*
آخر تحديث: 2017/11/22 الساعة 17:27 (مكة المكرمة)


سباق النفوذ.. روسيا والصين على ضفاف النيل

فريق الترجمة

مجموعة من المترجمين

تشير أغلب الروايات إلى أن التقارب في العلاقات الصينية الروسية وصل إلى درجةٍ أكبر من أي وقت مضى. يصف المسؤولون وكذلك وسائل الإعلام هذه العلاقة بين البلدين بـ "الشراكة الإستراتيجية"، وهو مصطلح يستبطن انزعاج روسيا من تزايد علاقاتها أحادية الجانب. يبقى السؤال الذي يلوح في الأفق هو ما إذا كانت "مبادرة الحزام والطريق" الصينية تهدد مصالح روسيا في ظل التصريحات بشأن التعاون مع الاتحاد الاقتصادي الأوروآسيوي، والالتزام الصيني بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلاد الأخرى.

لكن روسيا والصين تنافسا في الخارج من قبل، رغم الرؤى العالمية التي تبدو في ظاهرها متماثلة. تنافست الصين والاتحاد السوفياتي من أجل فرض نفوذهما على البلاد النامية بين أواخر الخمسينيات وحتى النصف الأول من السبعينيات. تطورت الأيديولوجيات منذ ذلك الحين وتغيرت من حيث الأهمية، غير أن ثمة سببًا بسيطًا يفترض أن جميع الأنظمة والحكام الاستبداديين يفكرون بنفس الطريقة وإن كانوا يتعاونون في مجالات عديدة.
 

تترتب على مبادرة الحزام والطريق الصينية انعكاسات على سياسة روسيا في الشرق الأوسط. إذ إن التدخل الروسي في سوريا وانخراطها المتزايد في الشرق الأوسط يرتبط مباشرة بالأزمة الأوكرانية والمصالح الروسية المتعلقة بالتأكيد على مكانتها باعتبارها قوة عظمى. على الرغم من هذا، لا تتعامى روسيا عن الحقيقة التي تشير إلى أن الصين تعمل على تعظيم حضورها الاقتصادي كي تصبح أكبر مستثمر أجنبي في المنطقة، مدفوعة في الوقت الحالي بمبادرة الحزام والطريق خاصتها.
  

صورة  من مبادرة الحزام والطريق تجمع الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" مع نظيره الصيني "شي جين بينغ" (بالمنتصف) (رويترز)

 
كما حاولت منظمة أوبك جاهدة، وهي التي تنافس روسيا في سوق النفط، بقيادة المملكة العربية السعودية أن تجتذب الاستثمارات الصينية في حقول النفط التي تمتلكها في محاولة منها لتثني الصين عن الاستثمار في إيران، وهي شريك هام لروسيا. وتستطيع الصين استخدام نفوذها باعتبارها مستورد للنفط كي تعزز من صورتها في المنطقة وفي الوقت ذاته تتجنب عديدًا من الالتزامات الأمنية. فيما تشكل المصالح الروسية في مصر منظورًا مفيدًا يمكن النظر من خلاله لاستيضاح ديمومة ديناميات منافسة الحرب الباردة على النفوذ بين زوجٍ من "الشركاء الإستراتيجيين"، ولا سيما نظرًا لأن روسيا سيُكتب لها أن تخسر من الالتزامات الأمنية الإقليمية طويلة المدى دون تحقيق مكاسب اقتصادية.

 

توقعات كبيرة

أعلنت وزارة الصناعة والتجارة الروسية مؤخرًا أنها توقعت وصول حجم الاستثمارات الروسية في المنطقة الصناعية لقناة السويس إلى ما يقرب من 6.9 مليارات دولار. ويُتوقع أن تستغرق الإنشاءات 13 عامًا، حسب تصريحات الوزارة، كما يُتوقع أن تنتج المنطقة، بعد إتمام إنشائها، بضائع تبلغ قيمتها السنوية 3.6 مليارات دولار. وأطلق آخرون تقديرات تفيد بأن حجم الاستثمارات سيبلغ 20 مليار دولار على مدى 30 عامًا. بل إن بعض التقارير قدّرت أرقامًا أعلى من ذلك، والتي يُرجح أنها ستكون نتيجة للفساد أو التنبؤات الجامحة في التفاؤل بشأن رؤوس الأموال المتاحة في روسيا.

 

ليست المصالح الروسية في مصر وليدة أوقات قريبة، كما أنها، حتى هذه اللحظة، تهيمن عليها المصالح المرتبطة بالطاقة. فقد أقدمت شركات الطاقة الروسية نوفاتيك، ولوك أويل، وغازبروم على إجراء المفاوضات من أجل الوصول إلى مشروعات النفط والغاز قبل 2011. كما قابل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نظيره المصري عبد الفتاح السيسي في عام 2014، واتفقا على الخطوط العريضة المبدئية للاستثمارات الروسية في المنطقة الصناعية لقناة السويس. إضافة إلى استحواذ شركة نفط مقرها في أمستردام، ومملوكة للملياردير الروسي ميخائيل فريدمان، على شركة طاقة ألمانية تمتلك أسهمًا في مشروع حقول غازات غرب دلتا النيل في مصر، وذلك في (أغسطس/آب) 2014.
   

يبذل المسؤولون الروس قصارى جهدهم لصياغة نوع من السياسة بشأن مصر وأفريقيا، وهم على دراية بأن بسط نفوذهم في مصر يضمن لهم تحقيق ميزة تنافسية أمام كل من أميركا والصين (الجزيرة)

 
استحوذت روسنفت على 30% من أسهم حقل غاز "ظهر" من الشركة الإيطالية "إني"، وهي خطوة جزئية لتوزيع مخاطر الاستثمار على أحد الشركاء. وافقت موسكو أيضًا على دفع 25 مليار دولار لتمويل بناء المحطة النووية في الضبعة خلال العام الماضي، التي تعد ضرورية لتمكين صادرات الغاز الطبيعي. لكن هذا الإعلان بشأن المنطقة الصناعية يستحق تسليط الضوء على الخطاب الذي ساقته وزارة الصناعة والتجارة الروسية إلى الرأي العام.

 

فقد صرح جورجي كارامانوف، نائب وزير التجارة والصناعة، بأن المنطقة الصناعية في مصر تعتبر ضرورية لفتح الأسواق الأفريقية أمام البضائع الروسية. لا تشكل أفريقيا أولوية للنظام، ولكن ثمة بعض الأشخاص في الدوائر السياسية الداخلية يرغبون أن يشهدوا تحسن العلاقات الاقتصادية مع القارة. عندما كان رئيس الوزراء الحالي، ديمتري ميدفيديف، رئيسًا للبلاد، عين مبعوثًا للشؤون الأفريقية، وسعى لإقامة منتديات للمشروعات الروسية والأفريقية، وحرص على زيارة نيجيريا في بدايات فترة رئاسته. إلا أن جميع المبادرات اقتصرت على اللاعبين الخصوصيين منذ عودة بوتين إلى سدة الحكم، وهي مشكلة توحي بأن علاقات روسيا التجارية تعتمد على مشاركة الدولة جراء الدور القيادي الذي تلعبه الدولة في الاقتصاد. تتخذ مصر لنفسها موقعًا باعتبارها البوابة إلى الأسواق الأفريقية الأخرى، اعتمادًا على دورها في حركة عدم الانحياز خلال الحرب الباردة. ويبدو أن بعض المسؤولين في موسكو لا يزالون مهتمين فيما بدأه ميدفيديف، رغم أن فعالية الاستثمارات الروسية لا تزال بعيدة كل البعد عن المستوى المطلوب.
 

الجانب الصيني

سعت مصر لتحقيق إيرادات أكبر من قناة السويس لبعض الوقت، وكان الأمل يحدوها لتحقيق إيرادات تصل إلى 13 مليار دولار بحلول 2023 عبر توسعة القدرة الاستيعابية لقناة السويس. إذ إن تخفيض تعريفات المرور وتطوير القدرة الاستيعابية كان ضروريًا لتحفيز حركة التجارة عبر القناة نظرًا لأنها تعتمد على أنماط التجارة العالمية. لذا فقد كان الاستثمار في إنشاء منطقة صناعية حول القناة هامًا لاستدامة النمو وتحقيق الإيرادات. تتوق مصر إلى وصول الاستثمارات الصينية إليها، وثمة دليل يصدّق على هذه الحقيقة يتمثل في كون مصر أول دولة تنضم إلى البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية عام 2015.
 

حجم الاستثمارات الصينية في مصر وحدها تعادل سلسلة من الاستثمارات في مناطق أخرى، إذ تعد مصر شريكًا ضروريًا في ظل الطموحات الملاحية الصينية. (رويترز)

 

استهدفت الصينُ مصر نظرًا لاعتبارات تتعلق بأهمية قناة السويس كونها نقطة تفتيش على طريق الحرير الصيني المُتصوَّر في إطار مبادرة الحزام والطريق. وبينما كانت الصين المستثمر الثالث والعشرين في مصر بحجم استثمارات بلغ 500 مليون دولار حتى عام 2016، فقد بلغت استثمارات الدولة الآسيوية خلال العام الماضي 10 مليار دولار عبر صفقات تبادل تجاري كبيرة. وأعلن البنك الصناعي والتجاري الصيني عن نواياه للاستثمار في مصر بقيمة 35 مليار دولار، من ضمنها 20 مليار دولار ستتوجه نحو مشروعات يمولها البنك. وعلى الرغم من دخول مشروع بثلاثة مليارات دولار للمساعدة في بناء العاصمة الإدارية ضمن هذا الاتفاق، استخدمت الصين قمة الحزام والطريق في مايو/أيار للإعلان عن خطتها لوصول إجمالي استثماراتها بمشروعات التنمية في مصر إلى 40 مليار دولار.

  

تُقزِّم الموارد المالية الهائلة للصين من قوة الاستثمارات الروسية. إذ إن حجم الاستثمارات الصينية في مصر وحدها تعادل سلسلة من الاستثمارات في مناطق أخرى، وهي: ميناء بيرايوس في اليونان، وميناء دوراله المتعدد الأغراض في جيبوتي، وميناء غوادر في باكستان، وميناء هامبانتوتا في سريلانكا. إذ تعد مصر شريكًا ضروريًا في ظل الطموحات الملاحية الصينية. على الصعيد الآخر، يبذل المسؤولون الروس قصارى جهدهم لصياغة نوع من السياسة بشأن مصر وأفريقيا، وهم على دراية بأن بسط نفوذهم في مصر يضمن لهم تحقيق ميزة تنافسية أمام كل من الولايات المتحدة والصين.

 

تطلعات القوى الناعمة

لدى السياسات الخارجية الروسية والصينية منذ الحرب الباردة تاريخ طويل من التعاملات مع الدول ما بعد الاستعمارية. لكن الآثار الروسية تبخرت جراء ندرة الموارد، فضلًا عن أن الوجود الاقتصادي الصيني في القارة يضع روسيا في موقف حرج. وبغض النظر عن الصفقات الأولية لشركة روسنفت المملوكة للدولة من أجل وضع يدها على قطاعي النفط والغاز في موزمبيق، والإصدار المتعمد لاعتمادات صادرات الآلات وأدوات السكك الحديد المتبقية من إرث المساعدات السوفياتية، ليس لدى روسيا الكثير لتقدمه. تدير الشركات الصينية 12% من إجمالي الإنتاج الصناعي في أفريقيا، وتتحكم في 50% من سوق مشتريات الخدمات الهندسية الدولية من أجل تنمية البنية التحتية. لذا فإن أفريقيا تشكل سوقًا استثماريًا ضروريًا لأي دولة تسعى لتعديد علاقاتها بعيدًا عن أوروبا، أو أي دولة تسعى لبناء سلسلة توريد الموارد الطبيعية بالخارج. تحتاج روسيا أن تجد موطئ قدم لها، لكنها لا تستطيع.

  

مدينة تيدا: أول مدينة صناعية صينية في مصر والتي تقع في صحراء السويس شمال القاهرة  (رويترز)

 
تستطيع روسيا على الأقل أن تُبقي على نفوذها في مصر. وتمتلك مصر عددًا من اتفاقيات التجارة التي تجعلها مصدر جذب لروسيا والصين من أجل وضع الإنتاج هناك في عين الاعتبار، وهي: منطقة تجارة حرة مع تونس والأردن والمغرب، وعضوية في السوق المشتركة لشرق وجنوب أفريقيا (الكوميسا)، فضلًا عن بعض الزخم لتطوير القواعد التجارية في السوق المشتركة الجنوبية (ميركوسور). من الناحية النسبية، يحقق أي استثمار قيمة إيجابية صافية لروسيا بسبب مواجهتها مع الغرب. ولكن لا يوجد من الناحية العملية فرصة أمام روسيا لبسط نطاق نفوذها بدون استدامة الدعم والإصلاح والموارد. تنفق الصين فعليًا مليارات الدولارات من أجل شن حملات القوى الناعمة كي تعزز من صورتها فضلًا عن الاستثمارات والموارد، وهي الأشياء التي تفتقر إليها روسيا.

 

هل تستطيع العصا الغليظة التغلب على تريليون دولار؟

سواء كانت روسيا قادرة أم لا على التفوق على الصين، فإن آثار بسط النفوذ في مصر على المدى الطويل سوف يستغرق سنوات طويلة حتى ينجح. فقد نجح البحث المستمر لروسيا عن المكاسب قصيرة الأجل في استغلال صراعات المنطقة لتشجيع التعاون الأمني، وهي منطقة نأت الصين بنفسها عنها. بيد أن القضايا الأمنية لا بد أن تجد علاقة مع الإجراءات الاقتصادية إذا أرادت روسيا أن ترسخ مكاسبها باعتبارها لاعب إقليمي. تمتلك روسيا بعضًا من الحيل في جعبتها كي تزيد نفوذها في مصر حتى وإن كانت الصين تجاوزتها على الصعيد الاقتصادي في المنطقة.

 

فقد استهدفت روسيا استثمارات الطاقة والتعاون الأمني، نظرًا لأن حكومة السيسي دفعت بشبكات المحسوبية نحو الشركات التي يمتلكها الجيش في مصر. من ناحية أخرى، تشكل ليبيا الهاجس الأمني الأكثر إلحاحًا لمصر. وقد استخدمت روسيا مصر كي تسهل لها صفقات السلاح مع اللواء خليفة حفتر، وهو الشريك المفضل للقاهرة من أجل إعادة الأمور إلى نصابها في المناطق الحدودية الواقعة شرق ليبيا. تحقق رغبة روسيا لخوض غمار التعقيدات الأمنية في المنطقة فائدة سياسية كبيرة لها. إذ إن اهتمام روسنفت بليبيا والرغبة في استكمال الصفقات التي جرى التفاوض بشأنها مع الزعيم السابق معمر القذافي تعطي الكرملين ميزة إذا أراد المساعدة في استقرار البلاد، إلا أن ذلك لا بد أن يعقبه استثمار في مصر نفسها.

   

ما دامت الصين تتحرك من أجل أن تصبح المهيمن في منطقة أوراسيا، ستضطر روسيا أن تُبقي على استمرار لكماتها إذا أرادت أن تحافظ على نفوذها على المسرح العالمي. (رويترز)

 
تتجاوز المشاركة الروسية الاقتصادية المستهدفة مع مصر قطاع الطاقة. في عام 2015، استوردت مصر قمحًا من روسيا بقيمة 821 مليون دولار. وفي العام الماضي، تفوقت روسيا على الولايات المتحدة كونها أكبر مصدّر للقمح حول العالم وتخطت واردات القمح الأميركي بالسوق المصري. إلا أن الإمدادات الروسية تقلبت بسبب التحولات في الأسواق، فقد أمدت روسيا مصر بثلث وارداتها من القمح خلال الفترة الأخيرة.

 

يعتمد ما يقرب من 70 مليون مواطن مصري من أصل 90 مليون مواطن على الدعم الغذائي لتأمين قوتهم، إذ ينفقون حوالي 48% من دخولهم على مستلزمات البقالة وفقًا لإحصاءات العام الماضي. وتبلغ كلفة برنامج الدعم على الخبز 4.8 مليارات دولار في عام 2016، وهو مستوى إنفاق مرتفع بالنسبة لدولة مثقلة بالديون تنفق 80% من ميزانيتها على الأجور، والديون، وبرامج الرعاية. وفي المقابل، لا تمتلك الصين أن تفعل شيئًا حيال تأمين الغذاء لمصر. فضلًا عن أن الاستثمار الروسي في الطاقة النووية والغاز الطبيعي يروق للسيسي والنظام نظرًا لأن الحكومة المصرية تكرس 90% من دعمها إلى الطاقة والغذاء فقط. كما أن أي تطور في التصور العام للموقف الأمني سوف يساعد في إعادة السياح الروس الذين ابتعدوا بشراعاتهم عن مصر بعد أن استطاع تنظيم الدولة الإسلامية إسقاط طائرة رحلة متروجت 9268، التي كانت تنقل سُيَّاحًا روس من شرم الشيخ إلى سانت بطرسبرغ؛ وهي أكبر كارثة جوية في تاريخ روسيا.

 

سوف تُغرق البضائع الاستهلاكية الصينية السوق المصري في الوقت المناسب مثلما يفعل رأس المال الصيني. إلا أن التعاون الأمني الروسي المستهدف والتأثير الروسي الذي يشمل عدة قطاعات بالاقتصاد المصري يمكن أن يجعل موسكو تحافظ على نفوذها في مصر. وعلى الرغم من أنها بالطبع الشريك الأصغر فيما يتعلق بعلاقاتها مع الصين، توجه روسيا لكمات تتجاوز حجمها للدول الرئيسية التي تشبه مصر. فما دامت الصين تتحرك من أجل أن تصبح المهيمن في منطقة أوراسيا، ستضطر روسيا أن تُبقي على استمرار لكماتها إذا أرادت أن تحافظ على نفوذها على المسرح العالمي.

________________________________________________
 
  
مترجمٌ عن: (ذا ديبلومات)

تقارير متصدرة


جميع الحقوق محفوظة © 2018 شبكة الجزيرة الاعلامية
Powered by: