اغلاق
آخر تحديث: 2017/11/27 الساعة 13:28 (مكة المكرمة) الموافق 1439/3/9 هـ

انضم إلينا
"ديث نوت".. الإجرام كوسيلة لتحقيق العدالة

"ديث نوت".. الإجرام كوسيلة لتحقيق العدالة

مها فجال

محررة فنية
  • ض
  • ض

لو وجدت نفسك في أحد الأيام تمتلك القدرة على مُعاقبة كل المجرمين في العالم، هل ستستغل تلك القدرة؟ إذا كانت إجابتك بنعم، فهل ستجيب بنعم أيضًا لو عرفت أن قدرتك تلك تتمثل في امتلاكك لوسيلة تقتل بها المجرم عن بُعد دون أن يراك أحد، أي أنك لتوقف الجريمة ستصبح أنت نفسك مُجرمًا!

 

ربما أفضل ما في الأعمال الفنية والأدبية هي قدرتها على طرح أسئلة "ماذا لو؟" ومحاولة بناء إجابة منطقية لها في فضاء الخيال، وربما كان السؤال السابق هو ما ألهم المؤلف الياباني "تسوغومي أوهبا" كتابة سلسلة القصص المصوّرة الشهيرة "مفكّرة الموت"، والتي ستتحول فيما بعد لمسلسل أنيمي سيفوقها شهرة.(1)

 

في "مفكرة الموت"، وسيلة القتل عن بُعد هي مُفكرة يمتلكها أحد الشينيغامي (إله الموت باليابانية)، يُصيبه الضجر ويوقعها لعالم البشر رغبة في بعض المُغامرات. وعندما يلتقطها "لايت ياغامي"، طالب الثانوية المثالي، يجد نفسه واقفًا وجهًا لوجه أمام ذاك السؤال. يخط لايت أول الأسماء التي سينفيها من الحياة في مفكرته اختبارًا لها، وعندما يرى صاحب الاسم وقد استحال جثة هامدة بعد أن أُصيب بأزمة قلبية، يصبح ثملًا برؤى عالم جديد خالٍ من الجريمة يسود هو عليه ويصير له إلـهًا.

  

   

يبدأ لايت بالفعل في تنفيذ خطته، ولا يمر وقت طويل قبل أن يلحظ العالم تحركاته المُتمثلة في حوادث موت غامضة يموت فيها المجرمون جرّاء أزمات قلبية. وبما أن أحدًا لا يعرف هوية المسئول عن هذا، يُطلق عليه الناس اسم "كيرا".

 

يحدث انقسامٌ واسعٌ حول ما يفعله كيرا، فبينما يراه البعض المُخَلّص الذي جاء ليُطهّر البشرية من دنس الإجرام، يعترض البعض الآخر على ما يفعل ولا يرى فيه سوى مجرم آخر بغضّ النظر عن دوافعه. تقف حكومات العالم في صفوف الاعتراض، ولعجز أجهزة شرطتها العادية عن الإيقاع بالقاتل الخفي، تستعين بـ"إل"، المحقق الأكثر عبقرية على البسيطة. وبين محاولات إل في الكشف عن هوية كيرا، ومحاولات في قتل إل، تتطور الأحداث. وفي تصاعدها، نجد أنفسنا لسنا أمام مسلسل إثارة عادي يسلينا لبعض الوقت، بل أمام عمل يطرح أسئلة جادة يستمر صداها في عقولنا حتى بعد أن ننتهي منه؛ وفي طرحه لها، يبتعَد في كل البُعد عن ممارسة أي نوع من أنواع التوجيه ما يُزيد من شعورنا بالحيرة.

 

ما هي العدالة؟  


    
في القلب من "مفكّرة الموت" توجد تساؤلات وشكوك عميقة حيال مفهوم العدالة تُلقي بظلالها على أطراف النقيض من خير وشر وصواب وخطأ. وفي هذا، تُحيل ما تمثله تلك التناقضات من أبيض وأسود إلى رمادي يستحيل فيه التمييز بين أحدهما والآخر. فهل العدالة هي الانصياع التام للقانون حتى وإن أدت ثغراته إلى إفلات المُذنب كما حدث مع قاتل أبوي "ميسا"- الفتاة التي وقعت في حب كيرا كونه قد أنزل عقابه على الشخص الذي قتل أبويها وبرأَّهُ القانون؟ أم هل العدالة هي تخطي ذلك القانون بإنزال العقاب النهائي بالموت على أي مُذنب بغض النظر عن جريمته كما يفعل لايت\كيرا؟ هل العالم المثالي هو ذاك الذي يُترَك فيه الأفراد أحرارًا يفعلون ما تُمليه عليه ضمائرهم، وإن انحرفوا عن جادة الصواب يقعون تحت طائلة القانون، عبر عمليات بيروقراطية عقيمة قد تؤدي أو لا تؤدي لعقابهم؟ أم هل العالم المثالي هو ذاك الذي يحكم أفراده خوف من عقاب يُكبِّلُ إرادتهم ويجعل من القانون شيئًا ثانويًّا عديم الفائدة؟

 

لا يتردد لايت عن إجابة تلك الأسئلة، فعالمه المثالي هو عالم خالي من الجريمة بغض النظر عن أي سبيل سيشقه إليه. فبعد أن وهبه إله الموت أداة القتل الأكثر فتكًا، وجد لايت نفسه أسيرًا لغواية السُلطة المُطلقة على حيوات الناس، وتمامًا كإله، أخذ يحدد من يحق له البقاء ومن سيُنزل عليه عقاب الموت. الأهم من إحساسه النرجسي بالسُلطة كان اتساقه مع ذاته وقيمها، فبما أنه كان يرى أن العالم الحالي هو عالم عفن يفيض بالجرائم التي يُفلت مذنبوها من العقاب، وبما أنه صار الآن يملك أداة ستمكنه من تصويب هذا، لا يتردد لايت كثيرًا قبل أن يقرر استخدام "مفكرة الموت" لتحقيق عالمه المنشود.

 

لكن المُفارقة التي فاتت لايت وتمكن "إل" من التقاطها هي أن وسيلة لايت إلى عالم خالٍ من الجريمة-القتل عن طريق "مُفكرة الموت"-هي في حد ذاتها جريمة، وأن في عالمه المثالي الذي طهره من المُجرمين سيكون هو فيه المُجرم الوحيد.

 

يشق لايت إذن طريقه لعالمه لا عبر فلسفة كانط في الأخلاق التي تقول "عِش حياتك كما لو أن كل تصرف من تصرفاتك سيصبح قانونًا عالميًا"(2)، بل عبر فلسفة جيرمي بينثم النفعية التي ترى أن الخير هو ببساطة "أكبر قدر من المنفعة لأكبر عدد من الناس"(3). ولهذا، لا يبالي لايت لوقوعه في فخ التناقض، فتناقضه حينها الناتج عن استخدامه الجريمة التي ستجعل منه المُذنب الوحيد المُتبقي، تبرره غايته في الوصول لعالم يعيش كل سُكانه بسلام وأمان، وبهذا يحقق أكبر قدر من المنفعة (عالم بلا جريمة)، لأكبر عدد من الناس (كل من هو ليس مجرم).(4)(5)

ما وراء الخير والشر

   

لعل أهم ما يُميز "مفكرة الموت" هو ترفعه عن توجيه المشاهد ورسم تناقضات الخير والشر بشكل واضح وفج. فقد اعتاد المُتلقي على الأعمال الفنية التي تجعل تعاطفه حكرًا على أحد الشخصيات وسخطه موّجه لشخصية أخرى. لكن في "مفكرة الموت"، الوضع مُختلف، فلا إل يمثل الخير المُطلق حتى يحملنا على التعاطف معه، ولا لايت يُمثل الشر المطلق حتى يجبرنا على أن ننفر منه. هذا لأنه بالنظر لدوافع "إل" و"لايت" الشخصية، لن نصادف سوى اللون الرمادي الباعث على الحيرة.

 

فـ "إل"، المُحقق العبقري الذي لم تستعصِ عليه قضية من قبل، يحاول الإمساك بـ "كيرا" لا بسبب وازع أخلاقي ما أو رغبة في انقاذ الناس من قدرات كيرا المُدمَرة، بل فقط ليُثبت ذاته بعد أن صار كيرا يمثل تَحديًا لها. ولايت لا ينبري في قتل الناس رغبة في الوصول لأي منافع شخصية قد تتيحها له المفكرة بكل سهولة -كما فعل عضو مجلس إدارة شركة "يوتسبا" مثلًا الذي ما أن حصل على المفكرة حتى أخذ يقتل منافسيه لتزداد أرباح ونفوذ شركته، وكذلك ميسا التي استغلت المُفكرة لتتقرب من كيرا- بل يفعل هذا كانعكاس لقناعاته الشخصية بكون هذا هو الصواب وإن كان يعرف في قرارة نفسه أن ما يفعله يعد جريمة. ولهذا، فما يُحرِّك الحبكة ويدفع الأحداث للأمام ليس صراع الخير والشر المُعتاد، بل صراع اثنين من العباقرة كل منهم يريد تدمير الآخر فقط إثباتًا لذاته.

   

   

يحيلنا هذا بالضرورة لأحد لمحات العدمية في "مُفكّرة الموت"، حيث يصير المدافع الأقوى عن القانون- إل- هو شخص لا يؤمن به من الأساس بل ويتجاوزه في بعض الأحيان. ويظهر نزوع "إل" لحل القضايا فقط كنوع من التسلية بشكل جليّ على لسان خليفته "إن" (N) في قصص "مُفكرة الموت" المُصوّرة (Manga) عندما قال: "حل القضايا الصعبة هوايتي، ولو قمتم بقياس أفعالي على مقياس الصواب والخطأ كما ينص عليه القانون، ستجدونني مسؤولًا عن جرائم كثيرة. فكما تجدون أنتم مُتعتكم في حلّ الأحاجي أو إنهاء لعب الفيديو أسرع، أجد أنا متعتي المُطوّلة في حلّ القضايا. ولهذا، فأنا لا أقبل سوى القضية التي تُحرِّك اهتمامي، بغض النظر تمامًا عن العدالة. ولهذا أيضًا، لن ألعب بنزاهة في سبيل إغلاق قضية ما، فأنا شخصٌ غَشَّاش ومخادع يكره الخسارة."

   

   

   

لا تتوقف ملامح العدمية عند هذا الحد، فَوِفقًا لقواعد المفكّرة في المسلسل، كل من يستخدم "مفكّرة الموت" لن ينتهي لا إلى جنّة ولا إلى نار، بل إلى العدم. وهكذا نجد أن أبا "لايت "، الرجل الخيّر الذي لم يستخدم المُفكرّة سوى لإنقاذ ابنته المخطوفة، يتساوى مع لايت، الذي أردى خلالها آلاف الأشخاص تحقيقًا لطموحه المجنون؛ الاثنان في النهاية سينتهيان إلى الفناء بلا ثواب أو عقاب.

 

بل وتكاد العدمية أن تكون المُحرك الرئيسي للأحداث. فقد بدأ الصراع من الأساس عندما أحس ريوك إله الموت الذي مُنَح الخلود بالسأم من عالم آلهة الموت الرمادي، ولم يوقع بمفكرة الموت خاصته لعالم البشر سوى كي يحصل على بعض المتعة. تُصبح حيوات كل من ستقتلهم المُفكرة إذن ثمن يدفعه البشر لتتسلى الآلهة على غرار ميثولوجيا اليونان القديمة.
 

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار