اغلاق
آخر تحديث: 2017/10/19 الساعة 15:24 (مكة المكرمة) الموافق 1439/1/29 هـ

انضم إلينا
سيف وانلي.. موسيقار يرسم على أسطح اللوحات البيضاء

سيف وانلي.. موسيقار يرسم على أسطح اللوحات البيضاء

هند مسعد

محررة فنية
  • ض
  • ض

فنان خلّاق، سريع التنقل بين مدارس الفنّ الأوربي الحديث، وفي نفس الوقت شديد الحرص على الهويّة المحلية لموضوعاته، نجح في خلق حالة تزاوج بين الحداثة الأوروبيّة والتراث المصري، رسم كل ما يُحيط به، فبلغ فنّه من الثراء مبلغه.
 
يعتبر الفنان التشكيلي المصري سيف وانلي أحد أبرز التشكيليّن المصريين الذين تمتعوا بصيت عالميّ في القرن العشرين. ولد محمد سيف الدين إسماعيل محمد وانلي في الإسكندرية، 31 (مارس/آذار) 1906، وتوفي في ستوكهولم، 15 (فبراير/شباط) 1979. تتلمذ سيف وأخوه أدهم على يد الرسام الإيطالي أوتورينو بيكي (1878 - 1949) من ليفورنو الذي زار مصر وافتتح مرسما في الإسكندرية عام 1929.[1]
 
بعد رحيل بيكي عن مصر استأجر الأخوان وانلي مرسمهما الخاص مع الفنان أحمد فهمي في الإسكندرية وكان نقطة انطلاق لهما. في صيف 1957 عمل سيف وانلي أستاذا لفن التصوير الزيتي في كلية الفنون في الإسكندرية، كما عمل مستشارا فنيا بقصور الثقافة بالإسكندرية، وكان أيضا رئيسا للجمعية الأهلية للفنون الجميلة. وفي الفترة من سنة 29 إلى 57 عاش سيف وانلي رحلته الخاصة في "إيقاف الزمن".[2]
 
يتشابه الأسلوب الفني للأخوين وانلي كثيرا ويبدو كلاهما مُتأثرا بالآخر، حتّى في تأثرهم بالمدارس والتيارات البصرية الأوروبيّة، فقد كان كلاهما مِن أوائل الرسامين المصرييّن الذين استخدموا تيارات حديثة مثل الانطباعية والتكعيبيّة والتعبيريّة التجريديّة في لوحاتهم.
 

 سيف وانلي (غيتي)


يظهر على أعمال سيف وانلي أيضا ولعه بالفنون الأدائية المليئة بالحركة والمشاهد التي تنضح بالحياة. بشكل عام يظهر سيف في لوحاته كشخص محب للحياة، لكن بعد وفاة أخيه أدهم انعكست على أعمال سيف حالة انكسار وحزن، فاستخدم في العديد من لوحاته ألوانا قاتمة تُحاكي حالته النفسيّة.

غنائيّة الألوان والأساليب والمواضيع

 "إننا لا نلمح عند سيف ما نلمحه لدى بعض الفنانين من خط ثابت متصل الحلقات، ولا نلقى عنده اتجاها نحو تأكيد شخصيته الفنية عن طريق التزام منابع بذاتها من التراث المصري أو فلسفة معينة تتعلق باتجاهات التعبير الفني في هذه البلاد، فهو فنان التجربة الحرة الطليقة، صاحب التأثيرية، واعتنق المنطق التكعيبي، وتطلع نحو التعبيرية، وأخذ يحلق في عالم التجريد، فهو دائم البحث عن اللغة التشكيلية التي يصب فيها عمله، ودائم البحث في لغة الأساليب" مِن كتاب: "رواد الفن التشكيلي"، الهلال (مايو/أيار) 1985، صفحة 49


رغم استخدامه للأساليب والمدارس الأوروبية في لوحاته فإن أعمال سيف كانت ذي صبغة فلكلورية، فرسم المقاهي الشعبية، الشخصيات الفلكلورية الشعبية (القرداتي 1942)، الشوارع، سباقات الخيل، الألعاب الرياضية، رقصات البالية، حياة السيرك، المسارح، الأوبرا، ‏ومشاهد من الحياة اليومية للإسكندرية والمصريين.

 

 لوحة القرداتي (مواقع التواصل)

 
تميّز سيف أيضا في تقديمه للحياة النوبية، فقد نشر سيف وأخوه أدهم في فترة إقامتهم في النوبة (14 يوما) ما يقرب مِن 400 رسم توضيحي تعالج الحياة اليومية للنوبيين، وقد تحولت العديد من تلك الرسوم لاحقا إلى لوحات زيتيّة، وأصبحت علامات فارقة في تاريخ الأخوين الفني.
 
ولعل أبرز الملامح التي نستطيع الوقوف عليها بإلقاء نظرة سريعة على أعمال سيف وانلي هي الألوان الزاهية التي تشبه أجواء الإسكندرية الواضحة الصريحة، رغم تغيير المدارس التي اعتمدها في الرسم بين انطباعية وتأثيرية وتكعيبية وتجريدية.
 

فقد ركّزت بعض اللوحات على التفاصيل، أُخريات ركز فيهن على الذوات المشخصة وترك المدى في اللوحة مفتوح بلا معالم محددة، أخريات ركز فيهن على الخصوصيّة الاجتماعية والبيئية  للموضوع المرسوم، مثل لوحاته عن النوبة، لكن كل تلك اللوحات جاءت غالبا بألوان زاهية ومواضيع صريحة بعيدة عن الرمزية، باستثناء اللوحات التي تلت وفاة أخيه تحول فيها إلى ألوان قاتمة.


إحدى لوحات سيف وانلي عن النوبة (مواقع التواصل)


لعلَّ أبرز ما يطفو لنا مِن لوحات سيف وانلي دائما هو رغبته الصادقة في القبض على الحياة وتخليد أكثر لحظاتها زخما وحيويّة، هكذا للأبد دون أن يبتلعها النسيان. يتبدَّى ذلك من الحركة، الحيوية، الألوان، اختيار المواضيع وأسلوب الرسم الذي سيطر على لوحاته حتّى اُعتبر سِمّة وخطا فنّيا له.
 
مثال ذلك لوحته "راقصة مع التخت، 1949" التي تتبع ما بعد الانطباعية وتتخللها بعض لمسات التكعيبية، في اللوحة تظهر راقصة ترقص أمام تخت شرقي، يظهر المشهد فلكلوريا مليئا بالحركة والعنفوان. لوحة أخرى هي "زهور راقصات، 1954" يظهر فيه عدد من راقصات البالية في أوج حركتهن بفساتين ورديّة مبهجة وزخم.
 

 
"إذا ذُكر البحر في التصوير المصري الحديث فليس من هو أحق بالكلام عن عطائه في هذا المقام بعد محمود سعيد أكثر من سيف وانلي الذي لم يكتف بأن يستعير في ألوانه الصفاء والشفافية من بحر الإسكندرية، بل كان أيضا مثل منارها وسُفنها الغادية الراسخة، ما يستحقه عن جدارة لقب "فنان الإسكندرية"، وعندما نصفه بذلك نكون قد لمسنا ركنا جوهريا في شخصيته وفهمنا علة ذلك التجدد والتنوع في إنتاجه. سيف وانلي كالإسكندرية بلده المنفتح على حضارات العالم، كل النسمات والرياح تهب على الإسكندرية، جو الإسكندرية ذاته مشبع في شكل أسطوري بتنوع فكرى متميز. لو كان سيف وانلي فنانا يعيش في مدينة أخرى من مدن مصر لما بدا فنه في هذه الصورة التي بدا عليها، فقد تجاوبت لا محلية الإسكندرية جغرافيا وتاريخيا بمزاج سيف وانلي الذي لا يهدأ له قرار" د/ نعيم عطية، من كتاب: "المكان في فن التصوير المصري الحديث"، كتب جمعية النقد، صفحة 78.
 

  
ترك سيف وانلي إرثا فنيّا يُقارب ألف لوْحة وسبعة عشر معرضا فنيا حول العالم. قدّمت لوحاته الفن الأوروبي الحديث بروح مصريّة، وحس إنساني حاول به إيقاف الزمن. حاليا تُعرض العديد مِن أعماله وأخيه أدهم في متحف سيف وأدهم وانلي الموجود في مجمع متاحف محمود سعيد في الإسكندرية، ومتحف الفنون الجميلة في الإسكندرية، ومتحف الفن المصري الحديث في القاهرة، والمتحف العربي للفن الحديث في الدوحة.[3]

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار