*
آخر تحديث: 2017/11/30 الساعة 16:14 (مكة المكرمة)


النفق المظلم.. ما سيناريوهات الحرب بين بيونغ يانغ وواشنطن؟

فريق الترجمة

مجموعة من المترجمين
مقدمة الترجمة

يكتب محرر الدبلومات، والخبير في شؤون العلاقات العسكرية الدولية، فرانز-ستيفان جادي، عن المأزق العسكري الذي يمكن أن يواجه الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية في حرب ضد كوريا الشمالية، فما بين السعي لتطبيق سياسة الأرض المحروقة دون خسائر، يبدو المشهد مختلفا بقراءة هذا التقرير الذي يستعرض السيناريوهات المحتملة لهذا الصراع.

 

نص التقرير

لا مفر من هزيمة كوريا الشمالية في حرب ضد الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية. على الأقل هذا ما ُيجمع عليه في أوساط الخبراء العسكريين. قد تكون الحرب "قذرة ووحشية وقصيرة"، قد تحصد أرواح 20.000 إنسان يوميا، قبل الدخول في مرحلة الأسلحة النووية حتى، إلا أن نتيجتها لا ترقى إلى أي شك: إنها هزيمة جمهورية كوريا الشمالية. ويستنبط هذا الاستنتاج بناء على تحليل القدرات العسكرية النسبية لكوريا الشمالية، والتي تختزل في العتاد العسكري، عند مواجهة كوريا الجنوبية والولايات المتحدة.

  
إن التركيز بشكل رئيسي على العتاد العسكري لجمهورية كوريا الشمالية -سواء كانت برامج أسلحة الدمار الشامل، أم أنظمة المدفعية، أم قوات الغواصات- في تقييم القوة القتالية لكوريا الشمالية هو أمر مفهوم تماما. لطالما كان من الأسهل قياس القدرات العسكرية عوض، على سبيل المثال، قياس مستويات التدريب وقوة الدافعية. في حالة جيش جمهورية كوريا الشمالية على وجه التحديد، والذي لم يحارب منذ ما يربو على ستة عقود، زاد قصور الجيش الاستخباراتي من نزوع المحللين العسكريين إلى التركيز على ما هو قابل للقياس (مثل عدد قطع المدفعية وأنواع الذخيرة المستخدمة) على حساب ما لا يمكن قياسه.

 
في المحصلة، إن نفذ الكوريون الشماليون من الذخيرة، فلن تجدي المعنويات المرتفعة أو التكتيكات في تعويض هذا القصور تصديقا للمقولة التي ذاعت في بريطانيا الإمبريالية، "أيا كان ما سيحدث، فإن لدينا رشاش ماكسيم، وهم لا". ومع ذلك، حتى في أوج اختلال كفة الميزان التكنولوجي العسكري في القرن التاسع عشر وعندما وضعت الجيوش الأوروبية، مثلما تفعل القوات الأميركية وكوريا الجنوبية اليوم، ثقتها في قوة الذخيرة الفائقة والتنظيم العسكري كان وقوع الهزائم العسكرية أمرًا واردًا. كانت تلك الهزائم نتيجة العجرفة العسكرية التي قللت من شأن العناصر غير القابلة للقياس إنما المؤثرة في ساحة الحرب كالمعنويات القتالية أو "القوى المعنوية".

 

علينا أن نأخذ بعين الاعتبار إمكانية امتلاك كيم جونغ أون الوسائل اللازمة لإعادة فرض خناق عسكري على أراضي شبه الجزيرة الكورية و"الانتصار" في حرب كورية ثانية كنتيجة

رويترز
 

كما يلاحظ كارل فون كلاوزفيتز في كتابه "عن الحرب"، فإن القوى المعنوية هي "أقوى أوتاد الحرب"، إنها "الأرواح التي تتخلل قوام الحرب كله". لكنها "لسوء الحظ، تفر من تعاليم الكتب، فلا يمكن أن تختزل في أرقام ولا في تصنيفات، وتريد فقط أن تُرى وتُحس"، كما يشير متأسفا فيلسوف الحرب البروسي. بالتبعية، واستنادا إلى أقوال كلاوزفيتز حول تقلبية الحرب وأهمية القوة المعنوية في الصراع، قد يكون من المفيد طرح السؤال التالي: هل تستطيع كوريا الشمالية، رغم قدراتها العسكرية المحدودة، أن تكسب حربا؟ وإن كان ممكنًا، فكيف؟ إن انتصار كوريا الشمالية في تلك الحالة يمكن أن يتحدد باستيفاء اثنين من الشروط: أولا، الإبقاء على نظام كيم جونغ أون. ثانيا، الحفاظ على أراضي جمهورية كوريا الشمالية. لكننا عند تحليل العامل المعنوي، لن نضمن نظرة أقرب إلى جمهورية كوريا الشمالية فحسب، وإنما الأكثر أهمية، إلى العامل المعنوي لدى جيوش الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية وضمن قياداتهم العليا المدنية منها والعسكرية.

 
ما أريد قوله هو أن علينا أن نأخذ بعين الاعتبار إمكانية امتلاك كيم جونغ أون الوسائل اللازمة لإعادة فرض خناق عسكري على أراضي شبه الجزيرة الكورية و"الانتصار" في حرب كورية ثانية كنتيجة. (في هذه القطعة القصيرة، فإنني لا أتناول مسألة الحرب الاقتصادية، أو أتطرق إلى تفاصيل الدعم الخارجي الذي تتلقاه جمهورية كوريا الشمالية عند الصراع).

 

كيف يمكن لكوريا الشمالية الفوز.. القدرات غير المتماثلة

لكي "تنتصر" جمهورية كوريا الشمالية في حرب ضد كوريا الجنوبية والولايات المتحدة سيكون عليها تنفيذ خناق عسكري من نوع ما. ترتكز الاستراتيجية العسكرية لكوريا الشمالية على حرب العصابات، والحرب الهجينة، وأسلوب يحاكي الحرب الخاطفة التقليدية. منذ تولي كيم جونغ أون زعامة البلاد، والجيش يصب تركيزه بشكل متزايد على شن حرب شاملة تقوم جزئيا على تطوير قدرات غير متماثلة والتي تتضمن أسلحة الدمار الشامل.

 

"لا أعتقد أن كوريا الشمالية تستطيع تنفيذ خناق عسكري تقليدي في صراع قررت فيه كل من كوريا الجنوبية والولايات المتحدة غزو كوريا الشمالية"، أفاد بروس دبليو.بينيت، الباحث في شؤون الدفاع في مؤسسة راند (رويترز)

 
وكما تضعها وزارة الدفاع القومي في كوريا الجنوبية في تصريح: "إذا ما وقعت أزمة عسكرية، فمن المتوقع أن تلجأ القوات الكورية الشمالية إلى الحرب الهجينة وحرب العصابات والحرب الخاطفة. ثمة احتمال قوي بِلجوئها لشن هجمات مفاجئة كاسحة على أهداف محدودة، أي باستخدام قدراتهم غير المتماثلة". بالتالي، ينبغي النظر إلى برنامج الأسلحة النووية لجمهورية كوريا الشمالية في سياق استراتيجية شاملة للقتال الحربي تهدف لجعل الصراع التقليدي والهجين مع كوريا الجنوبية والولايات المتحدة ممكنا في حال انهيار الردع.

 
مما لا شك فيه، أن فرض خناق عسكري على شبه الجزيرة الكورية لن يتم إلا عبر لجوء جمهورية كوريا الشمالية إلى قدراتها غير المتماثلة. "لا أعتقد أن كوريا الشمالية تستطيع تنفيذ خناق عسكري تقليدي في صراع قررت فيه كل من كوريا الجنوبية والولايات المتحدة غزو كوريا الشمالية"، أفاد بروس دبليو.بينيت، الباحث في شؤون الدفاع في مؤسسة راند، لصحيفة الدبلومات في مقابلة أُجريت مؤخرًا. "أعتقد أن كوريا الشمالية سوف تستخدم الأسلحة الكيميائية والبيولوجية وربما حتى الأسلحة النووية لتنفيذ الخناق المطلوب". يضيف بينيت: "لقد أدركت كوريا الشمالية بأن التفوق التكنولوجي العسكري للولايات المتحدة كان يفوق تطوراتها العسكرية بوضوح خلال سبعينات القرن الفائت. ولذا بدأت منذ مطلع الثمانينات، إن لم يكن في وقت أقرب، بتعديل ملفها العسكري ليشمل كافة أشكال أسلحة الدمار الشامل، بالإضافة إلى المدفعية، والصواريخ الباليستية، والقوات الخاصة المطلوبة لإنتاج هذه الأسلحة. تقع الصعوبة بالنسبة لكوريا الشمالية عندما تبدأ في استخدام أسلحة الدمار الشامل".

 
القدرة العسكرية غير المتماثلة الأخرى التي تعمل عليها كوريا الشمالية هي الحرب السيبرانية. وفقا للاستخبارات العسكرية لكوريا الجنوبية، فقد شكلت جمهورية كوريا الشمالية 6.800 وحدةً قوية من خبراء الحرب السيبرانية القادرين على شن هجمات سيبرانية متنوعة. "علينا التحضر للمفاجآت، لكن بشكل عام، لا يمتلك الشمال على الأرجح قدرات جمع المعلومات الاستخبارية والتحليلات المعقدة اللازمة لعمليات مواجهة سيبرانية مؤثرة على أي أساس مستدام، بحسب جريج أوستن، أستاذ المركز الأسترالي للأمن السيبراني بجامعة نيو ويلز، لصحيفة الدبلومات. "ليست الحرب السيبرانية بسهولة الاختراق أو التجسس البسيط. إن أكبر تهديد سيبراني يمكن أن يوجهه كيم [جونغ أون] هو الذي سيطال البنية التحتية المدنية، والذي قد يتضمن مصانع الطاقة النووية في كوريا الجنوبية".

  


 
بينما يفيد جيسون هايلي، كبير الباحثين والخبير في الصراعات السيبرانية بجامعة كولومبيا، أن ثمة عددا من الطرق التي تستطيع من خلالها جمهورية كوريا الشمالية تثبيط الجهود الحربية لكوريا الجنوبية والولايات المتحدة الأمريكية: "أظن أن الحظ قد يحالفهم في محاور قليلة، الأول ضدنا [الولايات المتحدة] والآخر ضد كوريا الجنوبية. قد تتمكن الهجمات ضدنا من التشويش على حركات النقل، كالمطارات ولاسيما الشحن الذي سنرسل من خلاله قواتنا إلى المنطقة. كنا ندرك وجود هذه التهديدات حرفيا لعقود لكنني أعتقد أنه لا تزال هناك نقاط ضعف بما أنَّ هجمات الحرمان من الخدمة أو هجمات برنامج الفدية (من قبيل هجوم فيروس بيتيا على شركة مايرسك للمواصلات) يمكن أن تفي بالغرض. قد تشوِّش الهجمات التي تستهدف كوريا الجنوبية على إشارات المرور، وأجهزة الصرف الآلي ومظاهر أخرى للبنية التحتية لرفع مستوى الذعر ولاسيما تأخير إجلاء العاصمة "سول" من السكان بالتزامن مع الحد من قدرات الولايات المتحدة على تحريك قواتها إلى مراكز القتال".

 
مع ذلك، يرفض هايلي الفكرة القائلة بأن جمهورية كوريا الشمالية قد تكون قادرة على التشويش أو حتى الاستيلاء على نظم القيادة والسيطرة النووية الأميركية: "لا، بالطبع لا. هذا صعب حتى على روسيا والصين وليس كأن الصين قد تساعدهم. ما قد يستدعي القلق هو وجود مسؤول كبير يتعرض للابتزاز، لكن هذه شطحة سخيفة بشكل لا يوصف".

 
قد تسهم قوات العمليات الخاصة في جمهورية كوريا الشمالية أيضا في تعويض التفاوت عند الصراع. ويقدَّر قوام هذه القوة بحوالي 200.000 صف ضخم من الوحدات القوية والمتماسكة بما فيها شُعب المشاة الخفيفة، وقوات الهجوم البرمائي، وسرايا القنص. في الحرب، "من المرجح أن تقوم وحدات العمليات الخاصة بالتسلل إلى المناطق الأمامية والخلفية من خلال أنفاق تحت الأرض وعبر المنطقة منزوعة السلاح (DMZ) أو بمساعدة وسائل أخرى للاختراق، كالغواصات، أو من خلال زوارق إنزال ذات وسائد هوائية (LCAC)، أو طائرة أنتونوف N-2، والطيران المروحي، لتنفيذ عمليات هجينة عبر مهاجمة وحدات ومنشآت ومواقع حيوية، واغتيال شخصيات هامة، ومهاجمة الخطوط الخلفية"، كما يفيد وزير دفاع كوريا الجنوبية في تصريح له. يظل من المهم، مع ذلك، الأخذ بعين الاعتبار أن القوات الخاصة لكوريا الشمالية لم تنتشر بغرض عمليات عسكرية شاملة منذ نهاية الحرب الكورية (1950-1953). وبالتالي، من الصعب تقييم قدرتها القتالية الإجمالية.

  

نشرت جمهورية كوريا الشمالية مؤخرا قاذفات صواريخ 300-ميليمتر متعددة جديدة على مقربة متاخمة للحدود وقامت بتمكين قواتها المدفعية الإجمالية. (الأوروبية)


ختاما، لا ينبغي الاستخفاف بالقوات التقليدية لجمهورية كوريا الشمالية عند الصراع. تمتلك كوريا الشمالية حوالي 1.2 مليون جندي في شعب عسكرية تقليدية متنوعة. يتمركز سبعون بالمئة من القوات البرية قرب المنطقة منزوعة السلاح إلى الجنوب من خط بيونج يانج-وونسان. (ولن أتطرق إلى القدرات العسكرية الجوية والبحرية التي تمتلكها كوريا الشمالية هنا). وفق تقديرات الاستخبارات الكورية الجنوبية، كان الجيش الكوري الشمالي يعمل على تحسين قدراته العملياتية. من ضمن أمور أخرى، تضمن هذا بناء قيادة تكتيكية متكاملة ونظام تحكم لتحسين قدرات القيادة والتحكم والاتصال والحواسيب والاستخبارات. "تعمل كوريا الشمالية أيضا على تحسين قدراتها العملياتية من خلال تحديث المعدات، بالنظّر إلى أنَّ وحداتها المدرعة والآلية اليوم مزودة بدبابات من طراز "تشونما-هو" و"سونغن-هو" الأساسية في المعارك"، كما تورد وزارة دفاع كوريا الجنوبية. 

 
كما ونشرت جمهورية كوريا الشمالية مؤخرا أيضا قاذفات صواريخ 300-ميليمتر متعددة جديدة على مقربة متاخمة للحدود وقامت بتمكين قواتها المدفعية الإجمالية. مع ذلك، "فقد تناقص مستوى تدريب جنود المدفعية مؤخرا"، كما أفاد للدبلومات، الكولونيل المتقاعد جيمس كريتون، والمشرف السابق على طواقم الولايات المتحدة الأمريكية في كوريا. هذا مع تأكيد وزارة دفاع كوريا الجنوبية أن قوات كوريا الشمالية قادرة على "تنفيذ هجوم مفاجئ على الجنوب في أي وقت". ويقدر أن بحوزة كوريا الشمالية مؤنًا عسكرية كبرى (كالوقودُ والذخائر) تكفي للقتال حتى شهر إلى ثلاثة أشهر. (وقد تطيلُ المعونة العسكرية الصينية أو الروسية العلنية أو السرية من هذه الفترة الزمنية).
 

كيف قد تنتصر كوريا الشمالية.. القوى المعنوية

رغم ذلك، لا يكتمل الحديث عن تنفيذ خناق عسكري في حرب مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية دون تحليل عوامل كالمعنويات القتالية وحوافز القتال، مثلما ذكرت أعلاه. فلنأخذ أحد السيناريوهات العدية الممكنة: في حال اندلعت الحرب ونفذت هجمات باستخدام أسلحة الدمار الشامل والمدفعية التقليدية الشاملة على العاصمة سول، ستضطر كوريا الجنوبية والولايات المتحدة إلى غزو أراضي كوريا الشمالية. وبينما ستكون قوات كوريا الجنوبية والولايات المتحدة قادرتين على إصابة عدد هائل من الأهداف في الشمال، ستظل هناك حاجة لقوات برية بغرض إبادة قطعية لمواقع إطلاق الصواريخ والمدفعية.

 


 
بحسب جيمس كريتون فإن "الأنفاق المقدَّرة بنحو سبعة آلاف والتي حفرتها كوريا الشمالية في نطاق سول هي جميعا محفورة ومطمورة بعمق". "صحيح أن القوات الجوية والمدفعية الكورية الجنوبية والأمريكية مدربة تدريبا جيدا ومجهَّزة للقضاء عليها، لكن هذا قد يتطلب أسبوعًا إلى أسبوعين في أحسن الأحوال". ويمكن أن يقع الكثير خلال هذين الأسبوعين من عمر الحرب. ويضيف، "أعتقد أن القضاء على كافة هذه المواقع سيكون مسألة صعبة للقوات الجوية. لقد طورت كوريا الشمالية قدرات متنقلة وهو ما يزيد الأمر صعوبة.. إن في وسع قوات سلاح الجو الأمريكية بكل تأكيد تدمير معظم قدرات كوريا الشمالية إنما ليس كافتها".


النجاح العسكري في الشمال سوف يعتمد على القوى المعنوية في الحرب، من بين عوامل أخرى بالطبع. من المرجح أن القوات البرية لكوريا الجنوبية والولايات المتحدة الأمريكية ستواجهان خصما مهترئا إنما فتاكًّا في الوقت نفسه. ستكون الخسائر مرتفعة. ويمكن دحض الفكرة القائلة بقدرة القوة الجوية والضربات الدقيقة على كسر إرادة جمهورية كوريا الشمالية للمقاومة بالعديد من الأدلة التاريخية بما فيها الحرب الكورية وحرب فيتنام. بالإضافة إلى أن جغرافيا كوريا الشمالية، على عكس جغرافيا العراق، تخدم المدافعين عنها. وعلاوة على ذلك، عند المقارنة بقوات صدام حسين، نجد أن جيش كيم جونغ أون قد حظي بعقود من السلم لكي يتجهز للاشتباك مع قوات كوريا الجنوبية والولايات المتحدة. "لقد كان لدى كلا الطرفين خمسون سنة للعمل على هذه المسائل"، كما تلاحظ دراسة لمعهد نوتيلوس. "لقد استخدموا أيضا كل وسيلة بشرية وآلية متوفرة من أجل تخطيط وتجربة ودراسة كل جانب".

 

يظل جيش الشعب الكوري الرهان الأكبر لنظام كيم جونغ أون. ولأعيد صياغة طرفة تُنسب إلى فيكتوم دي ميرابو عن بروسيا: "الآخرون دول لها جيش، كوريا الشمالية هي جيش له دولة". وبينما يظل مدى التأثير الذي يمتلكه الجيش على الدولة، موضع جدال، إلا أن ليس ثمة مؤشرات واضحة (من قبيل معدلات مرتفعة للفرار من الجيش، قصص التمرد..إلخ) على أن الجيش يعاني من معنويات منخفضة أو نقصًا في الدافع الأيديولوجي لمواجهة قوات الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية. ولعل أحد أفضل الأمثلة على الحماسة الأيديولوجية لجيش الشعب الكوري تكمن في حادثة عام 1976 في المنطقة منزوعة السلاح عندما قامت القوات البرية الكورية الشمالية بتقطيع جنديين أمريكيين بالفأس حتى الموت لقيامهما بقطع شجرة الحور الكورية. ولا يبدو أن الأمر يقتصر على الجيش، فحتى المدنيون يتأهبون لخوض الصراع، وفي اعتقادهم أن الجمهورية قادرة على الخروج منتصرة في الحرب، كما أورد نيكولاس كريستوف من بيونج يانج هذا الشهر "لقد بدا ريانج سونج-كول، عامل يبلغ 41 عاما، مشدوها عندما سألته إن كان في وسع بلاده الفوز في حرب مع أمريكا، قائلا: "إن في وسعنا كسب المعركة بكل تأكيد".

   

يفيد الأدميرال المتقاعد في البحرية الأميركية "جيمس ستافريديس" بأن في وسعه أن يتصور وقوع صراع عسكري "بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية قد يتضمن الولايات المتحدة دون أن يفضي إلى حرب شاملة. (رويترز)


  
إلى جانب هذا، في حالة غزو أمريكي-كوري جنوبي مشترك لجمهورية كوريا الشمالية، سيكون من الأسهل تحفيز الجنود الشماليين للقتال عوض الحالة المعاكسة بالنظر إلى الدافع القوي للدفاع عن الوطن. تظهر هذه الحقيقة البسيطة للصراع العسكري في أفضل صورها في حوار بين جنوبي فقير حمل السلاح ضد القوات الشمالية في الحرب الأهلية الأمريكية. "لماذا تحاربنا وأنت على هذه الحال؟" سأله الغزاة حينها في 1862، مجيبًا: "أنا أقاتل لأنكم هنا!". لكن، ما الذي سيحفز كوريا الجنوبية والولايات المتحدة على القتال في حرب مع الشمال؟ سيكون أمامهما مهمة أصعب في تحفيز الجنود على المدى البعيد. إننا نميل للاعتقاد بأن تأثير "الالتفاف حول الراية" الذي عادة ما يتبع اندلاع حرب والمقترن بحس مهني لأداء الواجب سيكون كافيا لتحفيز الجنود من أجل القتال. إلا أن، الحرب الكورية الثانية على الأرجح لن تكون مماثلة لأي شيء قد خاضته قوات الجيشين الأمريكي والكوري الجنوبي منذ نهاية الحرب الكورية الأخيرة (بالأخص عند يتعلق الأمر بالخسائر) ولا يمكننا أن نكون واثقين بشأن كيفية تصرف هؤلاء الرجال المحاربين حتى مع تفوق سلاحيّ جو الجيشين الأمريكي والكوري الجنوبي.

  
والأمر ولا شك يشبه السنة الأولى من الحرب الكورية التي أظهرت كيف يمكن للمعنويات القتالية المنخفضة والقيادة السيئة الإنذار بكارثة بغض النظر عن التفوق العسكري الظاهري. وكان ذلك حينما تعين على الجنرال الأمريكي دوغلاس ماك آرثر التراجع أمام القوات الصينية (التي افتقرت إلى أي دعم جوي) في 1950-1951 فيما بات يعرف باسم "الفرار العظيم". كما يكتب دايفيد هالبرستام في كتابه "أبرد الشتاءات" :"تمثَّل أكبر بواعث الأسى تحديدًا في حقيقة أن من ألقت بهم الولايات المتحدة في كوريا حينذاك، عندما بدأت الحرب، لم يكونوا قوات مشاة متواضعة الأداء: لقد كانوا خيرة جنود البلاد، ومع ذلك تعرضوا للطحن بقوة؛ في تلك اللحظة كان الأميركيون يحاربون [عدوا] ...بدت قواته ذات السلاح المتواضع، على حين غرة، جيشا لا يقهر. لقد كانت معادلة مخيفة: كانت رقعة الحرب آخذة في الاتساع، والعدو أشد فتكا، والدعم السياسي الداخلي لها يتقلص بشكل ملحوظ وبدأ يزداد تقلصا بالمناسبة". هذا قبل أن نضيف بأن تجربة الولايات المتحدة في فيتنام أيضا تصلح قصة وعظية لما يمكن أن تؤول إليه الأمور عندما تعاني القوات العسكرية من معنويات منخفضة وفراغ قيادي.

 
كما حدث مع الجنود الذين خدموا في الحرب الكورية، سيكون على القوات الكورية الأمريكية التفكير فيما إذا كانت عازمة على "الفناء لقاء تعادل"، كما صورت الأمر طرفة تهكمية في 1950. هذا لا يعني بأي شكل أنه ينبغي علينا توقُّع عصيان مفتوح. إنما مع ذلك، "لا أحد يحب الخسارة، لا سيما لدى الجيوش"، كما كتب ضابط سابق في الجيش الأميركي عام 2015. "لقد اتضح مرارا وتكرارا بأن القوات ستكون قادرة على تحمل الصعاب الكبرى، طالما أنها ستؤدي في النهاية إلى نتائج ملموسة". إلا أن، إحراز النتائج الملموسة على أراضي شبه الجزيرة الكورية ضمن حملة عسكرية ممتدة سيكون أمرًا بالغ الصعوبة. كنتيجة، علينا ربما أن نتوقع أداء قتاليا منخفضا من قبل القوات الأميركية والكورية الجنوبية أو على الأقل أن نضع الأمر في الحسبان إن طالت الحرب دون أن تُحسم.

 

مظاهرات في مدينة "سول" -عاصمة كوريا الجنوبية- يرفعون لافتات مكتوب عليها " لا لترمب.. لا للحرب" (رويترز)


يزيد على هذه الحالة العسكرية (إمكانية ارتفاع انحدار المعنويات القتالية وتضخم الخواء القيادي) الاعتقاد المتعاظم بأن الرئيس الحالي للولايات المتحدة، دونالد ترمب، يحاول جر ديكتاتور كوريا الشمالية نحو استهلال الصراع. وقد يرجع ذلك إلى فهم مغلوط لديه لمفهوم الردع العسكري. لكن جمهوريا كبيرا مؤخرا قد قرع جرس الإنذار وشخَّص تهديدات ترمب تجاه دول أخرى بوصفها تهديدات "هوجاء" قد تضع الولايات المتحدة "على طريق حرب عالمية ثالثة". كيف سيردُّ الجمهور الأميركي على جره إلى صراع يرجح أن الرئيس الأميركي هو من يدفع باتجاهه؟ كيف يمكن لهذا أن يؤثر على المعنويات القومية؟ والأدهى، كيف يمكن أن يتصرف شعب وجيش كوريا الجنوبية إن أدركوا بأن سياسة الولايات المتحدة لم تترك لجمهورية كوريا الشمالية سوى خيار تنفيذ هجوم وقائي يؤدي بالتبعية إلى حرب شاملة؟

 
ليس اندلاع صراع على شبه الجزيرة الكورية بالأمر المحتوم. حيث يفيد الأدميرال المتقاعد في البحرية الأميركية جيمس ستافريديس، عميد كلية فليتشر للقانون والدبلوماسية، للدبلومات بأن في وسعه أن يتصور وقوع صراع عسكري "بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية قد يتضمن الولايات المتحدة دون أن يفضي إلى حرب شاملة. هذا على الأرجح بنسبة 20 بالمائة". مضيفًا: "وقد أقول بأن ثمة احتمالا بنسبة 10 بالمائة لأن يتدهور الأمر ونجد أنفسنا أمام وضع متفجر كليا أو ربما أمام تفجير نووي على يد كوريا الشمالية" إلا أن ستافريديس يعتقد أن ثمة احتمالا بنسبة 70 بالمائة بـ "لجوئنا للحلول الدبلوماسية والعقوبات" و"الانتهاء ببقاء شبه الجزيرة مقسَّمة [...] عبر آلية ردع فعالة". ويؤيد جيمس كريتون قائلا: "إنها أزمة عسكرية الآن وقد كانت كذلك طيلة 70 عاما مضت. لم أكن لأستبعد استمرارها خطابيا واستمرار جمودها أيضا".

 
رغم ذلك، إن اندلع صراع ما، فمن المهم أن نفهم أنه لن يكون أحد مظاهر "الصدمة والترويع" [أو الهيمنة السريعة: وهي عقيدة عسكرية تعتمد على المفاجأة والاستعراض المذهل للقوة بما يشل إدراك العدو ويدمر نيته للقتال] تنتهي بنصر أميركي كاسح، وبيونج يانج مسوَّاة بالأرض، وكوريا شمالية متأدّبة. من المرجح أن تكون الحرب طويلة ممتدة، وأن تنتهي بانسحاب عسكري يكون سببه الجزئي ما أسماه كلاوزفيتز "القوى المعنوية" في الحرب. إن المبدأ العسكري القديم القائل بأهمية المعنوية في الحرب يتابع وجوده حتى في "العصر النووي الثاني". بالتالي، ولنيل فهم أشد شاملية لمستقبل الحرب على أراضي شبه الجزيرة الكورية، علينا تضمين عوامل أقلَّ عددية مثل المعنوية في حساباتنا. علينا توسيع نقاشاتنا إلى ما وراء القدرات العسكرية لجمهورية كوريا الشمالية وعتاد الأجهزة لئلا نتفاجأ في حال لم تسر الأمور وفق افتراضاتنا. الحرب في جوهرها متقلبة؛ لكن، لربما أمكننا بذل جهود أكبر للتفكير فيها بطريقة أشد شاملية.

_____________________________________________

 

مترجم عن: (ذا دبلومات)

تقارير متصدرة


جميع الحقوق محفوظة © 2018 شبكة الجزيرة الاعلامية
Powered by: