اغلاق
آخر تحديث: 2017/11/15 الساعة 18:48 (مكة المكرمة) الموافق 1439/2/26 هـ

انضم إلينا
"واجب".. أن تصور القضية الفلسطينية من نافذة سيارة

"واجب".. أن تصور القضية الفلسطينية من نافذة سيارة

إسلام السقا

محرر سينما
  • ض
  • ض

إنها الناصرة مرّة أخرى، التي "تستبيح الخيارات" ويُفضّل بعض سُكانها "الانتقال العشوائي من وعي الجماعة بذاكرتها الجمعية وهويتها القومية إلى استرخاء الأفراد في هامش المواطنة والبحث عن حصتهم من الرشوة الاقتصادية"، تماما كما قال محمود درويش عنها في موقف ضروري كان يتهدد "السلم الأهلي" فيها، كما لا يزال حتى اليوم.(1)

 

إنها الناصرة التي وصفها المخرج الفلسطيني أيضا إيليا سليمان بالمدينة الغيتو والمزنرة بالعنف والاصطفاف.(2) وهي المدينة التي انطلق منها المخرج هاني أبو أسعد بأول أفلامه الوثائقية ليصل اليوم إلى هوليوود معلناً عن عالميته.

 

إن الحديث عن الناصرة ككيان منفرد سينمائياً يعتبر ضرورة جغرافية وحصيلة للانقسام المكاني الذي كرّسه الاحتلال على الدوام، وهو ما عبر عنه المخرج ميشيل خليفي في واحدة من مقابلاته عندما وصف السينما الفلسطينية بأنها "سينما الأفراد"، السينما التي إذا عبّرت عن مكان فإنها لا تعبّر عن جواره بالضرورة، لهذا يبدو الحديث عن الناصرة فيلمياً أمراً هاماً لكونها تقع في حيّز احتلالي دون أن يظهر فيه الاحتلال بوضوح كما في رام الله وغزّة.

 

بالنسبة للمخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر فإن الحديث عن الناصرة كان أمراً ملُحّاً أيضاً، وهي التي تعرّفت على المدينة منذ فترة ليست بالبعيدة؛ جاءتها من الخارج وفهمتها من موقعها في الخارج واستوعبت ببطء صعوبة وشجاعة العيش فيها، على غير عادة المخرجين الآخرين الذين قدّموا أفلامهم عن الناصرة بالطريقة التي انعكس عليهم العيش في قلبها.

   

     

قصّة عادية في زمن غير عادي
كان جهاز الراديو في سيارة الفولو قديمة الطراز في مدينة الناصرة يستقبل الصباح على نحو غريب حين بدأ ببث أخبار الوفيات في المدينة. "أبو شادي" الذي لا يبدو على استعداد لتضييع أي رشفة من سيجارته المشتعلة؛ يستمع بتركيز قبل أن يبادر ابنه "شادي"، العائد من إيطاليا قبل يوم واحد، بالاقتراب من السيارة حاملاً صندوقاً.

 

يخفي أبو شادي آثار التدخين من أجواء السيارة بينما يقوم شادي بتدوير محركها منطلقين في رحلتهم الأولى نحو بيوت الناصرة التي يعرفونها. المهمة واضحة ولا تنذر بالمفاجآت، توزيع دعوات الأعراس هو طقس اعتيادي لدى الفلسطينيين، بل إنه أقرب للواجب ضمن قوانين الحياة الاجتماعية لديهم، ونسيان تقديم الدعوة لأحدهم يسبب أحياناً المشكلات.

 

لكن التعامل مع الحدث لا يتجاوز "إعتياديته" في فيلم "واجب" سواء على مستوى الكتابة أو حتى التصوير الجمالي البسيط والخالي من أي استعراضات. هذا ربما ما حذا البعض في إطار تعليقه على الفيلم بكتابة انتقاداته بأنه فاقد لوجود "الحدث".(3) إن غياب "الأكشن" في الفيلم كان موضوعيا ومتعلقاً بالأساس برؤية المخرجة النهائية.

   

  

حيث تتصادم في "واجب" ثنائيات إشكالية من دون أن تعمد المخرجة على تقديم حلول أو استنتاجات لها. الداخل الذي يعيشه الأب (الممثل محمد بكري) والخارج الذي يعيشه ابنه (الممثل صالح بكري، ابنه في الواقع أيضاً)، و"تتصادم مثالية أحدهم مع براغماتية الآخر" في أحد أكبر التجمعات لفلسطينيي الداخل المحتل عام 48. (4)

 

يبدو الأب وابنه على خلاف يمس كل الأشياء من حولهم، من خلافهم حول السجائر والفتاة التي يصاحبها الابن وطبيعة ملابسه وصولا إلى الخلاف حول من يجب تقديم الدعوات إليهم ومن لا يجب فعل ذلك معهم وحتى الخلاف على المُغني الذي سوف يُحيي حفل زفاف الابنة/الشقيقة "آمال".

 

تبدأ المواقف الغريبة بالحدوث مع كل زيارة يقوم بها الرجلان لأحد المنازل، ولكنها غرابة لا تتجاوز وصفاً للمجتمع "النصراوي" وطبيعة تركيبته حيث يتضح من خلال السيناريو المكتوب بدقة من قبل آن ماري جاسر نفسها؛ عدداً من مشاكل ذلك المجتمع والتي تتمحور حول الفلتان الأمني والضرائب والعطالة وتقصير البلدية عن أداء دورها وعن تشدد البعض وانفلات آخرون جنسياً في مكان محافظ وغيرها من المشكلات التي تأتي ضمن إطار رسم الفيلم للعالم الذي تجول فيه سيارة شادي و أبو شادي، لا أكثر من ذلك.

   

   

سارت زيارة الإبن القصيرة من أجل المساعدة في التجهيز لحفل زفاف أخته على نحو غير متوقع عندما بدأ هو وأبيه بالانكشاف المتبادل لبعضهم البعض و رغم هذا الانكشاف الذي تمتعت به الشخصيات على مستوى حواري ولكنه لم يساعد كثيرا البكري وإبنه للكشف عن مواهبهم التمثيلية كما كان ينبغي لهما.(5)

 

وفي ظلّ غياب الأم/الزوجة عن المشهد كان الفيلم محمّلاً برمته على عاتق الأب وابنه، كما كانت الحياة فعلاً كذلك بالنسبة لأبو شادي، إذن هو فيلم عن العلاقة بين أب وابنه، أب يمارس الحياة ببراغماتية سمحت له بالاعتناء بأبناءه طيلة السنوات التي غابت فيها والدتهم بعد أن قررت هجرهم والرحيل مع زوج آخر، وإبن يرى الحياة من زاوية مثالية لم تمنحه بعد القدرة على تقييمها من جوانب أخرى، أو بالأحرى جانب الأب المُضحي.

 

قضايا كبرى
تحلّت آن ماري جاسر بجرأة في طرح مواضيع هامة فلسطينياً إلى جانب تناولها موضوعاً عالمياً مثل العلاقة بين الأب والابن. يسيطر بذلك الواقع المُعاش الفلسطيني على حيّز كبير من العمل وبالتحديد أراضي فلسطين المحتلة عام 48. الثنائية ظاهرة بين فرد وجد راحته وانسجامه مع العيش في عالم غربي وحين عاد لبلاده فإنه لا يطيق المكوث فيها كما لا يوفّر فرصة لشتم كل مظاهر الحياة بداخلها، وبين "الآخر" الذي يفضّل البقاء في مكانه ولا يريد الخروج وقادر على فهم واقعه والتعامل معه بمرونة معينة استطاع تكوينها مع مرور الزمن.
  

   

وقفت المخرجة على الحياد بينما تركت شخصياتها الرئيسية تتصارع لمرتين في بداية ونهاية الفيلم بخصوص موقف واحد تاركة الحكم، بحرفية عالية، للمشاهد دون الوقوع في فخ التوجيه ودون  تنصّل منها؛ الأب يريد دعوة "زميله" الإسرائيلي بينما يرفض الابن هذا الأمر لاعتبار هذا "الزميل" عضواً و جاسوسا في جهاز الشاباك.

 

يرى الأب أن هذا "الزميل" هو من أنقذ شادي في موقف قديم بينما يرى الإبن أنه هو من وشى به بالأساس، اختلاف فج حول رؤية الفلسطيني في الأراضي المحتلة للإسرائيلي الذي يسكن بالقرب منه، عزز رؤية الابن أنه غادر البلاد وارتبط بفتاة كان والدها عضواً بارزاً في منظمة التحرير والتي لم تنجُ (المنظمة) من نقد لاذع هي ايضاً واتهامها بالفساد من قبل الأب.

 

يستمر الخلاف بينهما حتى لحظة الذروة قرب نهاية الفيلم الذي ينتهي بمشهد جلوس الأب وابنه على طاولة واحدة يشربون القهوة سوياً، وعندها فقط يُخرج "أبو شادي" سيجارة من علبته ويقدّم واحدة لشادي دون اعتراض من الأخير على عكس ما بدر منه طيلة الفيلم. كانت الخاتمة توحي بمصارحة كبرى بين الرجلين، أحدهما يقول للآخر "أعلم أنك تعلم" والآخر يقول "كنتَ مُحقاً منذ البدء" خصوصاً بعد أن يتفق كل منهما على رأي كان الآخر قد قاله في قضية خلافية أثناء مشوارهم الطويل في شوارع الناصرة.

   

  

يذكر أن فيلم واجب ينتمي لأفلام الدراما التي تقع أحداثها على الطريق Road Movie وهو اختيار صعب لايضاح علاقة مضطربة بين رجل وابنه تتخطى الخلاف السياسي حول التعامل مع المُحتل بل تصل إلى خلاف جوهري يرى فيه أحدهم الحرية المطلقة لاختيار المرء ما يناسبه دون الاكتراث بآراء وأذية الآخرين بينما يرى الآخر أن الحريّة محدودة بالتعامل السياسي الناضج مع الآخرين تجنباً للمتاعب.

 

وقع الاختيار على "واجب" ليكون ممثل فلسطين في سباق الأوسكار (6) الذي يُعلن عن قائمته القصيرة في 23 يناير/ كانون الثاني 2018 علماً أن حفلة إعلان النتائج وتوزيع الجوائز تُقام في 4 مارس/ آذار 2018، وهو ما جرى أيضا مع أفلام آن ماري جاسر السابقة.

   

بعيداً عن سينما المرأة قريباً من كل شيء
المخرجة البالغة من العمر 42 عاماً، ابنة مدينة بيت لحم الفلسطينية والتي درست العلوم السياسية والأدب الإنجليزي (7) قبل انتقالها لعالم السينما قدّمت أفلاماً قصيرة ووثائقية هامة مثل "كأننا عشرون مستحيل" عام 2003، قبل أن تقوم بإخراج أوّل فيلم روائي طويل عام 2008 بعنوان "ملح هذا البحر" ثم فيلم "لمّا شفتك" عام 2012، حاصدة بهما أكثر من 25 جائزة عالميّة، وبذلك يصبح فيلم "واجب" الصادر نهاية عام 2017 ثالث أفلامها الروائية. (8)
    

   

بحلول "واجب" يكون المشروع السينمائي الروائي لآن ماري جاسر أكثر وضوحاً وهي التي لطالما أخذت من الهوية والانتماء موضوعاً للإشتغال وأساساً تتفرّع منه كل الأسئلة في أعمالها الثلاثة. ففي "ملح هذا البحر" "تفتح نوافذ كثيرة لإطلالة على أساليب العيش في بلد محتل" بحسب ما يرى الناقد السينمائي اللبناني نديم جرجوره، (9) وذلك من خلال شخصيتها ثُريّا (سهير حمّاد) التي تعود لتلتقي بعماد (صالح بكري) لينكشف مع لقاءهم هذا كل "الرغبات والأحلام المكبوتة في ظل ضيق حياتي قاتل".

 

وفي "لمّا شفتك" تكون الرواية من خارج فلسطين هذه المرة وتحديداً من الأردن بعد لجوء الفلسطينيين إلى هناك إبان حرب الأيام الستة - يستعرض العمل المخاطر التي تهدد عائلة فلسطينية لا يكتفي الشتات بتمزيقها عن بلدها ولكنه ينفذ إلى كل فرد فيها وينجح أحيانا في تمزيقهم عن بعضهم البعض.

 

أتاحت زيارات آن ماري جاسر لفلسطين قدرة أكبر على إدراك حجم التغيرات السريعة التي تطرأ على المجتمع هناك، أكثر ربما من غيرها من الفنانين الذين كانوا يعيشون تلك التغيرات دون القدرة على فهم مدى فداحتها وتأثيرها على بنية المجتمع الأساسية.

    

    

ولدت آن ماري جاسر في السعودية ولكنها لم تستطع مشاهدة السينما والتأثر بها إلا عند انتقالها إلى لوس أنجليس، هناك أيضاً كانت على موعد مع مشاهدة أول فيلم فلسطيني، فيلم المخرج ميشيل خليفي "عرس الجليل" عام 1987، وهناك أيضاً عرفت أن السينما الهوليوودية لن تكون نمطها المُتبع إذا ما استطاعت إنجاز أفلام كما كانت تحلم، ولهذا السبب تحديداً أخذت قرارها بترك البلد.

 

تُصنف آن ماري جاسر عالمياً اليوم على أنها المخرجة الفلسطينية الأولى التي تنجز فيلماً روائياً طويلاً، ودخلت بسهولة قوائم أفضل المخرجات الإناث في العالم والفضل يعود ربما لغياب السينما الفلسطينية كصناعة وحضورها بشكل أقوى كسينما مستقلة.

 

رغم هذا التصنيف المُغري في عالميته ولكنها لا تزال غارقة في محليتها التي تحمل كل الفضل بالأساس لما وصلت إليه. بالنسبة لآن ماري جاسر، هذا هو "الواجب" الذي عليها أن تنجزه، وهو ذاته ما يجعلها أكثر إنفتاحاً على قضايا كبرى وأكثر شمولية مما كان سيجعلها عليه تركيزها مثلاً على سينما المرأة فحسب.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار