*
آخر تحديث: 2017/11/21 الساعة 16:21 (مكة المكرمة)


خطيئة "بارزاني" الكبرى.. هل خسر الأكراد كل شيء؟

عارف عبد البصير

محرر سياسة

كانت نسرين عبد القدير، الفتاة ذات الستة عشر عاما، تساعد والدتها ذلك اليوم في تحضير الطعام لضيوفهم حين اخترق دويّ الطائرات مسامعها. لم يكن التحليق المكثف في حلبجة أمرا غير معتاد، بعد ثمانية أعوام من حرب متواصلة اعتبرت خلالها الحكومة العراقية سكان المدينة وما حولها من الأكراد على رأس قائمة الأعداء، جنبا إلى جنب مع إيران غريمها في الحرب. غير أن الطائرات حلقت ذلك اليوم على ارتفاع منخفض بشكل ملحوظ، لدرجة أن السكان كانوا قادرين على تمييز أوجه الطيارين من النوافذ والشرفات، أما نسرين وعائلتها، فقد تركوا ما بأيديهم وهرعوا إلى الطابق السفلي في انتظار القصف.

 

مرت الدقائق بطيئة وثقيلة على العائلة، لكن السقف لم يسقط على رؤوسهم، وبدا للجميع، للوهلة الأولى، أن الأمور سوف تنتهي بسلام عكس المتوقع، غير أن الفتاة سرعان ما انتبهت إلى أن أعين أفراد عائلتها يتحول لونها تدريجيا إلى الأحمر، قبل أن يميّز الجميع رائحة كريهة تشبه رائحة البيض الفاسد تتسرب من أسفل الدرج. ومع خفوت هدير الطائرات، سارعت نسرين وعائلتها إلى الخارج ليروا المشهد: كان الأطفال يتقيؤون في الشوارع، والكبار ينزفون من أنوفهم، في حين امتلأت الطرقات بجثث الماشية والماعز المختنقة، وبدأ الناجون يهرولون في اتجاه الرياح محاولين التقاط أنفاسهم. ومع قدوم الليل، وجدت نسرين نفسها مستقرة بصحبة مجموعة من الهاربين في مبنى مهجور، حيث بدأت تشعر أنها تفقد قدرتها على الإبصار، وأن ذاكرتها تتلاشى بشكل تدريجي.

 

في اليوم التالي، كان معظم رفقاء نسرين قد فقدوا البصر، وكانوا مضطرين للتحرك في مجموعات حتى لا يضيعون من بعضهم البعض. وبعد عدة أيام، أفاقت نسرين لتجد نفسها في مشفى إيراني، فاقدة البصر تماما مع نزيف متواصل من أجزاء جسدها الحساسة. استغرق الأمر من الفتاة الكردية قرابة 20 يوما حتى تستعيد بصرها وعافيتها من جديد، وفي تلك الفترة فقط بدأت هي ورفاقها يدركون حقيقة ما حدث، وأنهم تعرضوا لهجوم بالأسلحة الكيميائية.

  

 صورة أرشفية من الهجوم الكيميائي على بلدة حلبجة (مواقع التواصل)


تحكي(1) نسرين، البالغة من العمر 45 عاما اليوم، حكايتها لمجلة ذي نيويوركر الأميركية، من قلب المتحف الدائري المخصص لتخليد ذكرى ضحايا الهجوم الواقع في (مارس/آذار) عام 1988 باستخدام غازي السارين والخردل. هجوم قتل ما لا يقل عن خمسة آلاف شخص، بينهم سبعة عشر من أقارب نسرين فقط، في حين عانت هي نفسها لفترة طويلة مع الحمل والإنجاب، حيث أنجبت طفلا مصابا بثقب في القلب توفي بعد أسابيع من ولادته، قبل أن تحظى في نهاية المطاف بأطفال أصحاء بعد 12 عاما كاملا من الهجوم. أما بالنسبة لحلبجة نفسها، فإن سكانها لا يزالون يعانون حتى يومنا من معدلات مرتفعة للأمراض التنفسية الناجمة عن الأسلحة الكيميائية، في حين يموت أحد سكان البلدة كل أربعة أشهر تقريبا جراء هذه الآثار.

 

تستدعي نسرين وغيرها من سكان حلبجة فيما بينهم هذه الذكريات كمسوغات لتفسير تَوْقهم الداخلي الشديد إلى الاستقلال. لم يشعر الأكراد في أي يوم أنهم جزء من العراق، أو أن تلك الدولة التي تأسست قبل مئة عام كمزيج غير مستقر من ثلاث مقاطعات سابقة من الإمبراطورية العثمانية، واحدة تمثّل الأغلبية الشيعية في الجنوب، وواحدة يُهيمن عليها السنة في الوسط، وثالثة كردية إلى حد كبير في الشمال، لم يشعروا أنها قد منحتهم أي شيء يمكن أن يكسبهم شعورا بالانتماء إليها. أما بالنسبة لمسعود بارزاني، رئيس إقليم كردستان المستقيل، فإن الأمر يتجاوز بكثير مشاعر "المرارة" أو "التوق" المحرّكة لغالبية الأكراد، وبالنسبة له فالأمر أقرب إلى "نبوءة ذاتية" من كونه مجرد حلم بعيد تداعت فوقه السنوات، حيث آمن بارزاني طويلا، بشكل شبه واضح، أنه "الكردي المختار"(2) المقدر له تحقيق حلم مات والده دون تحقيقه، في حين لم يكن استفتاؤه الأخير سوى دفعة، ظهر في نهاية المطاف أنها متعجلة، لتحقيق نبوءته، نبوءة ربما أصبح الزعيم الكردي يشعر بالشك حيالها، ربما للمرة الأولى في حياته.

 

أرض الأحلام.. والخذلان

"كان بإمكاني منع الكارثة التي أصابت شعبي لو لم أؤمن تماما بوعد أميركا"

(مصطفى بارزاني، في رسالة للرئيس الأميركي جيمي كارتر قبل وفاته)

 

لا يمكننا لوم مسعود بارزاني إن ظن يوما في خيالاته أن مهاباد لم تقم إلا من أجله هو، حيث لم تعمر جمهورية الأكراد في غرب إيران أكثر من أحد عشر شهرا شهدت ميلاده قبل أن تنهار بالكامل. وقد تأسست الدولة قصيرة العمر منتصف الأربعينيات كأحد تجليات الأزمة الإيرانية بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة إبان الحرب العالمية الثانية، في وقت لم يكن فيه إعلان إيران الحياد أثناء الحرب كافيا لمنع جوزيف ستالين من التوغل في البلاد بدعوى أن الشاه رضا بهلوي كان متعاطفا مع أدولف هتلر. ورغم أن بهلوي هرب إلى المنفى تاركا نجله محمد رضا بهلوي خليفة له، فإن الجيش الأحمر أُغري بالاستمرار في سياسته المعتادة بالتوغل لتأسيس كيانات موالية له.

 

  
جمهورية مهاباد 1946

في خضم تلك الظروف، استغل قاضي محمد ومصطفى بارزاني، والد مسعود بارزاني، الفرصة وقاما بتأسيس جمهورية مهاباد مطلع عام 1946، غير أن دولتهم لم تصمد طويلا بفعل الضغط الأميركي على السوفييت، وانهارت قبل مرور عام على تأسيسها بعد انسحاب الجيش الأحمر، وأُعدم على إثر ذلك قاضي محمد، فيما هرب بارزاني، تاركا وراءه زوجته وابنه الرضيع، ولم يُجمع شملهم مرة أخرى إلا بعد مرور اثني عشر عاما.

 

لا تزال صور مصطفى بارزاني تُبشّر بحلم الأكراد عبر شوارع كردستان وفي منازل الأكراد إلى اليوم. وفي حقيقة الأمر فإن حياة بارزاني الأب تكاد تكون أشبه بصورة مصغرة من تاريخ شعبه، تاريخ يمكن اختصار جميع فصوله وفق متوالية حسابية من الأمل والخذلان. فبعد انهيار الدولة الكردية في مهاباد كان على بارزاني أن يعبر حدودا جبلية طويلة بصحبة مقاتليه سيرا على الأقدام للأراضي السوفيتية، حيث مكث هناك عشرة أعوام قبل أن يعود إلى العراق مع قيام الجمهورية، غير أن الوفاق بين بارزاني والدولة العراقية لم يدم طويلا ليندلع التمرد الكردي من جديد، هذه المرة بدعم من شاه إيران ووكالة المخابرات المركزية الأميركية، لتستخدم الأخيرة الأكراد كوكيل لمواجهة الحكومة العراقية المدعومة من السوفييت، وهو تمرد انتهى بحلول عام 1970 بتوقيع اتفاق مع الحكومة، مُنح بموجبه الأكراد حكما ذاتيا.

 

بعد أن خذله السوفييت في مهاباد بدا أن بارزاني قد نقل آماله(3) الكبيرة إلى ضفة الأميركيين، بيد أنه لم يجن إلا الخذلان أيضا في نهاية المطاف. فعندما توصل شاه إيران إلى اتفاق مع العراق عام 1975، تنازلت بموجبه العراق عن شط العرب، كان على الشاه في المقابل أن يُوقف دعمه العسكري لبارزاني، وقد تبعته واشنطن وفعلت الشيء نفسه في نهاية المطاف، ما دفع الحكومة العراقية إلى تجديد حملتها ضد الأكراد، متسببة في هرب أكثر من مئة ألف منهم إلى المنفى في إيران، فيما فرّ مصطفى بارزاني لتلقي العلاج في الولايات المتحدة، بعد أن أُصيب بسرطان الرئة، ليُتوفى هناك بعد فترة وجيزة.
 

"مصطفى البارزاني" الزعيم الكردي السابق من كردستان الجنوبية شمال العراق، ووالد مسعود بارزاني  (رويترز)

 
ورث مسعود بارزاني من والده قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني المشتت، كما ورث عنه موقعه من متوالية الخذلان أيضا. في ذلك التوقيت تأسس حزب الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال طالباني (تُوفّي في (أكتوبر/تشرين الأول) الماضي)، أحد المؤسسين الخمسة للحزب الديمقراطي الكردستاني، كرد فعل على انتكاسات الحركة الكردية. ولم يكن أي من بارزاني أو طالباني أوفر حظا من صاحبه، حيث راح الحزبان ضحية الدعم الأميركي لنظام صدام حسين لاحقا في مواجهة النظام "الإسلامي" الناشئ في إيران، وهو دعم كان أشبه ما يكون برصيد مفتوح، بدأ بتلقي صدام حسين للمعلومات الاستخباراتية عبر الأقمار الصناعية الأميركية، ولم ينته عند غض واشنطن الطرف عن استخدام صدام للأسلحة الكيميائية ضد الأكراد، ضمن ما عُرف آنذاك باسم حملة الأنفال، والتي وُصفت لاحقا بكونها "عملية إبادة جماعية ممنهجة".

 

تحوّلت الأمور نسبيا إلى صالح الأكراد بعد إقدام صدام على غزو الكويت، حيث اندلع التمرد من جديد وتولى الأكراد زمام المبادرة في المناطق الخاصة بهم. ورغم أن الولايات المتحدة لم تبد راغبة في الإطاحة بنظام صدام حسين بعد طرده من الكويت، حيث هدفت إلى الإبقاء على عراق ضعيف يعمل كجدار عازل ضخم في مواجهة إيران، فقد تدخلت هذه المرة ووفرت ملاذا آمنا للكرد عبر فرض منطقة حظر جوي في الشمال، وإجبار الحكومة على إعادة تفعيل اتفاق الحكم الذاتي.

 

 
تمتع الأكراد على مدار العقد التالي بحكم ذاتي كافح في أجواء من حصار اقتصادي فُرض على الإقليم المعزول من قِبل الجيران في تركيا وإيران وسوريا، وحتى من النظام العراقي الذي بات يعمل تحت وطأة العقوبات الدولية. وأجرى الإقليم أول انتخابات في عام 1992 أسفرت عن اتفاق لتقاسم السلطة، بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، ولكن سرعان ما دبّت الخلافات القديمة بين الحزبين مؤدية إلى نشوب حرب أهلية كردية امتدت عبر الفترة بين عامي 1994و1998، واستعان خلالها بارزاني، للمفارقة، بقوات صدام حسين التي دعاها للدخول إلى الإقليم من أجل قتال طالباني.

 

الربيع الكردي

مزّقت الحرب الأهلية أواصر المجتمع الكردي، غير أن الغزو الأميركي للعراق لاحقا في عام 2003 أسفر عن تغييرات كبيرة. ففي ظل البيئة العدائية تجاه الوجود الأميركي في العراق، أعاد جورج بوش اكتشاف الأكراد كحلفاء مخلصين يمكن الاعتماد عليهم مقارنة مع القادة الشيعة ذوي الولاء المزدوج بين واشنطن وطهران. ووسّع النظام الجديد لعراق ما بعد الاحتلال من مكاسب الأكراد، بدءا بمنح طالباني منصب الرئيس، وصولا إلى توسيع منطقة الحكم الذاتي الكردي تحت قيادة بارزاني، وإقرار دستور جديد وسّع من استقلالية المنطقة الكردية، واعترف بنزاع الأكراد على بعض المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة العراقية، والتي ادّعى الكرد أن صدام تلاعب بتركيبتها الديمغرافية، وفي مقدمة تلك المناطق كركوك، المدينة التاريخية متعددة الأعراق والغنية بالنفط، والتي تُشبّه(4) اليوم بالقدس بسبب التاريخ الكبير من النزاعات القائمة حولها.

  

 
مع إقرار الدستور العراقي الجديد كانت المنطقة الكردية لا تزال جزءا من العراق، ولكنها حظيت بالمميزات الكاملة لدولة مستقلة، حيث احتفظ الأكراد بالسيطرة على قواتهم المسلحة (البيشمركة)، ومُنحوا حقوقا مستقلة في التنقيب عن النفط. وبعد انتخاب بارزاني رسميا كرئيس للإقليم من قِبل البرلمان عام 2005، حرص على تأكيد حق تقرير المصير عبر إجراء استفتاء أحادي الجانب على استقلال الإقليم، صوّت خلاله الأكراد لصالح الاستقلال بأغلبية كبيرة، قبل أن يستدعي الشركات الأجنبية للتنقيب عن النفط في أراضي الإقليم الذي اكتشف فجأة أنه يسبح على بحر من 55 مليار برميل من الاحتياطيات النفطية.
 
وقد آتى الأمر أُكُلَه على وجه الخصوص عام 2007، عندما قررت تركيا العمل مع حكومة إقليم كردستان بشكل منفصل ودمجها في منظومة الاقتصاد التركي، حيث توافدت الشركات التركية إلى كردستان، ومن خلفها الشركات الأميركية والأوروبية العملاقة مثل إسكون موبيل، وحتى الشركات الروسية مثل عملاق الطاقة روزنفت، والذي وقّع عقدا لاستثمار مليار دولار في خطوط أنابيب الغاز في الإقليم. خلع بارزاني إذن للمرة الأولى ثوبه الكردي التقليدي، وارتدى الحُلّة ورابطة العنق على الطراز الغربي، وبدأ في ممارسة السياسة عوضا عن الحرب.
 

يرى بارزاني اليوم أن السياسة أصعب من الحرب، لأنها تضطرك لمواجهة العديد من الجبهات، غير أنها على جانب آخر تختبر معادن القادة وحقائق المناضلين، ولم يكن قادة الأكراد وفي مقدمتهم بارزاني استثناء من ذلك. فلم يمض وقت طويل قبل أن يحوّل(5) بارزاني وطالباني الإقليم إلى إقطاعيات عائلية خاصة تتقاسمها العائلتان الكبيرتان، بداية من شركات خدمات الهاتف الخليوي مثل كورك المملوكة لابن شقيق مسعود بارزاني، إلى شركة فاروق (Faruk) القابضة مترامية الأطراف المرتبطة بعائلة طالباني في السليمانية. وفي وقت يعجز فيه آلاف الأكراد عن تحمّل مجرد كلفة استئجار منزل في أربيل، وفي حين تعجز الحكومة عن دفع رواتب موظفيها بعد قطع بغداد لمدفوعات الإقليم بسبب الخلاف حول تصدير النفط، فإن رئيس وزراء الإقليم نيجيريفان بارزاني، ابن شقيق آخر لمسعود بارزاني، يمتلك قصرا يمتد على مساحة تتسع لمئات العقارات.

 

لم يكن مستغربا في ظل ذلك أن يطرق الربيع العربي أبواب كردستان. وعلى مدار 64 يوما اجتذبت التظاهرات الكردية آلاف الشباب، مع قائمة من المطالب على رأسها وضع حد للفساد، وفي نهاية المطاف تم محاصرة المتظاهرين وإطلاق النار عليهم، ما أسفر عن مقتل شخصين منهم وإصابة عشرات آخرين. ولم ينقذ بارزاني من الاضطرابات سوى وصول "تنظيم الدولة الإسلامية" المعروف بـ "داعش" إلى عتبة الديار الكردية عام 2014. كانت تلك هي فرصة بارزاني لتوحيد الأكراد من جديد في مواجهة "عدو خطير"، واستجلاب دعم غربي غير مشروط لحكمه، ما مكّنه من تمديد ولايته الرئاسية، المنتهية فعليا عام 2013، لمرتين دون تصويت.

 

معركة الرهانات الخاطئة
الانتصارات العسكرية للأكراد أغرت بارزاني بتحسين موقفه السياسي عبر المضي قدما نحو استفتاء جديد على انفصال الإقليم، استفتاء رآه بارزاني مهما لتدعيم شرعيته الداخلية (الجزيرة)


في منتصف عام 2014 كان مسعود بارزاني واقفا على الجبهة حاشدا قواته في محاولة لاستدعاء الزعامة العسكرية كحل لمقاومة المأزق المواجه لزعامته السياسية. وحوّل بارزاني الأكراد من جديد إلى رأس حربة للسياسة الأميركية في مواجهة "تنظيم الدولة"، وفي الوقت ذاته أعاد إنتاج وتكثيف الخطاب القومي الكردي وفي القلب منه المطالبة بالاستقلال.

 

منحت المعركة ضد "تنظيم الدولة" وهزائم الجيش العراقي أمامه فرصة ذهبية للأكراد من أجل توسيع نطاق سيطرتهم للمناطق المتنازع عليها بحكم الدستور العراقي، وعلى رأسها كركوك، بعد نجاحهم في طرد "تنظيم الدولة" منها مستعينين بغطاء جوي أميركي، وشحنات أسلحة سرية منحتها لهم إدارة أوباما، وهو ما فسّره بارزاني على أنه دعم مفتوح مقدم له من قِبل الأميركيين. كان مسعود بارزاني يأمل بأن الدور الذي لعبه الأكراد في القتال ضد "تنظيم الدولة" سيكون كافيا في النهاية للحصول على دعم واشنطن في قضية الاستقلال وإنقاذه من مأزقه السياسي.

 

غير أن الانتصارات العسكرية للأكراد أغرت بارزاني بتحسين موقفه السياسي عبر المضي قدما نحو استفتاء جديد على انفصال الإقليم، استفتاء رآه بارزاني مهما لتدعيم شرعيته الداخلية بعد أكثر من أربع سنوات كاملة قضاها كحاكم بالأمر الواقع دون أي شرعية انتخابية. وكان التلويح بالاستفتاء ورقة مهمة لبارزاني في معركة الكر والفر مع الحكومة المركزية في بغداد، ولكنّ أحدا لم يختبر يوما مدة فاعلية هذه الورقة إذا ما وُضعت فعليا على الطاولة. 

 
مضى بارزاني في نهاية المطاف إلى الاستفتاء رغم معارضة الحكومة المركزية والقوى الإقليمية وعلى رأسها(6) إيران وتركيا مستندا إلى دعم مُتصوّر من قِبل واشنطن سرعان ما ثبت عكسه. في واقع الأمر، لدى أكراد العراق تاريخ طويل من سوء تقدير النيّات الأميركية، وهي صفة يبدو أن بارزاني ورثها أيضا ضمن ما ورثه عن والده، فعلى مدار تاريخهم لم يكن الأكراد بالنسبة للولايات المتحدة أكثر من مجرد سلاح، يستخدمونهم وقت الحاجة ثم يتخلون عنهم تماما كما حدث مع بارزاني الأب في السبعينيات، وكما تكرر من جديد مع الابن وبالطريقة نفسها تقريبا.

 

هو ذات الخذلان الذي خبره قادة الأكراد مرارا يتكرر من جديد، وقد كان هذا التكرار وحده كفيلا بجعله خذلانا مضاعفا مع مذاق أكثر مرارة. لم تكن نتيجة التصويت التي دعمت الاستقلال بأغلبية ساحقة كفيلة بتغيير أي شيء بعد أن رفضته الولايات المتحدة والعراق وإيران وتركيا ولم تؤيده سوى إسرائيل، الحليف التاريخي الأوحد للأكراد. غير أن بارزاني على وجه الخصوص لم يُخذل من قِبل الولايات المتحدة وحدها هذه المرة ولكن خُذل من قِبل رفقائه السابقين الذين قرروا أن ينقلبوا عليه اليوم كما انقلب هو عليهم بالأمس.

   

لم تمض أيام قلائل على الاستفتاء حتى انقلب(7) التدبير على صاحبه. كان استفتاء 25 (سبتمبر/أيلول) الماضي الذي أراده بارزاني استعراضا لقوته هو نقطة البداية لفقد المكاسب الضخمة التي حققها الأكراد في العراق على مدار عقد ونصف. فرضت الحكومة في بغداد، بدعم من واشنطن وأنقرة وطهران حظرا جويا وبحريا على الإقليم، قبل أن تُطلق حملة عسكرية سريعة للسيطرة على كركوك. وفي غضون ساعات كانت القوات العراقية مدعومة بالحشد الشعبي قد نجحت في السيطرة على مطار المدينة العسكري، وقاعدة «K1» العسكرية، وعدة حقول نفطية بعد أن انسحبت قوات البيشمركة الكردية من المدينة دون قتال يُذكر.

  

 
لم يكن الأمر يتطلب الكثير من الذكاء كي يستوعب بارزاني أنه يدفع اليوم ثمن إحدى خطايا الماضي، تلك الخطيئة التي ارتكبها يوم قرر الاستعانة بصدام حسين. ففي حين أن الهوية العرقية تجمع بين الأكراد، فإنهم ينقسمون كأي جماعة إثنية أخرى عبر خطوط اللهجة والأيديولوجيا السياسية والأولويات الإستراتيجية لقادتهم. على سبيل المثال، فإن أكراد السليمانية الذين يتحدثون اللهجة السورانية بالكاد يمكن فهمهم من قبل أكراد دهوك الذين يتحدثون لهجة البديناني، وقد ألقى هذا الانقسام بظلاله على كل شيء، بداية من الإدارة السياسية التي انقسمت بين أنصار بارزاني في أربيل ودهوك وأنصار طالباني في السليمانية، وصولا إلى الجيش الكردي، البيشمركة، الذي لم يكن في أي وقت قوة عسكرية موحدة كما أظهره القتال ضد "تنظيم الدولة"، والذي رغم خضوعه لسلطة وزير واحد من الناحية الاسمية فإن السيطرة الفعلية عليها ظلت مقسمة بين الفريقين الكبيرين.

 

لم يمتلك(8) بارزاني في وقت من الأوقات سيطرة فعلية على السليمانية، معقل أنصار غريمه الراحل جلال طالباني. ولسوء الحظ فإن قوات البيشمركة المسيطرة على كركوك كانت من الموالين لفريق السليمانية الذي يحتفظ اليوم بعلاقات أقوى مع حكومة بغداد والأهم من طهران، لذا فقد كانت زيارة من قاسم سليماني، قائد قوة القدس في الحرس الثوري الإيراني كفيلة بإنهاء كل شيء، وبعدها كان البيشمركة الأقوياء يتخلون عن مواقعهم في كركوك دون قتال.

 

لم تكن مطالبات بارزاني بالاستقلال تحمل هذه المرة أي مصداقية بالنسبة إلى معارضيه، وعلى رأسهم الاتحاد الوطني الكردستاني وحزب حركة التغيير كوران، المنبثق من رحم احتجاجات عام 2011 وصاحب ثاني أكبر كتلة في برلمان الإقليم، والذين رأوا في قلبها مطالبة بالسلطة أكثر من مطالبتها بالاستقلال. ورغم أن الأحزاب وجدت نفسها في نهاية المطاف مضطرة لدعم الاستفتاء للحفاظ على حظوظها الجماهيرية في مواجهة دعوات بارزاني الشعبوية، فإنها لم تكن متحمسة له في وقت من الأوقات. لم يكن مستغربا إذن أن يأتي سقوط بارزاني هذه المرة على يد رفاقه السابقين في النضال الذين قرروا أن يخذلوه اليوم، تماما كما خذلهم هو ذات يوم من قبل.

 

انتقام الجغرافيا
في كتابه ذائع الصيت "انتقام الجغرافيا" يخبرنا المراسل الصحفي والمستشار العسكري الأميركي روبرت كابلان الكثير حول القيود التي تفرضها الجغرافيا على الخيارات السياسية. (مواقع التواصل)


في غضون عدة أيام فقط من بدء حملة الحكومة العراقية كانت كردستان قد فقدت أكثر من نصف الأراضي المتنازع عليها والتي تم الاستيلاء عليها على مدار أكثر من عامين، ولم يكن فقدان بارزاني لمنصبه، وتقسيم صلاحياته بين البرلمان والحكومة والقضاء بعد ذلك، أكثر من مسألة وقت بعد أن خسر كل شيء، وبعد أن انهار المعبد بشكل مفاجئ فوق رؤوس ساكنيه.

 

في كتابه ذائع الصيت "انتقام الجغرافيا" يخبرنا المراسل الصحفي والمستشار العسكري الأميركي روبرت كابلان الكثير حول القيود التي تفرضها الجغرافيا على الخيارات السياسية. ووفقا لكابلان فإن موقع أي دولة أو منطقة ما على الخريطة هو أول ما يحدد هويتها، بصورة أكبر حتى من الفلسفة أو الأيديولوجيا الحاكمة لها وبالتأكيد حتى من نظامها السياسي. 
 
يبدو أن تلك الحقيقة التي يلفت النظر إليها كابلان هي عين ما أغفله بارزاني ورفاقه. يغلب على إقليم كردستان الطابع الجبلي، وهو لا يتمتع(9) بأي حدود بحرية خاصة، ما يجعل قدرته معدومة على الاستفادة من أي موارد طبيعية أو نفطية دون المرور عبر الدول المجاورة، وهي الحقيقة التي يبرزها اعتماد كردستان غير المحدود على تصدير النفط عبر تركيا على مدار أكثر من عقد من الزمان. كما أن الإقليم يتشارك الحدود مع ثلاث دول: سوريا في الغرب، وتركيا في الشمال، وإيران في الشرق، إضافة إلى العراق، وجميعها دول تحمل مخاوف خاصة تجاه حركات التمرد الكردي. وفي ظل ذلك، لم يكن مستغربا أن معارضة تركيا وإيران للاستفتاء سوف تكون كافية لقلب الطاولة، رغم أن بارزاني كان يراهن أن العلاقات الاقتصادية، خاصة مع أنقرة، سوف تدفعهما إلى اتخاذ مواقف أقل حدة. كان ذلك، مجددا، أحد رهانات بارزاني الخاسرة.

 

تعاود الجغرافيا عادتها الأثيرة في الانتقام من الأكراد، دافعة حدود إقليم كردستان إلى الخطوط التي رُسمت عام 1991 إبان التمرد الكردي على نظام صدام حسين

الجزيرة
 

لم تكن تلك مغامرة كردستان الأولى مع الجغرافيا على كل حال، فلدى الأكراد تاريخ طويل من الصراع ضد الجغرافيا يعود تاريخه إلى العشرينيات، حين انهارت الدولة العثمانية وفشلت القوى الاستعمارية في اقتطاع دولة لهم، مع سقوط(10) معاهدة سيفر التي وُقّعت عام 1920، والتي منحت الأكراد حق تقرير المصير، بفعل الاعتراض التركي عليها، ولم يبق للجميع في الشرق الأوسط سوى سايكس بيكو التي يكرهها الأكراد اليوم أكثر مما يكرهها أي طرف آخر في الشرق الأوسط.

 

واليوم، تعاود الجغرافيا عادتها الأثيرة في الانتقام من الأكراد، دافعة حدود إقليم كردستان إلى الخطوط التي رُسمت عام 1991 إبان التمرد الكردي على نظام صدام حسين، وهي في جوهرها هزيمة تشبه كثيرا هزيمة مصطفى بارزاني في منتصف السبعينيات، وخذلان متجدد يقع في القلب منه كما العادة، من الولايات المتحدة والجغرافيا التي تتحكم بها إيران وتركيا، وتاريخ يكرر نفسه ليثبت لمسعود بارزاني أن ما يجمعه بوالده سيظل أكبر بكثير من مجرد النسب.

تقارير متصدرة


جميع الحقوق محفوظة © 2018 شبكة الجزيرة الاعلامية
Powered by: