اغلاق
آخر تحديث: 2017/10/1 الساعة 18:33 (مكة المكرمة) الموافق 1439/1/11 هـ

انضم إلينا
"شيخ جاكسون".. اضطراب الهوية الوجدانية بعيون السينما المصرية

"شيخ جاكسون".. اضطراب الهوية الوجدانية بعيون السينما المصرية

رامي عبد الرازق

ناقد سينمائي
  • ض
  • ض

يبدو شيخ جاكسون فيلما يحاول الاحتفاء بقيمة الحياة في مواجهة من يحاولوا أن يجعل منها جيفة لا تستحق البكاء عليها، أو من أجلها، وهي بلا شك محاولة فكرية وشعورية تستحق التقدير، خاصة عندما تدور في إطار متعدد من الصراعات الداخلية التي تتكثف داخل عقل ووجدان الشخصية الرئيسة "الشيخ" وهي الشخصية التي تنقسم داخل سياق السيناريو إلى عدة مراحل عمرية تجعل منها -مع اختلاف ملامح وتفاصيل كل مرحلة- مجموعة شخصيات، أو -بحسبة أدق- شخصيتين أساسيتين، هما المراهق الشاب الملقب بجاكسون والشيخ الشاب الذي أصبح لقبه الديني بحكم عمله -إماما في مسجد- إلى مرادف لاسمه.

 

ولكن أزمة فيلم شيخ جاكسون الأساسية لا تكمن في كونه فيلما يتصدى لإشكالية إنسانية واجتماعية واضحة المعالم وملموسة ومؤثرة في حياة الكثير من شرائح الشباب بل تكمن في أنها تمس من تجاوزوا مرحلة الشباب أيضا، ونعني بها إشكالية الهوية الوجدانية التي تقع في حيرة رمادية نتيجة صعوبة الانحياز المفترض إلى طرف دون آخر في المعركة الزائفة الافتراضية جدا ما بين الالتزام الديني والأخلاقي -كطرف- وبين حب الحياة -كطرف آخر- والتعاطي معها على اعتبار أنها أهم منحة قدرية وكونية وهبت للإنسان، وليست فخا ضخما للغواية تم نصبه من أجل أن يحشر الناس في جحيم الآخرة.

  

أزمة الفيلم تحديدا تكمن في أن التصدي لهذه الإشكالية جاء من خلال أسلوب المقارنات المدرسية ما بين التعاطي مع الحياة وبين التزمت الديني الذي يصل إلى حد تقديس الموت واعتباره كل الأمل وغاية كل منتهى -وهي المعادلة التي يشرحها الشيخ في أحد المشاهد لمصمم الغرافيك حين يقول له إن قسمة أي عدد على رمز اللانهائية يساوي صفرا أي أن الحياة مهما طالت بنا فهي قصيرة وسوف نلاقي الموت والحساب في النهاية، وبالتالي فإنها لا تساوي شيئا- وهي معادلة عدمية جدا تحط من شأن الحياة، كما أنها تعد تفسيرا بائسا لوجود الإنسان في الدنيا.

  


من خلال جلسات العلاج النفسي الذي يبدأ من أولى مشاهد الفيلم عندما نستمع إلى صوت الطبيبة الشابة وهي تسأل الشيخ ما هي مشكلتك فيجيبها أنه لم يعد يبكي في الصلاة، مما يعني أن إيمانه صار ضعيفا، من خلال هذه الجلسات يبدأ الفيلم في خوض السرد المتوازي والمقارن ما بين حياة المراهق جاكسون الذي يحب الحياة رغم كل ما يتعرض له من أذى نفسي ومادي على يد أبيه الذي لا يؤمن بأي قيم ولكنه في نفس الوقت يحاول إخضاع جاكسون إلى عكس ما يؤمن به -حيث إن والده تربطه علاقات حميمية بسيدات متزوجات بعد وفاة زوجته، وعلى الرغم من ذلك فإنه يعتبر أن مايكل جاكسون "مُخنَّث" وأن تشبه ابنه به يعني أنه في طريقه "للتخنُّث" والميوعة هو الآخر- وما بين حياة الشيخ التي عاشها جاكسون أو بمعنى أدق بقاء الشيخ على هامش الحياة بإرادته -كأن ينام تحت الفراش ليتذكر القبر، ويقطع وصلة النت عن بيته لمجرد أنه اكتشف بالصدفة أن ابنته تشاهد أغاني راقصة- ظنا منه أنه بهذا يتقرب إلى الله عبر تحقير الحياة وازدراء كل ما يرتبط بها من متع مهما كانت بريئة أو عادية.

 

فلاش باك مدرسي

يقول ماركيز: عندما يكون لديك حكاية جيدة فحاول أن ترويها ببساطة. ولكن لا تعني البساطة أن يصبح لدينا أمام كل موقف من مواقف حياة الشيخ مواقف أخرى مشابهة من حياة المراهق، صحيح أن إطار الفلاش باك النابع من جلسات العلاج النفسي يتيح ذلك، ولكن ربما كان هذا في حساب الزمن المادي ما بين الحاضر والماضي، أما على مستوى الصراع النفسي فإن الأمر كان يحتاج إلى مزيد من النضج والتأني في اختيار المحطات والتقابلات ما بين حاضر الشيخ وماضيه أي بين الشيخ وجاكسون.

 

هذه التقابلات المدرسية أوقعت السيناريو في مأزق واضح وهو أن المتلقي أصبح بشكل لا إرادي يميل إلى متابعة تطور حياة المراهق، والذي يبدو شخصية درامية تنمو باستمرار تجاه نقطة معينة وهي النقطة التي ينتظرها المشاهد لكي يعرف سر التحول العنيف الذي جعل من جاكسون شيخا، في حين أن الخط الزمني الخاص بالشيخ أصبح خطا ساكنا جدا لا نمو ولا تطور فيه بل مجرد محاولات للبكاء بالجلوس في القبر أو البعد عن أهل البيت، بالإضافة إلى الوقوع في مساحة من الهلاوس والأحلام التي تخص أيضا شخصية المراهق.

 


 يمكن هنا أن نتوقف بالتحليل عند أزمنة الفيلم الثلاثة، وعلاقتها بالتطور الدرامي للشخصيات والنمو المفترض للصراع وصولا إلى الذروة، فالفيلم يحتوي على ثلاثة أزمنة واضحة: زمن حاضر هو زمن الشيخ، وزمن ماضي هو فلاش باك استدعائي لحياة المراهق الذي كانه الشيخ، وزمن اعتباري وهو زمن الأحلام والهلاوس الحية التي يراها الشيخ نتيجة كبته لشخصية المراهق في داخله ومحاولته التنصل من ماضيه المحب للحياة وذلك تقربا إلى الله والجنة وكل منتهيات التدين الشكلي المتزمت.

 

أزمة زمن الشيخ الحاضر أنه رغم مروره، إلا أنه لا يحمل أي تطور أو نمو في الشخصية بل على العكس يبدو ثابتا في أحيان كثيرة نتيجة التعامل معه على اعتبار أنه مجرد استدعاء للفلاش باك أو زمن المراهق، فالشيخ يتحرك في إطار حياتي ضيق من أجل أن يعيش مواقف يستدعي بها السيناريو فلاش باك لحياة المراهق، كذلك يسكن الصراع في زمن الشيخ نتيجة الأحلام والهلاوس الكثيرة التي يعيشها نتيجة الكبت النفسي والوجداني الذي يعانيه.

 
أما على مستوى زمن المراهق جاكسون فنحن نتابع الكثير من النمو النفسي والصراع الاجتماعي ويصبح لدينا دوما ما ننتظره سواء على المستوى الحياتي في علاقته بأبيه أو العاطفي في علاقته بحبيبته المراهقة الشابة زميلته في المدرسة أو على مستوى علاقته الوجدانية بمايكل جاسكون نفسه والذي تصبح ملابسه وحركاته وأغانيه وطول شعره هي أفضل مكان في العالم الداخلي الخاص بالمراهق الذي يتفتح للحياة ويريد أن يرقص ويعبر عن امتنانه للدنيا بأنه عاشق روحي.

 
من هنا أصاب السيناريو خلل درامي وإيقاعي واضح لم تتمكن الأحلام المأخوذة من كليبات مايكل جاكسون ولا الهلاوس الخاصة بالموت والثعبان الأقرع من إنقاذ الزمن الخاص بالشيخ بل صارت حملا عليه، حتى إنه في مقابل وضوح وقوة وتأثير أغلب شخصيات زمن المراهق نجدنا أمام حالة من البهتان والخفة لشخصيات زمن الشيخ خاصة ابنته وزوجته وحتى خاله الذي كان سببا أساسيا في تحوله من جاكسون إلى شيخ.



أصبحت مشاهد زمن الشيخ بالنسبة للمتلقي مجرد محطة لانتظار مشهد زمن المراهق، وهي مصيبة إيقاعية أن يفلت من السيناريو خط زمني كامل في مقابل خط آخر، لأن هذا يعني باختصار أن المتلقي لم ينتظر ذروة هذا الخط رغم أن الخط الحاضر الذي سوف تجتمع في نهاية خطوط الماضي والأزمنة الاعتبارية الأخرى، ومن هنا تصبح ذروة الفيلم بالنسبة للمتلقي ليست في تغير حال الشيخ وهو التغير الذي يصبح إداريا ومتوقعا جدا، وهو أيضا تغير غير مؤثر وغير مفهوم ويبدو قفزا بالصراع أو بالخط الدرامي كله، فالشيخ فجأة يتخلى عن الجلباب ويذهب إلى أحد الكافيهات ليلتقي بحبيبته السابقة بل ويحاول أن يعوض معها القبلة التي فاتته وقت مراهقتهم وكأنه بهذا يتواصل مع المراهق الذي في داخله أو يعود ليصبح جاكسون من جديد رغم أن فشله في أن يقبلها القبلة الأولى قبل سنوات لم يكن بسبب التدين أو التزمت بل كان خجلا وضعف ثقة بالنفس ليس أكثر نتيجة الضغوط الكثيرة التي عانى منها منذ وفاة أمه والتي كانت تمثل رمانة الميزان بالنسبة لشخصيته من ناحية وبالنسبة لعلاقته بأبيه من ناحية أخرى.

 

يتلقى المشاهد تغير الشيخ بشكل فاتر في حين تصبح نقطة تحول جاكسون هي الشيخ والتي تم الإرهاص بها أكثر من مرة مع ظهورات الخال المتزمت المتقطعة هي الذروة الأهم بالنسبة للفيلم دون أن ينتبه السيناريو لذلك، فالصراع فيما يخص زمن المراهق يتراوح ما بين الصراع الصاعد المتدرج والصراع المرهف وكلاهما من أنواع الصراع الدرامي الجاذب والمحمس للمتابعة في حين أن الصراع في زمن الشيخ هو صراع ساكن كل الغرض منه في أغلب مشاهده استدعاء وتحفيز السرد للعودة إلى زمن المراهق.

 

عمرو جديد..

على الرغم من التحفظ الواضح على كثير من نقاط السيناريو إلا أن جاكسون يعتبر إعادة اكتشاف المخرج عمرو سلامة لنفسه على مستوى التعاطي بجدية أكثر من الصورة السينمائية على الرغم من المباشرة التي فرضها السيناريو أحيانا، إلا أنه بالمقارنة لفيلميه السابقين "لا مؤاخذة" و"صنع في مصر" يأتي جاكسون كحالة بصرية ناضجة ومختلفة خاصة مع محاولته استغلال فكرة السرد اللوني في التفرقة ما بين زمن جاكسون المفعم بالحياة الملونة وقبل أن تغادر تلك الألون الصورة لتصبح زرقاء باهتة في زمن الشيخ وهو ما يذكرنا بفيلمه الأول "زي النهاردة" عندما اختار سردا لونيا ليميز ما بين الأزمنة المختلفة والمتداخلة والمكررة بين الشخصيات.

 

يمكن أن نعتبر أن من ميزات النضج البادي على أسلوب المخرج عمرو سلامة هو تطور قدرته على صياغة الجمل التمثيلية التي يتحرك عبرها الممثلين في فيلمه الأخير "شيخ جاكسون"

مواقع التواصل
 

كذلك يبدو تعاطي عمرو مع المكان أكثر حيوية وأكثر تماسكا من أفلامه السابقة حتى "لا مؤاخذة" نفسه الذي كان المكان -المدرسة- يلعب فيه دورا مهما، ربما لأن المكان في "لا مؤاخذة" كان مباشرا جدا ويصل إلى حد التلقين والشرح للمشاهد، أما في جاكسون فالمكان يبدو جزءا من السرد دون أن يظهر زاعقا أو فجا، خاصة غرفة جاكسون التي تصبح انعكاسا خارجيا لعالمه الداخلي، بالإضافة إلى أماكن مثل غرفة الأب الداخلية في الجيم حيث يلتقي بعشيقاته أمام ابنه، والمدرسة التي يلتقي فيها جاكسون بحبيبته، والملهى الليلي الذي يشهد تحولاته من مراهق نكرة إلى مشروع نجم بين أقرانه بتقليده ورقصه مثل مايكل جاكسون وهكذا.

مالك أم الفيشاوي؟

في هذا النوع من الأفلام يصبح مجال المقارنة مفتوحا على مستوى الأداء والتقمص خاصة ما بين الممثلين الذين يؤدون نفس الشخصية في مراحل عمرية مختلفة، ونعني بهم في جاكسون كل من أحمد الفيشاوي في دور الشيخ وأحمد مالك في دور جاكسون.

 

يمكن أن نعتبر أن من ميزات النضج البادي على أسلوب المخرج عمرو سلامة هو تطور قدرته على صياغة الجمل التمثيلية التي يتحرك عبرها الممثلين في فيلمه الأخير، ويمكن ملاحظة ذلك على مستويات كثيرة خاصة في أداء كل من الفيشاوي ومالك، على اعتبار أن لكل منهما مساحة تشخيص معتبرة بحكم كونهم الشخصيات الرئيسة، أما الباقي فهم ظلال تروح وتجيء، ربما فيما عدا المخضرم جدا ماجد الكدواني في دور الأب المنحرف الذي يصبح فيما بعد أول من يتم معاقبته بالمقاطعة كجزء من سياقات الحياة عقب تحول جاكسون إلى الشيخ.

 

أحمد الفيشاوي في دور الشيخ في فيلم "شيخ جاكسون" (مواقع التواصل)


يمكن القول أيضا إن تأثير وحضور مالك تمثيليا في الفيلم كان سببه الأساسي كما سبق وذكرنا مرتبط أساسا بقوة الطرح الدرامي والتحولات والنمو الذي يميز شخصيته، بينما أضر الصراع الساكن في الخط الخاص بالشيخ من ملامح الشخصية دراميا وبالتالي أخذ الكثير من بريق الفيشاوي المعتاد، رغم موهبته التي تتطور من فيلم لآخر ويكفي ما قدمه قبل عامين في فيلم المخرج محمود كامل "خارج الخدمة" لندرك حجم الطاقة التشخيصية التي تكمن في داخل هذا الشاب وكيف يمكن أن تنبثق عندما يتيح لها السيناريو والإخراج أن تتجلى في صورة طاقة تمثيلية مشعة وبراقة.

 
ربما كان شيخ جاكسون واحدا من الأفلام التي يمكن أن نقيس عليها مدى قدرة الدراما على دعم الممثل على مستوى التقمص والتشخيص ومدى نفوذها أيضا على مستوى الإخراج وتحريك الممثلين وضبط انفعالهم ووضع الخطوط أسفل أدائهم، ولا نعني بهذا مساحة الدور، فرب مشهد واحد مثل مشهد حفار القبور في مسرحية هاملت كفيل بأن يصبح تحديا واختبارا لأي ممثل، وهو ما يجب أن ينتبه إليه صناع الفيلم في تجاربهم القادمة، فرغم كل التحفظات التي يمكن أن تقال على العمل إلا أن شيخ جاكسون هو واحد من أهم الأفلام المصرية التي قُدمت حتى الآن خلال العام الحالي، سواء اتفقنا مع طرحها المباشر أو اختلفنا مع أسلوب صياغتها المدرسي والمعجون بالصوت العالي والصراخ رغم أن السينما بقدرتها على توظيف موسيقى الصمت يمكن أن تحول كثيرا ما بين الصراخ وبين آذان ونفوس الجمهور حتى لو كنا نحثهم على حب الحياة والبكاء من أجلها.

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك