اغلاق
آخر تحديث: 2017/10/9 الساعة 16:47 (مكة المكرمة) الموافق 1439/1/19 هـ

انضم إلينا
الكاميرا بمواجهة السلاح.. كيف وقفت السينما في وجه الرصاص؟

الكاميرا بمواجهة السلاح.. كيف وقفت السينما في وجه الرصاص؟

محمد مدحت

محرر فن
  • ض
  • ض

كان تأميم صناعة السينما بالتشيك بعد الحرب العالمية الثانية سلسلة من التأميمات التي لم تتوقف عندها، بل امتدت لكل دول الاتحاد السوفياتي بولندا والمجر. كعادتها أرادت موسكو سينما أكثر اشتراكية تمجد أفكار المجتمع الاشتراكي دون أن تحكمها وسائل الإنتاج كما الحال في أوروبا الغربية والولايات المتحدة. التفت قبضة الرقيب حول أعناق السينمائيين وقتها فلم نسمع إلا نباحا، واستمر الأمر على هذا المنوال حتى ذوبان الجليد الاستاليني بموت ستالين وصعود خروشوف للسلطة.


في هذه البرهة القصيرة من الزمن أحدث الحراك السياسي والفكري في بلد كل سكانه من المتعلمين نقول أحدثت معاوله في تربة خصبة أصلا نتج عنها ما سُمّيَ منتصف الستينيات بربيع براغ.

داخل هامش الحرية المتزايد خرج للنور سينمائيون شباب من أبناء أكاديمية السينما التي كانت من علامات الدول الاشتراكية في ذلك الوقت. شباب مثل ميلوش فورمان (Miloš Forman) وفيرا تشيتلوفا (Věra Chytilová) ويوري مينزل (Jiří Menzel) في التشيك، وأندريا فايدا ورومان بولانسكي ببولندا، وغيرهم استطاعوا التأقلم مع الوضع بشكله الحالي وإنتاج محتوى سينمائي مجدد انتشر سريعا بمهرجانات أوروبا فأحدثوا تأثيرا في الشكل والمحتوى والتقنيات ما زال ملقيا أثره على السينما في أوروبا وآسيا حتى الآن.(1)


ربما ساعد في سرعة انتشارهم التشوق الغربي لأي سينما مختلفة من وراء الجدار السوفياتي الحديدي، وربما ساهم ذلك في فوزهم ببعض الجوائز الأوروبية التي تعودت التعالي على سينما شرق أوروبا، وهي في هذه الحالة تشبه حالة السينما الإيرانية في أيامنا هذه، ولكن ذلك لا يقلل من قيمة الأفلام سينمائيا وإن صبغها بطابع بطولة مبالغ فيه أجادت آلة الإعلام الغربي استغلاله.

فيلم "حب فتاة شقراء"  للمخرج ميلوش فورمان (آي أم دي بي)


كانت بداية الجوائز مع رابع أفلام ميلوش فورمان "حب فتاة شقراء" (The Loves of a Blonde 1965) عن قصة حب بين شاب وفتاة مراهقين بين سلطوية الأهل والمجتمع، تلك الثيمة التي استمرت مع فورمان في كل أفلامه. يمكننا أن نتخيل كم آثار الفيلم من عواصف داخل مجتمع محافظ ينظر إلى العلاقات خارج إطار الزواج برفض تام.


ترشح الفيلم لأوسكار أفضل فيلم أجنبي لذلك العام وأعلن بداية مهرجان الجوائز ثم يلحقه ترشح لأوسكار ثانية عن فيلم "حفلة رجال الإطفاء" (The firemen ball) عام 1967، وهو أهم أفلام تلك المرحلة عن حفلة ينظمها رجال الإطفاء داخل قرية بمناسبة تقاعد رئيسهم. يستعرض الفيلم بشكل ساخر وكاريكاتيري أحيانا السلوك الاجتماعي للمجتمع الاشتراكي القائم على الكذب والتظاهر. أثار الفيلم بدوره عاصفة كادت تطيح بفورمان نفسه للسجن لكنه نجا لتدخل سينمائيين فرنسيين مثل فرانسوا تروفو لإنقاذه.(2)

 
برغم أن تلك الأفلام سعيدة الحظ نجت من مقص الرقيب لكن غيرها لم ينله نفس الحظ، فمنع فيلم يوري مينزل "قبور على خيط" (Larks on a String)، ولم تشفع له جائزة الأوسكار التي نالها عن فيلم "قطارات مراقبة بعناية" (Closely watched trains). لم يعرض الفيلم إلا بسقوط الاتحاد السوفياتي نفسه عام 1990(3)، تبعه فيلم ميرا شيكلوفا -رائدة السينما النسوية في التشيك آنذاك- "البابونج" (Daisies)، وهو فيلم خيالي عن فتاتين مقبلتين على الزواج ويدور في عالم فانتازي يليق بسينما اللاواقع التي بدأت في ألمانيا والتشيك في تلك الفترة فمُنع الفيلم ولم يعرض إلا بعدها بعشر سنوات.(4)

 
دارت معظم الأفلام في فلك الحرب العالمية الثانية لأن الموضوع المفضل وقتها كان سب النازيين وتوصيف بشاعتهم، ولكن تم استغلال تلك الفكرة كغطاء لوصف المجتمع تحت الحكم السوفياتي هربا من مقص الرقيب كما نشاهد في فيلم "قطارات مراقبة بعناية" لمينزل. زاد من شهرتهم الإقبال الملحوظ من المشاهدين على قاعات السينما فوصلت مشاهدات بعض الأفلام الجماهيرية إلى ملايين المرات.

 

مشهد من فيلم "قطارات مراقبة بعناية" (مواقع التواصل)


من المثير للتأمل أنه على رغم الخلفية الثقافية الواحدة لهم بل وانتمائهم لكلية واحدة وهي أكاديمية الفنون ببراغ فإن التمايز بينهم ظهر منذ أوائل أفلامهم، على سبيل المثال مال فورمان للواقعية الاجتماعية في حين مال مينزل ونيميك للفلسفة والسوداوية ومالت كيشلوفا لسينما اللاواقعية أو سينما الأحلام كما يطلق عليها أحيانا، وربما يذكرنا هذا أيضا بنسق مشابه لجيل الأكاديمية المصرية للفنون في السبعينيات، وأقصد هنا جيل داوود عبد السيد وخيري بشارة، بل ويتشابهان أيضا في النهاية، فكلاهما اصطدمت أحلامه بجدار الواقع وإن اختلفت صورة الواقع في مصر عنها في التشيك، وكلاهما تحمل أفلامه أحلام جيله ومرارته.


على الرغم من التمايز ولكن جمعتهم خيوط عامة خصوصا في الأمور التقنية، فنشاهد أثرا للسينما التسجيلية في معظم الأفلام تقريبا يتمثل في ثبات الكاميرا واختفاء الموسيقى والاستعانة بممثلين غير محترفين كصورة بدائية لسينما الدراما الوثائقية (Docu-drama) التي تطورت بعدها على يد المخرج الإيرانى عباس كيارستامى (Abbas Kiarostami) وصولا للتركي نوري جيلاني (Nuri Ceylan). بالإضافة إلى استخدام الكوميديا السوداء أو الساخرة لإظهار المفارقات بين شعارات المواطن مدعي المثالية وأفعاله. كل ذلك ساهم في ظهور أفلام ذات أصالة ما زالت تُشاهد بكثافة وتلقى الترحيب من جمهور السينما حتى الآن.


على أن الحلم اللطيف لم يستمر طويلا، فقد داسته الدبابات صيف 1968 مع اكتساح الاتحاد السوفياتي للتشيك لإعادتها لحظيرة الدول الاشتراكية، فسارع المخرجون الجدد بالهروب إلى المنفى مثل مايلوش فورمان ورومان بولانسكي وغيرهم، أو إلى الصمت مثل فيرا شيكلوفا في انتظار هدوء العاصفة، ولكن العاصفة لم تهدأ إلا بعد عشرين عاما.

المخرج الإيراني عباس كيارستامي (آي أم دي بي)


ليس من الإنصاف وسم تلك المدرسة السينمائية باللحظية نظرا لقصر عمرها، فمن ناحية هي ليست وليدة ليلة وضحاها، بل نتاجا لتجربة ليست بالقصيرة لسينما شرق أوروبا وخصوصا البولندية والتشيكية، ونتاجا لمدرسة أدبية من العيار الثقيل يمثلها بريخت وكافكا وميلان كونديرا، ومن ناحية أخرى فأعمار كل المدارس السينمائية في العالم كانت قصيرة لا تتجاوز العقد الواحد، وإنما تقاس قيمتها بأثرها اللاحق على السينما بشكل عام حتى بعد توقف إنتاج مؤسسيها، ومن هذا المنظور فإن ربيع براغ لم تلفحه نيران الدبابات أبدا!

ليلة المتاريس.. ذكريات الثورة بعيون فرانسوا تروفو

لم تتوقف سخونة صيف 1968 عند أطراف براغ فقط، بل انتقلت كنيران إلى باريس التي نصبت نفسها معقلا للسينما الأوروبية آنذاك وموطن ميلاد الموجة السينمائية الجديدة ولكنها كانت نيرانا صديقة تلك المرة.


ففي 22 (مارس/آذار) احتل طلبة من جامعة نانتر المبنى الإداري للجامعة اعتراضا على ترحيل الطالب اليساري آنذاك دانيل كوهين بندت إلى ألمانيا. تدخلت الشرطة الفرنسية داخل حرم الجامعة ونتج عن الصدام مجموعة كبيرة من القتلى وإضراب عام في كل مصالح الدولة ضد سياسات حكومة دي جول آنذاك. على صعيد موازٍ يُطرد هنري لانجلوس (Henri Langlois) رئيس هيئة السينما الفرنسية من عمله لتعاطفه مع التظاهرات بإيعاز من أندريه مارلو وزير الثقافة آنذاك، فنظم السينمائيون مظاهرة أمام قصر شيو ضمت مجموعة كبيرة من نجوم هذا الزمن: جان بول بولمند (Jean-Paul Belmondo)، وجان لوك جودار (Jean luc Godard)، وفرانسوا تروفو (Francois Truffaut)، والن رينيه، وكاترين دي نيف.(5)  أحاطت بهم الشرطة سريعا وتعاملت معهم، ونتج عن ذلك إصابات لغير قليل منهم في مشهد لا تراه في أحقر الدول الاستبدادية، وظهر للجميع أن الحكومة اليمينية في فرنسا عازمة على إسكات الجميع. لقد كانت فرنسا هي الأخرى في حرب ضد نفسها.


ومن عجائب ترتيب الأقدار أن يحين موعد مهرجان كان تلك السنة بعدها بأيام، فقررت مجموعة السينمائيين إيقاف عرض المهرجان لينضم إلى الإضراب العام. تشكلت جماعة الهيئة العامة للسينما الفرنسية وأعلنت في بيانها أنها تتظاهر ضد العنف الذي تمارسه الشرطة واعتدائها على ميراث فرنسا من الحرية وعلى مبادئها الأساسية.(6)
 

فرانسوا تروفو (آي أم دي بي)


وبطول أيام المهرجان حاولت جماعة تروفو إقناع منتجي الأفلام بالانضمام إلى الإضراب، وهو ما لاقى سخطا خصوصا من المنتجين الأميركيين المعروفين بعدائهم لأفكار اليسار والثورة بشكل عام. تحمل ذاكرة المهرجان لذلك العام مشهدا هزليا شبيها بفيلم "حفل رجال الإطفاء" لمايلوش فورمان الذي لبى دعوة ترفو وأعلن سحب فيلمه من المهرجان. فقد تجمع المخرجون على منصة عرض الأفلام بالقاعة الكبرى من المهرجان و أمسكوا بستار العرض ليمنعوا المشاهدين من متابعة أي عروض، مما أثار سخط الحاضرين ونشبت مناوشات بالأيدي بين المنتجين من ناحية والمخرجين من ناحية أخرى على منصة المسرح.(5) (7)


ومع وصول الصدام إلى نقطة حرجة طالب مدير المهرجان من الشرطة التدخل لفض تلك المهزلة -كما رآها-، لكن يبدو أن روح الثورة قد انتصرت بالفعل وأُلغي المهرجان. يقول المخرج الفرنسي لويس مال (Louis Malle): لقد كانت لحظة عظيمة، لقد بدأ الناس يفكرون في حياتهم والمجتمع الذي يعيشون فيه. إن حالة التطهر كانت أكبر من حالة التطهر في الأولمبياد الرياضي!


لقد كان المثقف الفرنسي دائما في عداء مع الدولة، وهذا الأمر قديم قدم الكنيسة الكاثوليكية نفسها، ولقد تحمل مثقفو فرنسا عبء نشر التنوير في أوروبا منذ قرون أربعة. قبلت أم لم تقبل أفكارهم فعلينا أن ننظر بعين الإعجاب لتلك الأرواح الشجاعة التي احتملت موجات الصدام مع الكنيسة والملك ثم الثورة ثم الإمبراطور ثم الملك مرة أخرى، فتناوبت عليها ثلاث ثورات وخمس جمهوريات، ولكن تظل جماعة المثقفين في فرنسا على موعد دائم مع القدر لتثبت لنفسها قبل أن تثبت لليمينيين الشامتين أنها ما زالت في صف الفرد ضد الجماعة وحق الأقلية ضد الفكر الشمولي.

  

الرحيل إلى الولايات المتحدة.. هوليوود بعيون ميلوش فورمان

تهتز مباني براغ المدينة القديمة صبيحة الأحد لصوت المدرعات الألمانية تسري في شوارع المدينة الضيقة معلنة بداية احتلال سيمتد إلى خمس سنوات. على الرغم من سمعة النازيين التي سبقتهم لم يعتد الشعب التشيكي بعد على سلوك المحتل، فيخرج السكان كعادتهم لمشاهدة فيلم صامت بأحد سينمات براغ القليلة، وبينما يدور شريط الأبيض والأسود وانعكاسه على الحائط يعلو صوت داخل القاعة يغني أحد الأغاني الشعبية القديمة، وإذ بكل الحاضرين يرددون وراءه في تناغم يحاول طرد الخوف المتسلل إلى القلوب. وسط كل ذلك يجلس ميلوش فورمان المخرج التشيكي الأشهر ولم يزل طفلا لم يتعد خمس سنوات مشدوها بجلال الحدث، فيميل على أخيه الأكبر ليشكره على اصطحابه إلى السينما لأول مرة مرددا: هذا ما تصنعه السينما إذن بالناس، إنها تجعلهم شجعانا.(8)


ربما يتبادر إلى الذهن أن هروب فورمان إلى المنفى الاختياري في الولايات المتحدة كان نهاية علاقته مع الاستبداد، لكن يبدو أن فورمان أصبح أكثر حساسية للاستبداد بحكم طول خبرته معه، وربما لأنه شاهد في الولايات المتحدة ما جعله يعيد التفكير في الأمر.


نهاية الستينيات كانت أميركا هي الأخرى في حرب مع نفسها، فلا تزال واقعة في وحل فيتنام باحثة عن خروج مشرف، آلاف الجنود الأميركيين يعانون على بعد آلاف الأميال من أرضهم في مهمة طالت مدتها، شوارع واشنطن لا تخلو من المظاهرات اليومية ضد الحرب. ليس الداخل أهون من الخارج، حركة حقوق الملونين على أشدها ومسيرات سيلما وغيرها تُواجه بالعنف، اغتيالات طالت شخصيات عامة ووصلت إلى رئيس الدولة، تهم الشيوعية تطارد الكتاب والمخرجين. وسط كل هذا يخرج جيل من الشباب الرافض لتقبل الوضع على ما هو عليه، جيل هرب من الحداثة إلى عالم من صناعته، جيل الهيبيز والحرية الجنسية وأخيرا السينما الواقعية.


كانت إشارات عابرة للمحيط من فرنسا قد وصلت إلى شباب السينمائيين الأميركيين في تلك الفترة، ونقصد هنا الموجة السينمائية الجديدة التي نُظر إليها بعين الدهشة في مدينة الاستوديوهات الكبرى التي لا تحب المجازفة أو الانسياق وراء أي بدع، وبالتالي يمكننا أن ننظر إلى الأمر كسلسلة متصلة من التغييرات تحدث في نقطة لكنها سريعا ما تلقى رواجا في التربة الخصبة الصالحة لاستقبالها، وكان هذا إيذانا ببدء عقد هوليوود الجديدة في السبعينيات.

فيلم طار فوق عش الوقواق (آي أم دي بي)


سريعا قرر فورمان الالتحاق بالركب بفيلم (Taking off 1972)، وهو فيلم شديد الشبه بفيلمه السابق "حب فتاة شقراء" (Loves of a blonde)، ويتناول علاقة بين شاب وفتاة يرفضها الأهل. ولكن الانطلاقة الحقيقة كانت مع فيلم "طار فوق عش الوقواق" (One flew over the cucko's nest) عن رواية كين كيسي وبطولة جاك نيكلسون.(9)


يتحدث الفيلم عن السجين ماكميرفي (نيكلسون) الذي يُنقل إلى مصحة عقلية لتحديد إذا كان مضطربا نفسيا أم لا. وهناك يقابل مجموعة متمايزة من المرضى تحت إمرة ممرضة قوية الشكيمة وشديدة الإيمان بما تفعله، وبالفعل ينشأ الخلاف مبكرا بين ماكبيرني الذي لا يطيع أي أوامر وبين الممرضة التي تمثل السلطة في تلك المصحة. حاز الفيلم على خمس الجوائز الرئيسة للأوسكار هذا العام في إنجاز لم يتحقق إلا لثلاثة أفلام في التاريخ.

عندما تصبح مطاردة السلطوية هواية

"نحن نصنع المؤسسات والحكومات لتساعدنا على الحياة، لكن المؤسسات تميل دائما إلى التظاهر بالعكس وكأننا نحن من يجب أن نساعدها. نحن ندفع لتلك المؤسسات لتساعدنا على الحياة لا لتخبرنا كيف نحيا"(10)يمكن ملاحظة سياق عام في كل أفلام فورمان يدور حول صراع الفرد ضد الخلق الشائع أو ما يمكن تسميته مصدر الأخلاق داخل المجتمع، فيسلط نفسه على الجميع أخا أكبر ومراقبا عاما. يبرر فورمان تلك الفكرة بأن تلك السلطة لا ترى نفسها مخطئة، على العكس هي فعلا تقوم بواجبها بإخلاص في حدود ما تراه صحيحا وأخلاقيا وذلك جوهر أفلام فورمان. فالشخصيات عند فورمان ليست مسطحة بمنهج ونسق واحد، بل شخصيات ثلاثية الأبعاد قلما نراها بذلك الشكل في سينما هوليوود.

 

فيلم "شعر" (مواقع التواصل)


لا يتوقف الأمر عند "طار فوق عش الوقواق"، بل يستمر حتى آخر أفلامه "أشباح جويا" (Goya's ghosts)، وكأن فورمان وجد ضالته في مقاومة السلطوية أيا كان جنسها أو مكانها. فنشاهد في فيلم "شعر" (Hair 1979) عن مجموعة شباب دعاة للسلام تتظاهر ضد حرب فيتنام، وهو فيلم موسيقي لم يلقَ حقه من التقدير. ويستمر الأمر مع فيلم "وقت الغضب" (Ragtime) عن صراع الأفريقيين الأميركيين في القرن التاسع عشر ضد سلطة البيض التي ترفض معاملتهم كأحرار على الرغم من انتهاء زمن العبودية. حتى أكثر أفلامه إثارة للجدل "الناس ضد لاري فلينت" (The People vs. Larry Flynt) عن قصة مؤسس مجلة جنسية شهيرة في الولايات المتحدة وكيف تعامل مع رفض المجتمع المحافظ آنذاك. الفكرة المؤسسة عند فورمان هي الانحياز لحرية الفرد ضد ضغوط المجتمع أيا كانت صورة تلك الحرية.


الخط الثاني لسينما فورمان هو السخرية، وهو في ذلك لا يختلف عن باقي سينمائيي جيله، ولكنه كان أكثرهم استخداما لها خصوصا في أفلامه الأولى في التشيك، فصانع السينما عندما يتكلم وعلى رقبته سيف الرقيب وفي وجهه فوهة البندقية وتحت قدمه ألغام المحتل عليه أن يحتال ويتحدث بالتورية تارة وبالسخرية تارة أخرى، وهي لعبة أجادها فورمان أكثر من غيره. بشكل عام يرى فورمان أن الكوميديا تبقى أكثر من الدراما، فأفلام شابلن وباستر كيتن لا تزال تُشاهد حتى الآن بنفس وهجها وقت عرضها، على عكس الدراما التي تخبو مع الوقت على حد تعبيره.


الخط الثالث لسينما فورمان هو التسجيلية، وفي هذا أيضا يتشارك مع مخرجي جيله، فصناعة السينما التسجيلية كانت رائجة منذ قبل الحرب العالمية الثانية في دول الاتحاد السوفياتي، ونادرا ما تجد مخرجا في تلك المرحلة لم يمر في بدايته بالأفلام التسجيلية. ظل لذلك أثر في باقي أفلامه الروائية يمكن ملاحظته في كادراته السينمائية الثابتة التي تكاد تكون حكرا على مخرجي التشيك في تلك الفترة قبل أن تنتشر في باقي دول أوروبا.

 ميلوش فورمان (آي أم دي بي)


فالكادر عند فورمان شاهد لا يتفاعل مع الأحداث، بل يقف على نقطة واحدة من كل الأبطال، وبذلك يضع فورمان المشاهد معه في وضع المراقب أو هيئة المحلفين في محكمة إذا جاز التعبير، على الرغم من ذلك لن تشعر بأي ملل لأن سيناريو فورمان محكم عادة، وربما ساعد في ذلك طول معرفة فورمان بكتابة السيناريو لكونه أمضى دراسته الأكاديمية بمعهد السينما بقسم الكتابة وليس الإخراج.(9)  يمتد أثر التسجيلية في أفلام فورمان إلى عدم استخدام الموسيقى التصويرية إلا في أضيق الحدود. ثالث تلك الآثار هو كثرة اعتماده على ممثلين غير محترفين خصوصا في بداياته، فمن منا كان ليتصور بأن ممثلي "حفل رجال الإطفاء" هم حقا رجال إطفاء تطوعوا للتمثيل بناء على طلب فورمان. كل ذلك أضاف أصالة وحساسية إلى الشريط السينمائي تُضاف إلى أصالة القصة والموسيقى تستشعرها في جميع أفلام فورمان مكونة حالة سينمائية شديدة الخصوصية.

 

ذاكرة السينما.. من يحيا ومن يرتحل إلى النسيان

ربما كان شيئا من العبث الظن أن الفن وحده قادر على مصارعة الجيوش وهزيمة الطواغيت، لكن يمكننا اعتباره جزءا من لوحة تمثل روح الشعوب وأحلامها، ولا يمكن إنكار أن المثقف استطاع عبر التاريخ الحديث تأكيد قدرته على تغيير معطيات المجتمع بقلمه أو لسانه أو كاميرته. وإذا كان للتاريخ أن يؤكد شيئا فإنه يصر على أن المستبد لا يستطيع سرقة عقل الشعب إلى الأبد، وأن الأفكار العظيمة ستجد منفذا لتصل إلى السطح. لم يستطع لويس ملك فرنسا كتم فولتير، ولم تستطع النازية كتم بريخت، فالكلمات الصادقة تجد لنفسها مكانا رغما عن ضربات المدافع، وجُلّ ما تخشاه أمة أن يتحول مثقفها إلى مهرج يتلاعب بالكلام الرخيص أو السينما الرخيصة في بهو السلاطين. وإذا شهدت ذاكرة السينما على شيء فإنها ستؤكد أن مشهدا واحدا أصيلا يبقى وسط زوابع الأفلام الكاذبة. ترحل السلاطين وترحل معها أغانيها ولكن أغاني الشعوب تبقى حاضرة في الأذهان كأنها حُكيت بالأمس.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار