اغلاق
آخر تحديث: 2018/7/3 الساعة 18:23 (مكة المكرمة) الموافق 1439/10/20 هـ

انضم إلينا
في سعيهم للحب والاهتمام.. كيف عالج الفن مخاوف البشر؟

في سعيهم للحب والاهتمام.. كيف عالج الفن مخاوف البشر؟

مريم عادل

محررة فنية
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع


تقول الحكاية إنه منذ بزوغ فجر التاريخ البشري، لم تساوِ المجتمعات ولا الأعراف ولا التقاليد بين الناس في "المكانة الاجتماعية". كان هناك دائما أحرار وعبيد، أغنياء وفقراء، ملاك وأُجراء، حتى وصلنا في عصرنا الحالي إلى "ناجحين وفاشلين". تفاوتت على مر التاريخ العين التي من خلالها يقسم الناس بعضهم بعضا على درجات السلم الاجتماعي، تلك التي تحدد أي الأشخاص يستحق أكبر قدر من الاحترام والاهتمام والحب والإعجاب. ربما لم يسبب هذا التقسيم الكثير من القلق أو الألم للناس في الماضي رغم ما كان ينطوي عليه من ظلم وانعدام مساواة، إذ كانوا يؤمنون أن هذا التفاوت قدر إلهي لا مفر منه -طبيعة الأمور- أو أنه توزيع للحظوظ في هذه الدنيا خارج تماما عن إرادتهم. فكان هذا الاعتقاد يريحهم من عناء القلق بشأن المكانة الاجتماعية، والذي بدأ في الظهور مع التقدم المادي الذي حققته البشرية في القرون الأخيرة.(1)

      

خلال العصور الوسطى كان معظم الناس ينتمون إلى طبقة الفقراء والفلاحين، لم يكن شبح المجاعات والفقر والمرض يغيب عن مخيلاتهم. لكنّ تحولا كبيرا بدأ في الحدوث مع التطور المذهل في تقنيات الزراعة وبالتالي الصناعة، تضاعفت عبره القوة الإنتاجية، مما حرر رأس المال والقوى العاملة. ومع الوفرة التي حققها هذا التقدم، لم تعد الخدمات مقصورة فقط على قلة من المحظوظين الذين يتوارثون الثروة والمكانة. أصبح كل شيء في متناول الجميع، لكن هذه المرة مشروطا "بالجدارة"، أي قدرة كل شخص على "الإنجاز والتفوق والنجاح" وبالتالي تحقيق دخل مرتفع، في مجتمعات توفر للجميع فرصا متساوية. وأمام هذا التغير أصبح الحصول على التقدير والاحترام من قِبل المجتمع مرتبطا بقدر الإنجازات التي حققها كل شخص، مما يجعل أولئك الذين يبحثون عن حياة بسيطة خالية من الإنجازات والطموحات الكبيرة يشعرون أنهم منبوذون من قِبل المجتمع، كما يشعرون بالدونية والمهانة تجاه أنفسهم.

      

فيديو مترجم للعربية عن "قلق المكانة" تقدمه مؤسسة "The School of Life" التي تتبنى أفكار الكاتب

      

في كتابه "قلق السعي إلى المكانة: الشعور بالرضا أو المهانة" الذي ترجمه إلى العربية "محمد عبد النبي"، يناقش "آلان دو بوتون" هذا القلق من جوانب عديدة، إذ يرجعه إلى حاجتنا العميقة للحصول على الحب والاهتمام الذي كنا نحصل عليه بدون مشقة ونحن أطفال من "الأم"، لكن بنضوجنا نُجرّد من هذا الحب غير المشروط ولا نجد أمامنا سوى أن نثبت أننا جديرون به من قِبل المجتمع. يستخدم بوتون "الفلسفة والفن والسياسة والدين البوهيمية" لكي يفتح آفاقا أخرى لأولئك الذين صنفتهم مجتمعاتهم "بالفاشلين" والذين يرى أنهم وإن لم يجاروا رؤية المجتمع السائدة للمكانة الاجتماعية، فإنهم يستحقون ألا يُوصموا بالفاشلين أو الخاسرين. فالمجتمع من وجهة نظر بوتون مهما ادّعى وجود فرص متساوية للجميع، ستظل قلة قليلة فقط هم القادرين على صعود قمة الهرم الاجتماعي، بسبب مئات العوامل التي تساهم مباشرة في تقدير مكاننا في الهرم والتي منها الصحة والمرض والحظ والمصادفات وفرص التعليم والكثير من العوامل الأخرى.(2)

    

الفن ليس أوهاما وأحلاما في نور القمر

في النصف الأول من كتابه "قلق السعي إلى المكانة" يناقش آلان دو بوتون تاريخ فكرة المكانة الاجتماعية وكذلك أسباب القلق الحديث التي باتت تسببه، وخصص الجزء الثاني من الكتاب لطرح حلول تمكننا من الرؤية بطرق مختلفة، والتي كان الفن بجميع أنواعه أحد أكثر هذه الحلول نفعا. يتبنى آلان دو بوتون نظرة الشاعر والناقد "ماثيو أرنولد" للفن، في مواجهة أولئك الذين يدعون أن الفن لم يقدم للبشرية أي قيمة أو فائدة مرجوة. يرى أرنولد أن الفن "ترياق فعال لأعمق المخاوف والمصاعب التي يجابهها الإنسان في هذه الدنيا". العمل الفني العظيم بحسب أرنولد يحمل في داخله "رغبة في إزاحة الخطأ الإنساني وتجاوز اضطراب البشر ومحو معاناتهم"، إذ إن أعظم الفنانين كانوا يأملون أن يجعلوا العالم مكانا أفضل مما هو عليه. إن الفن بمنزلة صرخة احتجاج على الأوضاع القائمة، لذلك فإن ما تقوم عليه فلسفة أرنولد هو أن "الفن نقد للحياة".

      

يفسر بوتون فلسفة أرنولد قائلا إن الحياة ظاهرة تحتاج إلى النقد، لأن البشر يتعرضون باستمرار وبسبب النقص في طبيعتهم إلى مخاطر متعددة، منها خطر عبادة آلهة باطلة، وعجزهم عن فهم أنفسهم، كذلك السقوط في فهم الآخرين بشكل خاطئ، كما أنهم يسيطر عليهم الخوف والقلق بطريقة هدامة. بالتالي فإن الأعمال الفنية المختلفة من شعر ورواية ومسرح وتصوير زيتي وسينما "تستطيع أن تكون وسيلة تفسر لنا وضعنا الإنساني". وعندما يأتي الحديث عن المكانة الاجتماعية والطرق المختلفة التي يتفاوت بها الناس على السلم الاجتماعي، فهي بالطبع تحتاج إلى النقد أو الفهم والتحليل، يقول بوتون: "ليس من المفاجئ أن أعمالا فنية أبدعها فنانون كثيرون عبر العصور كانت تفند السبل المتبعة في تحديد منازل الناس ودرجاتهم في المجتمع. إن تاريخ الفن حافل بتحديات نظام المكانة، تحديات قد تتخذ شكلا ساخرا أو غنائيا أو غاضبا أو حزينا أو طريفا".

       

 فيديو يتحدث فيه الكاتب عن القلق بشأن النجاح

 

الأدب والرواية.. صوت المهمشين

قدمت الروايات العظيمة خلال القرن التاسع عشر والعشرين نقدا لاذعا للمعايير التي تُبنى عليها التراتبية الاجتماعية في ذلك الوقت، أو على أقل تقدير شككت في هذه المعايير، واقترحت إعادة ترتيب لدرجات سلم الأفضلية وفقا لاعتبارات أخرى غير المال والسلطة والممتلكات، أهمها الاعتبار الأخلاقي. إذ تمنح الرواية صوتا للحياة الخفية لأشخاصها، فبإمكان الرواية أن تجعل الخادمة البسيطة التي لا يلحظها أحد "تنطوي في داخلها على حساسية نادرة وعظمة أخلاقية، في حين أن البارون الذي يضحك بصوت غليظ ويملك منجم فضة قد تيبس قلبه وصار مرا كاويا". إننا ننسى باستمرار أن أفضل ما في الآخرين من الصعب أن يكون ظاهرا بشكل واضح في إنجازات خارجية تجذب الانتباه.

      

في روايتها "مانسفيلد بارك" التي كتبتها سنة 1811 تحكي جين أوست قصة فاني برايس الفتاة الفقيرة التي تذهب للعيش مع خالتها في عزبتها وقصرها الفخم لكي تخفف عن والديها أعباء إعالتها. تُظهر جين أوستن أوجه الاختلافات التي بين فاني وأبناء خالتها، وطريقة تفكير أسرة خالتها بها، إذ ينظرون إليها باستعلاء وازدراء. لكن مع نهاية الرواية تكشف جين أوستن "أن فاني هي الشخص الوحيد الذي يتحلى بروح نبيلة، في حين أن جميع الآخرين وقعوا في ارتباك أخلاقي، رغم ما يحملونه وما لهم من منجزات". وهكذا استطاعت أوستن في الرواية أن تقلب النظام الهرمي لمواقع الشخصيات رأسا على عقب.(3) الكثير من الروايات كان لها هذا التأُثير، على سبيل المثال، في رواية بلزاك "الأب جوريو" نحن لا نتعاطف مع السيدة ذات المنزل المموه بالذهب، إنما مع "الشيخ جوريو الذي يدبر عيش أيامه الباقية في منزل صغير وحقير". الأمر نفسه ينطبق على رواية توماس هاردي "جود المغمور"، إذ ينال احترامنا عامل البناء شديد الفقر بدلا من طلبة أكسفورد المتكبرين. يذكر بوتون الكثير من الروايات الأخرى مثل "أسنان بيضاء" لزادي سميث، و"المنزل الموحش" لتشارلز ديكنز و"سوق الغرور" لوليام ثاكري وغيرها.

   

"إن لم يوسع الفن حدود التعاطف الإنساني فلا نفع له من الناحية الأخلاقية"

 (جورج إليوت)

   

فيديو ملخص لأفكار جين أوستن

        

اللوحات الفنية تتحدى السائد

عام 1648 وضعت الأكاديمية الفرنسية للفنون الجميلة ترتيبا للموضوعات التي يجب أن يرسمها كل فنان عظيم. جاءت في البداية الموضوعات التاريخية التي تعبر عن نبل الإغريق القدامى والتي تصور الحكايات الأخلاقية للكتاب المقدس، وفي المرتبة الثانية جاءت البورتريهات الشخصية للملوك والأمراء والنبلاء، ثم المناظر الطبيعية في المرتبة الثالثة، وفي أسفل القائمة جاء موضوع "تصوير الحياة اليومية لعامة الناس" بطريقة تدل على النبذ والاحتقار. لقد كان هذا الترتيب من قِبل الأكاديمية يوافق الهرم الاجتماعي، لكن هناك الكثير من الفنانين الذين لم يعيروا هذا الترتيب أي اهتمام وركزوا في تصويرهم على الموضوعات التي تصور الحياة اليومية للناس العاديين والبسطاء. من هؤلاء الفنانين "جان باتسيت شاردان" و"توماس جونز" و"كريستين كوبكه".

   

كان شاردان مهتما بأشياء اعتُبرت في ذلك الوقت عادية جدا بالنسبة إلى فنان موهوب مثله، فكان يرسم أرغفة الخبز والأطباق المكسورة والسكاكين والشوكات وبعض الثمار مثل الكمثرى. كما كان يصور أشخاصا من الطبقة العاملة وهم يقومون بأعمالهم المنزلية في بيوتهم المتواضعة. وفي عام 1738 رسم لوحته المسماة "مريض يتعافى"، تقف فيها امرأة تقشر بيضة، تظهر اللوحة بساطة حياتها من خلال ثيابها البسيطة والغرفة قليلة الأثاث. أثارت هذه اللوحة التساؤلات عن سبب رسم هذا الفنان الموهوب لهذا المشهد العادي، لكن لوحات شاردان تدعو لنبذ أي حياة تستخف بقيمة الحياة العادية التي قد تظهر بها امرأة تقوم بعمل في المنزل، يقول مارسيل بروست: "لقد علمنا شاردان أن ثمرة كمثرى ممتلئة بالحياة بقدر ما تمتلئ بها امرأة، وأن إبريقا قد يبلغ جمال حجر كريم".

      

التراجيديا.. تروي حكايات الإخفاق العظيمة

إن الأشخاص الذين يطلق عليهم المجتمع "فاشلون" لا يعانون من قسوة هذه الوصمة فحسب، بل يفقدون في الوقت نفسه الحق في التعاطف معهم. لكنّ هناك نوعا فنيا خاصا كان مكرسا بالكامل لكي يسرد قصص الإخفاقات والفشل العظيمة. بدون أن يتخلل السرد سخرية أو إدانة، لم يبرئ شخصياته من المسؤولية لكن كذلك منحهم الحق في تعاطف الناس معهم، وهو التعاطف نفسه الذي يستحقه كل إنسان كما يقول دو بوتون وإن كان نادرا ما يصل إلى مستحقيه. يكتب دو بوتون عن فن التراجيديا أنه: "يقصد عمدا أن يترك أفراد الجمهور مترددين حيال إدانة البطل على ما حل به، وفي الآن نفسه شاعرين بالتواضع، إذ يدركون مدى سهولة أن تتحطم حياتهم تماما إن وجدوا أنفسهم في محنة مماثلة".

   

تبدأ الحكاية التراجيدية بتتبع حياة شخص ما، غالبا ما يكون بطلا أو ملكا أو شخصا رفيع الأصل، ثم تتبع مسيرته من الازدهار والتوهج إلى السقوط فالانهيار والخزي بسبب ارتكابه خطأ كان له تأثير قوي على مسار حياته بالكامل. ينتهي أبطال التراجيديا نهايات مأساوية، ينتحرون أو يقتلون، المهم ينتهي بهم الحال محاولين بأصعب الطرق التكفير أو التطهير من الخطأ الذي اقترفوه. إن ما يجعل البطل التراجيدي مؤثرا ومثيرا للتعاطف هو التشابه الذي يكون بينه وبين الناس على المستوى الأخلاقي، فلا يكون طيبا جدا ولا شريرا جدا، فيتمكن الجمهور من رؤية أنفسهم من خلاله دون الكثير من العناء. ويضم تاريخ الفن الكثير من الملاحم التراجيدية منها حكاية الملك أوديب القديمة، وحديثا اختار دو بوتون رواية "مدام بوفاري" لجوستاف فلوبير لتكون نموذجا للتراجيديا أيضا.

      

فيديو يقدم تاريخ الفشل من منظور التراجيديا

   

الكوميديا سلاح لتوجيه النقد

وفي مقابل التراجيديا قدمت الكوميديا خصوصا فن الكاريكاتير نقدا وسخرية لاذعة من السلطة التي تتمتع في أغلب الأوقات بمكانة اجتماعية مرموقة. لكن في اللحظة التي تبدأ فيها الكوميديا بالسخرية من رمز سلطوي فإنه يفقد جزءا من هيبته ومكانته، فالسخرية بطبيعتها تقلل من قدر الشخص الذي يُسخر منه فتنزع عنه مكانته، يقول دو بوتون: "إن الموهوبين من صناع الكوميديا لا يلقون خطبا تلخص انتهاكات السلطة، بدلا من ذلك يحرضون جمهورهم وهو يضحك على الإقرار بصحة وثواب أسباب احتجاجهم على السلطات". وكان فرويد يرى أن الرسائل الخطيرة الحرجة يمكنها عن طريق إلقاء النكات "أن تكسب أذنا مصغية لدى السامعين، وهو ما لم تجده أبدا في أي صيغة أخرى تخلو من المزاح والدعابة".

  

يعرض دو بوتون في كتابه العديد من الأمثلة التي كانت الكوميديا من خلالها سلاحا مؤثرا لتوجيه النقد للمكانة العليا التي يتمتع بها البعض. كذلك تساعدنا الكوميديا في التصالح مع ما يساورنا من مخاوف وقلق بشأن المكانة الاجتماعية. إن أعظم الكوميديين يركزون على إظهار نقاط ضعفنا التي نحاول باستمرار إخفاءها في الظلام، وهم بذلك "يجذبوننا بعيدا عن علاقتنا المنعزلة بجوانبها الأكثر إثارة للحرج". كذلك يشير دو بوتون إلى أنه كلما كان العيب أكثر خصوصية وأشد مدعاة للقلق، زادت فرص وإمكانية الضحك بحيث يتحول الضحك في النهاية إشادة بقدرتنا ومهارتنا في السخرية من الأمور التي يسكت عنها الجميع.

   

"تتيح لنا النكتة أن نستغل شيئا سخيفا في خصمنا، شيئا لا يمكننا بسبب بعض العقبات أن نعلنه صراحة عن وعي وقصد"

– (فرويد)

    


تقارير متصدرة


اّخر الأخبار