اغلاق
آخر تحديث: 2017/11/16 الساعة 14:49 (مكة المكرمة) الموافق 1439/2/27 هـ

انضم إلينا
"قتل غزال مقدس".. أساطير مصبوغة بأفلام الرعب!

"قتل غزال مقدس".. أساطير مصبوغة بأفلام الرعب!

محمد طارق

محرر فن
  • ض
  • ض

"حسنًا، سأحاول شرح هذا بأسرع ما يمكن، حتى لا أضيع وقتك. كما قتلت واحدًا من عائلتي، عليك قتل واحد من عائلتك، هل تفهمني؟!"

 
بهذه الكلمات، يواجه مارتن المراهق (باري كوجهان) الجراح الماهر ستيفن (كولين فاريل) في مشهد يقع في منتصف فيلم يورجوس لانتيموس الجديد قتل غزال مقدس، والذي حاز جائزة أفضل سيناريو في مهرجان كان هذا العام(1). يعتقد مارتن أن ستيفن مسئول بشكل مباشر عن وفاة والده الذي كان يحظى بصحة جيدة على حد قوله! وبهذه الكلمات أيضًا يؤسس لانتيموس لعقدة فيلمه التي تتشابه مع حبكات أفلام الرعب، ولكنه يمزجها بالميثولوجيا (الأساطير) خالقًا فيلمًا يصعب تصنيفه.

 
يدور فيلم قتل غزال مقدس حول طبيب يُدعى ستيفن، وزوجته آنا، وأبنائهم؛ الصبي الصغير، والفتاة المراهقة. تبدو حياتهم هادئة للغاية، حتى يظهر لهم مارتين الذي يقلب حياتهم رأسًا على عقب ويفرض عليهم نوعًا من التضحية التي يذكرها بالأعلى. يقول لانتيموس(2):"وجدتها فكرة ديناميكية للغاية أن يتحكم مراهق في حياة أحد البالغين، المتعلمين الذين يمتلكون حياة ممتازة، وفجأة يدمر هذا الفتى تلك الحياة المثالية. كما يستعرض الفيلم فكرة مهنة الطب، والأسئلة المتعلقة بالخطأ، واللوم، والذنب، والعدالة حينما نتحدث عن القصة الفعلية".
 

باري كوجهان مؤديًا دور مارتين (آي أم دي بي)

  
مرة أخرى تظهر الشخصيات متحدثة بشكل روبوتي للغاية، في مكان ما في عالمنا الحديث، يرفض لانتيموس التصريح عنه بشكل محدد، مستخدمًا أساليبه التجريدية ليخلق عالمه الخاص، حتى وإن لم يلجأ للديستوبيا كما في فيلمه السابق جراد البحر. هذه المرة هو أقرب لعوالم فيلمه الأكثر حدة سن الكلب.
 

أقنعة وشخصيات

في كتابه "القصة"(3) يقترح روبرت مكي عددًا من العناصر التي تجعل من الشخصيات الروائية أكثر حيوية وتصديقًا. كما يتحدث عن علاقة الشخصية ببنية الفيلم ذاته. بالطبع لا يعد كتاب مكي مقدسًا فيما يخص السينما، لكن يمكن التعامل معه كمرجع جيد لفهم سيناريوهات الأفلام. يقول مكي:" يعد كشف الشخصية الحقيقية بالتقابل أو بالتضاد مع تصورها، عنصرًا أساسيًا في كل سرد جيد. تعلمنا الحياة هذا المبدأ العظيم: ما يبدو على السطح، ليس حقيقة الشيء".
 

وبنظرة متأملة لفيلم قتل غزال مقدس نرى تحقق هذه المبادئ بشكل كبير، فستيفن يبدو كجراح ماهر لا يخطئ أبدًا، لكن مع تطور الأحداث نعلم عكس هذا، وشخصيته الباردة الظاهرة في البداية ما هي إلا قناع لرجل ضعيف محمل بالذنب. مارتن يبدو كشاب مراهق مستضعف، لكنه يتحكم في مصير أسرة ستيفن فيما بعد، وحتى زوجة ستيفن وأبناؤه يُظهرون معادنهم الحقيقية عند معرفتهم بالمأساة المحدقة بهم. فكلهم يحاولون النجاة بأي ثمن!
 

ولكشف هذه التغيرات بين تصوير الشخصيات/ حقيقتهم، فإن لانتيموس يستخدم بنية محكمة تضع الضغوط على الشخصيات وتجبرهم على إظهار حقائقهم، وهذه هي الوظيفة المثالية للبنية كما يقترح مكي أيضًا:"وظيفة البنية هي تقديم ضغوط متنامية تجبر الشخصيات، على الدخول في مآزق أكثر صعوبة، يضطرون معها إلى اختيارات وأفعال فيها مخاطرة، تكشف تدريجيًا طبائعها الحقيقية"
  

 

ميثولوجيا الغزال المقدس

ليس هذا فقط ما يمنح سيناريو الفيلم قوته، فلانتيموس يضيف بُعدًا ميثولوجيًا لقصته، منتقلًا بها من مستواها البسيط كقصة اعتيادية لفيلم رعب، إلى ملحمة تراجيدية حديثة. يستوحي فيلمه من مسرحية ايفيجنيا في اوليس(4) للكاتب اليوناني يوربيدوس، والتي تدور حول قيام أجاممنون ملك الإغريق بقتل غزال يرعى في غابة الإلهة أرتيميس المقدسة. وهذا ذنب لا يغتفر، ولكي تعاقبه، حكمت الإلهة أرتيميس على أجاممنون بالتضحية بكبرى بناته وأعزهن على قلبه، ايفيجينيا.

 
يقول الممثل كولين فاريل، أنه شعر بقوة السيناريو المكتوب، وبأنه أحد هؤلاء الآلهة الاغريقية التي لا تأبه لأحد(5). هذا الانشغال بالميثولوجيا، جنبًأ إلى جنب مع النظر إلى عالمنا الحالي، يجعل لانتيموس يخلق أفلامًا لا تنتمي لنوعية محددة، كما يذكر في أحد لقاءاته. فشخصية ستيفن تبدو مثل الآلهة فعلًأ. إنه يسير بنظام محدد في حياته، ويلقي الخطابات الذكية في مؤتمر طبي، وحتى عندما يعد نفسه لممارسة الحب مع زوجته، فإنه يطلب منها أن تستلقي في وضعية التخدير، وكأنها مريضة من مرضاه، هذه التفصيلة الصغيرة تؤكد هذا الشعور عن الشخصية، فهو يمتلك سلطته كطبيب على مرضاه، وحتى زوجته أيضًا.
  

 ملحمة ايفيجينا في أوليس (مواقع التواصل)

   

ولكن الفيلم يتلاعب بنا، طارحًا العديد من الأسئلة علينا كمشاهدين، فهل يعد الغزال المقدس، هو والد مارتين، أم أحد أفراد عائلة ستيفن؟ هل ستيفن ضحية أم مذنب يحصل على جزاءه؟ هل تتضرر الأشخاص الخطأ كون جزاء ستيفن يكمن في مقتل أحدهم؟ هل مارتن مجرم، أم مستضعف تتاح له فرصة القصاص من قاتل أبيه؟ما يمنح هذا الفيلم قوته هو أنه  ينشغل بطرح الأسئلة حول هذه المفاهيم، دون الانشغال بالإجابة عليها.
 

لانتيموس وهانيكه

يجمع النقاد على تشابه هذا الفيلم، مع أفلام المخرج النمساوي ميشيل هانيكه، خاصة مخبأ، وألعاب مضحكة من ناحية هذا الاحساس بالذنب الذي يشعر به ستيفن، ولكن الاختلاف يكمن في أن فيلم لانتيموس لا يولي الخلفيات الاجتماعية أو السياسية اهتمامًا زائدًا. والفارق الثاني أن لانتيموس يمزج هذه المرة العديد من الأنواع السينمائية، ليذهب أبعد من أفلامه السابقة، وأبعد من هانيكه نفسه كما يشير الناقد هوفيك حبشيان قائلًا(6):
 

يتشارك الفيلم مع "نهاية سعيدة" لميشائيل هانيكه العديد من الهواجس، منها تعرية المجتمع وإظهاره على حقيقته، بعد إزالة طبقات عدة من المسحوق عن وجوه شخوصه. قد يسود اعتقاد بأنّ التنكيل بالبورجوازية الغربية المعزولة في أبراجها وخلف ستار النجاح والتفوّق، موضة جديدة، إلا أنّه اعتقاد غير دقيق، لأنّ السينما منذ ولادتها لم تتوقّف عن العبث بالطقبات الاجتماعية المرموقة، فهذا الفن ينبت جيداً في الأرضية التي تتيح خلق إشكالية بين الظاهر والخفي. والبورجوازية "جسمها لبّيس"!
  

 

ويستكمل "ينبغي القول إنّ لانثيموس ينجح في مَهمة التعرية بأحطّ الأساليب وأكثرها غرابة، وذلك رغم صعوبتها. فحتى هانيكه طاش سهمه هذه المرة مع "نهاية سعيدة"، إذ لم يستطع الذهاب أبعد من خطابه المعهود، بل ظلّ يدور حول نفسه مستهلكاً كل ما صنع أهميته. لانثيموس نضر، يمتلك الصنعة الإخراجية، ولا يزال إلهامه في مكانه. يعرف ماذا يريد، والأغرب أنّه لديه قدرة عالية على الإقناع. فيلمه هذا يفتقر أيّ خلفية اجتماعية رصينة يمكن اللجوء إليها لشرح هذا أو ذاك. تعوم القصة في الفضاء (رغم حدوثها في أميركا)، ولا يمكن الركون لملامح البيئة المدينية لبناء استنتاجاتومع ذاك نقتنع بما نراه.
 

كيف يجذب لانتيموس المزيد من الجماهير؟

يراعي لانتيموس هذه المرة مجددًا عوامل السوق التجاري للأفلام. فبعد اختياره لكولين فاريل، وليا سيدو، وراشيل ويز في فيلمه السابق جراد البحر، يختار هذه المرة جنبًا إلى فاريل، النجمة الأسترالية نيكول كيدمان، والممثل الصاعد باري كوجهان. هذا الاهتمام باختيار ممثلين مشهورين، هو اختيار جاذب للجماهير في معادلة يحاول لانتيموس تحقيقها بين الوصول إلى الفنية، والحصول على فئة أوسع من الجماهير.
 

طاقم عمل فيلم "قتل غزال مقدس" (رويترز)

 
الاختيار الثاني، هو اختيار نوعية الفيلم الظاهرة، أو جونرة الرعب، التي تستحوذ على اهتمام الجماهير، ولكن لانتيموس يضيف أبعاده الفلسفية إلى هذه القصة المرعبة ظاهريًا ليعطي لقصته قيمة أكبر. أما عن الاختيار الثالث لإعطاء الفيلم بعدًا جماهيريًا هو إضافة الموسيقى التصويرية للفيلم، الأمر الذي بدأه أيضًا في جراد البحر، لكنه هذه المرة يتدارك خطؤه فيضع الموسيقى في أقل حدودها، كما يعتمد على الأصوات الطبيعية مضخمًا إياها في بعض الأوقات، متلاعبًا بها ليضيف إلى قيمة مشاهده دون افتعال.

  

 
قتل غزال مقدس هو واحد من أفضل أعمال العام بلا شك. يؤكد لانتيموس مكانته هذه المرة كواحد من القلائل القادرين على خلق إبداع عصري، وعلى إثبات قوة فن السينما حتى في عصر تستحوذ فيه نت فليكس، وإتش بي أو على انتباه المشاهدين. هذا فيلم مصمم للسينما، بتكثيفه الزمني، وأسلوبه البصري المبهر، وحكايته التي تستلهم الماضي، لتحكي مأساة ملحمية عصرية. وأعتقد أنه إذا وضعت أمام مشاهدة الفيلم على شاشة صغيرة أو كبيرة، فإن مشاهدته على شاشة صغيرة تعد تضحية لا تقل عن تضحية أغاممنون بابنته ايفيجينا. [1] 

 ___________________________________________________

المزيد على منصات مواقع التواصل (1، 2)

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار