انضم إلينا
اغلاق
هل تنقرض قراءة الكتب في زمن "السوشال ميديا"؟

هل تنقرض قراءة الكتب في زمن "السوشال ميديا"؟

مها فجال

محررة فنية
  • ض
  • ض

استمع للتقرير

  

"لست مُضطرا لأن تحرق الكُتب حتى تُدمر حضارة ما، كل ما عليك فعله هو أن تقنع الناس بعدم قراءتها"

(راي برادبوري)

   

في العام 1953، طاردت الروائي الأميركي راي برادبوري رؤى لعالم كابوسي، عوضا عن أن يُخمد فيه رجال الإطفاء الحرائق، أخذوا يُشعلونها في الكُتب. فالناس في ذلك العالم يكرهون الكُتب، يخشونها، يرمقونها بمزيج من الخوف والازدراء، فيتخلصون منها ويولون كل انتباههم واهتمامهم للشاشات الضخمة التي لا يخلو منها بيت من البيوت. في روايته "فهرنهايت 451"، خط برادبوري تلك الرؤية التي حمّلها مخاوفه وهواجسه من ثقافة تتجه أكثر وأكثر بعيدا عن القراءة؛ وعندما أساء معظم الناس فهم ذلك المقصد، لم يملك سوى الشعور بشيء من الحسرة.

   

ففي ظلال الحقبة المكارثية، لم يكن من الغريب أن يظن القُرّاء والنُقاد على السواء أن تلك الرواية تُمثل نقدا للسلطة ورقابتها على غرار رواية جورج أورويل الشهيرة "1984"؛ لكن ما لم يُدركه الكثيرون أن إصبع اللوم في "فهرنهايت 451" لم يُكن موجها للحكومات، بل للناس أنفسهم؛ فكان من الجموع في الرواية أن بدأت كراهية الكُتب، لتتخذ الحكومة من تلك الكراهية دافعا لمحارقها.

   

كتب برادبوري روايته في وقت كان انتشار أجهزة التلفاز فيه آخذا في التصاعد، صحيح أنها لم تكن قد وصلت لكل بيت بعد، لكنه كان على يقين أن ذلك لم يكن سوى مسألة وقت. وقد استشعر بحاسة المُثقف الذكي أن الصورة التي يُقدمها التلفاز ستطغى على الكلمة الموجودة في الكتاب، وأن الناس سرعان ما سيولّون ظهورهم للصفحات المكتوبة ويتوجهون بكل ساعات فراغهم للشاشات. (1)

 

   

  

أما اليوم، فالشاشات ليست مُعلقة على جدران البيوت فقط كما في عالم "فهرنهايت 451"، بل هي في كل مكان؛ في الحقائب والجيوب، في العمل وفي البيت وعلى أسطح المكاتب، تكاد لا تفلتها الأيادي ولا تبتعد عنها العيون. وقد ترجمت الإحصائيات تلك الهجرة الجماعية إلى الشاشة بعيدا عن الكتاب، لتُسجل إحداها أن 19% فقط من الأميركيين يقرأون بغرض المُتعة(2)، بينما يستخدم 86% منصات التواصل الاجتماعي بشكل مُنتظم(3)؛ وتجد أخرى أن معدل قراءة الفرد في أميركا لا يزيد على الـ21 دقيقة في اليوم(4)، بينما يقضي الناس ما لا يقل عن نحو الساعتين (116 دقيقة) على مواقع التواصل الاجتماعي بشكل يومي.(5)

   

لا نعرف تماما إذا ما كانت رؤيا برادبوري الكابوسية على وشك التحقق، لكن ما تؤكده الأرقام أن ثقافتنا تنجرف أكثر وأكثر لحُمى إدمان الإنترنت ومواقع التواصل، وأن الفرد العادي صار يتخذها مصدرا أساسيا للمعلومة والترفيه؛ فإن أتى يوم وحلّت فيه تلك الوسائط محل الكتاب نهائيا، فما الذي سنفقده حينها ولن نتمكن من تعويضه بأي شكل كان؟

 

ما نفقده بإغلاق الكُتب     

 

تنقر على بضعة مفاتيح وتبحث عن معلومة لتجد بعد جزء من الثانية مئات الصفحات والمواقع التي تقدمها لك، يبدو ذلك شيئا رائعا حقا؛ وهو بالتأكيد أكثر إغراء من قراءة كتاب طويل عريض حتى تعرف ما تريد. وفي ثقافة تُقدس السرعة والفعالية، تبدو الكتب غير عملية بالمرّة، لذا، يجد معظمنا في المقالات القصيرة ومقاطع الفيديو الحل البديل والخيار الأمثل؛ لكن، على ما بها من سرعة وسهولة، فبناء معرفة تعتمد حصريا على الإنترنت به قدر ليس بالقليل من العيوب.

 

إن بحثت عن أي معلومة الآن وفتحت أي موقع يتضمنها، فستجد غالبا في المقالة التي تحملها عدّة روابط؛ وحول المقالة ستظهر لك روابط لمقالات أخرى من الموقع نفسه تحت عناوين "موضوعات مُشابهة" و"الأكثر قراءة". وفي كثير من الأحيان، قبل حتى أن تنتهي من قراءة المقال الذي بدأت، سيبدو لك واحد من العناوين مُغريا كفاية لتفتحه، وربما تفعل الشيء نفسه مع أكثر من مقال، لتجد نفسك بعدها بنصف ساعة تقرأ في موضوع لا علاقة له تقريبا بما فتحت الإنترنت أصلا لتبحث عنه. وإن قاومت إغراء العناوين الأخرى، ففي حالة كون المقال أو الموضوع الذي تقرأ عنه ثقيلا، ستشعر بالملل بعد بضع دقائق، ما سيدفعك لفتح صفحة أخرى تتفقد فيها آخر الإشعارات في أحد حساباتك على مواقع التواصل الاجتماعي. وقبل أن تشعر، ستجد أنك أمضيت نصف الساعة الأخيرة ربما في تصفح صور أصدقائك وقراءة آخر الأخبار.

   

    

هكذا، يضيع الوقت الذي تظن أنك وفرته باللجوء إلى الإنترنت بين عشرات المُشتتات التي لا تمت لموضوع بحثك الأصلي بصلة. وعوضا عن التركيز بشكل كامل على ما تقرأ، يضيع انتباهك وسط الروابط الكثيرة التي من الممكن أن تضغط عليها، وعلى اتخاذ قرار إذا ما كنت ستضغط عليها أم لا. في كتابه "المياه الضحلة"، يناقش الكاتب نيكولاس كار تأثير الإنترنت على أدمغتنا ويكتب عن تلك الظاهرة قائلا: "قد يكون أثر إعادة توجيه مواردنا الذهنية من قراءة الكلمات لاتخاذ القرارات غير محسوس -فأدمغتنا سريعة حقا- لكن ذلك يعيق قدرتنا على الفهم والاسترجاع، وبالذات إن تم تكراره كثيرا"(6). ولميلنا لفتح عشرات الروابط التي لا يحتوي معظمها على أي معلومة ثرية أو ثقيلة في تفسيرها العلمي؛ فكل مرة نعرف فيها شيئا جديدا، تفرز أدمغتنا هرمون الدوبامين المسؤول عن شعورنا بالسعادة، وهذا يحدث بغض النظر عن نوع أو أهمية تلك المعلومة. (7)

  

وبذلك، تأتي المعرفة التي نكتسبها من خلال قراءة المقالات القصيرة ومشاهدة مقاطع الفيديو مُجتزأة ومتشظية وسطحية للغاية مقارنة بتلك التي نبنيها عبر الكتب. فتلك المصادر تمر فوق أسطح المواضيع بلا استغراق أو تعمق، وتعطيك إحساسا خادعا أنك صرت تعرف ما تريد بينما أنت لم تر منه سوى القشور. وعلى النقيض من مواقع الإنترنت التي تغريك دائما بالذهاب لأماكن أخرى في الشبكة، يجبرك الكتاب على الإبطاء والتركيز، على الغرق في صفحاته رويدا رويدا وامتصاص الكلمات على مهل، على إعادة قراءة الفقرات مرة تلو المرة حتى تتشرب المعنى وتفهم الفكرة، مما يؤدي إلى انتقال المعلومات التي تقرأها عبر الكتب للذاكرة طويلة المدى بفعالية أكبر بكثير من تلك التي تمر عليها في الإنترنت.

  

 

في "المياه الضحلة"، يشرح كار كيف ولماذا يحدث هذا عبر تشبيه بليغ فيقول: "تخيل أنك تملأ حوضا كبيرا جدا باستخدام إناء صغير جدا؛ كذا هو تحدي نقل المعلومات من ذاكرتك العاملة لذاكرتك طويلة المدى. عندما نقرأ كتابا، يحافظ صنبور المعلومات على دفق ثابت، وعبر تركيزنا الكامل على النص بينما نقرأ، يمكننا نقل كل أو معظم المعلومات رويدا رويدا لذاكرتنا طويلة المدى. أما في حالة الإنترنت، نكون أمام صنابير معلومات متعددة، كلها تتدفق بأقصى طاقتها، فيفيض إناؤنا الصغير بينما نتحرك بسرعة بين صُنبور والآخر. وفي النهاية، لا نتمكن من نقل سوى جزء صغير من المعلومات إلى ذاكرتنا طويلة المدى. وحتى ذلك الجزء الذي ننقله لا يكون تيارا مُتسقا ومتتابعا من مصدر واحد، بل خليط من القطرات من صنابير مختلفة". ويختتم كار ذلك الجزء قائلا: "نتحول إلى مُستهلكين خُرْق للمعلومات".(8)

 

وقد وصلت ماريانا وولف، الباحثة في جامعة كاليفورنيا، في كتابها "أيها القارئ عُد إلى البيت" للشيء نفسه، فتقول في حوارها مع موقع "سايكولوجي توداي": "القراءة العميقة تستغرق وقتا، والوسائط الإلكترونية تُشجعنا على الحصول على أكبر قدر من المعلومات في أقل وقت ممكن. وعندما نقضي من ست لاثنتي عشرة ساعة مع الشاشات، فإننا نُطور ميلا للقراءة بسرعة وسطحية. أما الكتاب، فيُبطئنا حرفيا -حيث يكون علينا أن نقلب الصفحات- ما يُشجعنا على العودة مجددا والقراءة مرة أخرى". وتستطرد بعدها قائلة: "عندما تقذف بُكل تلك الكمية من المعلومات، ينتهي بك الأمر لاستخدام المصادر التي لا تتحداك، تلك التي تتحلى بأقل قدر من التركيب والكثافة، ما يفقدك بالتدريج قدرتك على التفكير النقدي".(9) 

  

كتاب "أيها القارئ عد إلى البيت" (مواقع التواصل)

    

وما تقوله وولف يُمكن لأي منّا ملاحظته؛ فأكثر المواضيع قراءة وأكثر الفيديوهات مُشاهدة هي غالبا ما تكون الأقصر، ما يجعلها أقل قدرة على تضمين القدر الكافي من المعلومات في متنها، فتكتفي بطرح وجهة نظر واحدة أو زاوية واحدة للموضوع، لتغادرها أنت مع شعور زائف بالمعرفة. كما يكثر في الإنترنت المحتوى الذي يركز على موضوع بعينه بشكل بحت، ولا يتطرق لتداعيات ذلك الموضوع الفكرية الأخرى، ما يجعله بالضرورة محدودا.

 

أما الكُتب على الجانب الآخر، ففيها من المساحة ما يكفي لمناقشة ثرية لأي شيء كان، وتقليبه من جميع أوجهه وطرح مختلف الآراء ووجهات النظر حوله. فالكتاب الجيد لا يدعي أبدا أنه يملك الإجابة النهائية على عكس عناوين الكثير جدا من المقالات والفيديوهات التي تبدأ بـ"كل شيء توّد أن تعرفه عن ..."، بل يُقدم نفسه بشكل ضمني كجزء متواضع من صورة كبيرة عليك أن تقرأ غيره الكثير لتلمحها كاملة. فيُمثل الكتاب بهذا نافذة تفتح عيناك على أُفق آخر، وتغريك بالاستمرار في البحث عن مفاتيح تُدخلك لمسافات أبعد داخل عوالم جديدة.

   

  

منذ عقود طويلة صاغ الروائي الألماني الحائز على جائزة نوبل هرمان هيسة ذلك المعنى بشكل بديع، فكتب يقول: "إن واحدة من الخصائص العظيمة والمثيرة للدهشة للكتب الجميلة (والتي تجعلنا أيضا نفهم الدور الأساسي والمحدد في الآن نفسه الذي تلعبه القراءة في حياتنا الروحية) هي أنها بالنسبة للمؤلف تُعتبر استنتاجات، أما بالنسبة للقارئ فهي مُثيرات. فنحن نشعر أن حكمتنا تبدأ حيث تنتهي حكمة الكتاب، ونود منه حينها أن يُمدنا بإجابات في الوقت الذي لا يقدر فيه على إعطائنا سوى رغبات. ولا يوقظ الكاتب فينا تلك الرغبات إلا عندما يدفعنا لتأمل الجمال الأسمى الذي لا يقدر على الوصول إليه سوى ببذل أقصى طاقاته. وهكذا، فنهاية حكمة كتاب تبدو لنا كمحض بداية لحكمتنا، ففي تلك اللحظة التي يخبرنا فيها الكتاب عن كل ما كان بوسعه أن يقوله، يثير فينا شُعورا أنه لم يخبرنا شيئا على الإطلاق".(10)

  

من المؤكد أنه بإغلاق الكتاب والاستسلام لوميض الشاشات تفقد ثقافتنا وحضارتنا الشيء الكثير، ونفقد نحن أيضا على المستوى الشخصي ما لا يُمكن تعويضه. فمواقع التواصل بصفحاتها اللانهائية التي تغرينا بالاستمرار بالتقليب فيها تُصبح بمنزلة ثُقب أسود يبتلع الساعات والأيام، ولا تمدنا في المقابل بما يُساوي الوقت الذي نُضيعه عليها؛ أما صُحبة كتاب جيد، فتجعل الوقت يمر أبطأ، وتفتح أفقا آخر بعيدا عن هنا والآن يجذبنا إليه، ويمتصنا فيه رويدا رويدا. وحتى عندما نغلق الكتاب ونعود لتفاصيل الحياة، نبقى نحمل في داخلنا ذكريات وتجارب من عوالم أخرى بعيدة طافت فيها أرواحنا، وعشنا فيها زخما من حيوات موازية ننتمي لبعضها أكثر مما ننتمي لواقعنا المُعاش. ولهذا، فإن حدث وأتى عالم كالذي تنبأ به راي برادبوري في "فهرنهايت 451"، فستفقد الإنسانية مرآتها العاكسة التي ترى خلالها كل ما بها من عيوب وخطايا، ولن يبقى حينها سوى صور "سيلفي" برّاقة تُظهر كل قُبح جميل. 

   

  

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار