النووي أي انسحاب أميركي مفاجئ تماهيا مع الأمنية السعودية الثابتة، وهي المعارضة للاتفاق أثناء إدارة أوباما كونه المتسبب الأساسي في توتر طرقات "الرياض-واشنطن" وقتها. ولن يُقدم ترمب على الأرجح على خطوة كهذه، لأن ذلك يعني ببساطة إطلاق يد طهران لاستهداف كل المصالح الأميركية كما السابق، أمر يقره معهد بروكنجز نفسه لدرجة إطلاقه لمقال تحذيري(28)، كتبه رئيس المعهد "جون آلن" رفقة مدير أبحاث المؤسسة "مايكل أوهانلون"، داعين لانتهاج "إستراتيجية احتواء لا معاداة" لنفوذ طهران. بشكل أوضح: لا يُنصح بطريق الرياض.
  

من اليمين: وزير الخارجية الإيراني "جواد ظريف"  رئيس منظمة الطاقة النووية الإيرانية علي أكبر صالحي، من اليسار: وزير الخارجية الأميركي "جون كيري"، ووزير الطاقة الأميركي إيرنست مونيز، أثناء مفاوضات الاتفاق النووي الإيراني - لويزيانا - 26 (مارس/آذار) 2015 (رويترز)

 

في أروقة بلاط آل سلمان، يعرف الجميع على الأرجح، وعلى رأسهم "ابن سلمان" نفسه، أن تكلفة الحرب اللبنانية بالوكالة بين الرياض وطهران لن تتحملها المملكة الساخنة بأي شكل. فمن ناحية، لا يمكن التعامل مع حزب الله اللبناني كمليشيا تقليدية، أو حتى غير تقليدية، ويصنّف عسكريا كونه أسفل الجيوش النظامية بنزر يسير جدا، ممتلكا شبكة علاقات دبلوماسية واسعة، إقليمية وفي بعض دول العالم، رغم تصنيفه على قوائم الإرهاب الرئيسة، وممتلكا لأكبر شبكات لوجستية وسياسية بالداخل اللبناني، ولجهاز استخباراتي شديد التنظيم يقارن بأجهزة دول إقليمية عتيقة كالجار الأردن، ولأكبر حاضنة شعبية هناك، وحالة استقرار داخلية مع أطياف لبنان الأخرى، حتى السنية منها، لكن الأهم: شبكة صواريخ تُقدّر على الأقل بـ 100 ألف صاروخ متنوع أرضي ومضاد للسفن، وترفعها بعض التقديرات إلى 150 ألفًا، وتستطيع الوصول إلى قلب الرياض بسهولة.

 
برغم ادّعاء السعودية أن الصاروخ الباليستي المطلق على الرياض قادمٌ رأسًا من طهران، إيراني الصنع والتهريب، فإن هذا الادعاء المستخدم ضمن ذرائع تحركات "ابن سلمان" الأخيرة لا دليل قاطع عليه. بينما تعرف الأوساط العسكرية أن اليمن، وتحديدا بعض فرق الصواريخ القديمة من نظام الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، لديها القدرة على إنتاج صاروخ باليستي كبركان H2، المطور
من سكود-بي الروسي، كما أثبتت ذلك ستراتفور نفسها في (يوليو/تموز) الماضي(29). إضافة إلى أن ذلك التوجه الاستخباراتي جعل الشبهات(30)، غير المثبتة بأي شكل، تحوم حول ضلوع سعودي أو إماراتي في اغتيالات لعلماء روس داخل اليمن، يُعتقد بعملهم على تطوير تلك الصواريخ أيضا لصالح الحوثيين، حلفاء علي عبد الله صالح وفرق الصواريخ الموالية له. ولكل ذلك، يمكن بداهة استنتاج ما يمكن أن تفعله القدرات الصاروخية لتنظيم متطور عسكريا كحزب الله حال اشتعال حرب.

 
على الأرجح، وبتتبع الإشارات السابقة المتتالية في السنوات الأخيرة، لا مانع لدى الرياض من التنسيق، وربما مساعدة وتمويل، ضربة إسرائيلية لحزب الله. يمحو هذا السيناريو المُراد الكثير من على كواهل الرياض، تضرب فيه إسرائيل حزب الله في حرب مفتوحة لطالما مثّلت وستمثّل جزءا من القاموس الإسرائيلي، وتسير فيه المملكة بلا عناء التورّط في مستنقع آخر جوار كارثة اليمن الفاشلة عسكريا وسياسيا، وتنشغل به إيران لفترة ليست بالقصيرة، وتعمل فيه الآلة العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية المميزة بفاعلية، ما يعني أن النتيجة، مهما كانت، هي "حزب الله" ضعيف ومقلّم الأظافر، أو ربما إنجاز أسطوري بنزع سلاحه.

  


 
لكن الرغبة، حتى بتنسيق واستعداد وتقاربات وتحالفات جديدة متشكّلة بين الرياض وتل أبيب وواشنطن، شيء، والفعل شيء آخر، فإسرائيل ليست كيانا يمكن التعويل عليه لحرب بالوكالة، ويفضل دائما أن يحارب الآخرون بالنيابة عنه، وبلا تحمّله لتكاليف تلك الحرب أيضا، وهو ما عكسته الصحافة الإسرائيلية الأيام السابقة، عندما انطلقت صيحات تحذير متتالية بالانتباه إلى رغبة الرياض في دفع تل أبيب إلى الحرب، أمر لا تبدو إسرائيل مستعدة له حاليا، حتى ولو عرضت الرياض على تل أبيب جائزتها الكبرى: تطبيع كامل ورسمي للعلاقات السعودية الإسرائيلية.

   
لذا، يبرز مسار الأحداث الأكثر بداهة، مسار تصعّد خلاله الرياض حدّة موقفها تجاه لبنان، وتحاول حثيثا التأثير فيه على الجيش اللبناني ماليا مستغلة في ذلك تماهي واشنطن معها، وهو أمر اتضح خلال الأيام السابقة باحتمال أطلق في فضاء الجيش اللبناني بإمكانية إعادة حزمة ثلاثة المليارات دولار، وتقوّي فيه الرياض من علاقتها مع تل أبيب، وتضغط فيه تجاه عزل حزب الله داخليا قدر الاستطاعة، إلى أن ينجح الأمر، أو تنبت بيئة مناسبة للحرب، لكنّ الاحتمالين -كعادة الرياض- لا يبدوان بهذه النجاعة، قياسا على محاولاتها الحديثة السابقة المختلفة، ومدرسة "اللا إستراتيجية" السعودية الأثيرة، والأهم وللمفارقة: ما يفعله "ابن سلمان" يساهم في عودة "نصر الله" لصورة البطل الشعبي، المدافع عن الديمقراطية والسلطة المختطفة، ويصرف الأنظار تماما عن تورط قوات الحزب وهو شخصيا في مستنقع سوريا الدموي.

 
تبدو مغامرات "ابن سلمان" غير محسوبة دوما، تورط في اليمن، وأزمة قطرية ألقت بظلالها المتوترة على حليف مستقبلي مهم كتركيا، واستدعاء لميراث العداء اللبناني، واستفزاز لتنظيم مسلح ضخم لا يُنصح بالتعامل معه بطريقة كتلك، وتقارب مع عاصمة كيان لا تأتمنه أروقة واشنطن -حليفه الأهم- نفسها، عاصمة تلعب بالجميع تقريبا رغم جاهزيتها الحربية الدائمة. من كل ذلك، لا يبدو لمسار "ابن سلمان" الجديد أي نجاح يُذكر، وربما سينتظر، وحلفاؤه من ورائه، عصرا آخر من خسائر لا تتوقف.

المصادر

تقارير متصدرة


جميع الحقوق محفوظة © 2018 شبكة الجزيرة الاعلامية
Powered by: