اغلاق
آخر تحديث: 2017/11/24 الساعة 15:52 (مكة المكرمة) الموافق 1439/3/6 هـ

انضم إلينا
"اللّي حصل في الهيلتون".. لماذا منع عرض الفيلم بمصر؟

"اللّي حصل في الهيلتون".. لماذا منع عرض الفيلم بمصر؟

فريق التحرير

مجموعة محررين
  • ض
  • ض

لم يكن خبر منع عرض فيلم "حادثة النيل هيلتون" أو "اللي حصل في الهيلتون" صادماً في مصر، إذ تقرر عرض الفيلم ضمن برنامج "بانوراما الفيلم الأوروبي" في القاهرة نهاية العام الجاري، لكن ولأسباب "خارجة عن إرادتنا" كما جاء في بيان "سينما زاوية"(1) في القاهرة على صفحتها في فيسبوك تم إلغاء العرض الخاص للفيلم، لذا فإنه لا يُستبعد أن يكون مَنع الفيلم جاء لأسباب رقابية كما يُرجّح المخرج تامر السعيد صاحب فيلم "آخر أيام المدينة"،(2) الذي تم استبعاده من العرض بمهرجان القاهرة السينمائي في نسخته الأخيرة.

 

يأتي "اللي حصل في الهيلتون" في وقت حساس من تاريخ مصر السياسي، الوقت الذي تخضع فيه كافة المنابر الإعلامية والفنية والصحفية لرقابة شديدة وسيطرة كبيرة من قبل الدولة التي تسعى لأن تكون الوحيدة في إدارة المشهد الإعلامي والفني في مصر، ابتداءً من سيطرتها على القنوات التلفزيونية والصحف اليومية والبرامج الإذاعية وحتى تدخّل أجهزة المخابرات والجيش في إنتاج المسلسلات الدرامية والأفلام السينمائية بشكل مباشر.

    

لماذا الحجب؟
   
يتابع المخرج السويدي من أصل مصري طارق صالح في فيلمه الذي عُرض لأوّل مرّة في مهرجان "صندانس" للأفلام المستقلة بالولايات المتحدة الأمريكية في يناير الماضي، وحاز على جائزة لجنة التحكيم، المواقف التي يمر بها ضابط في جهاز الشرطة المصريّة قبيل اندلاع أحداث الثورة المصرية عام 2011.

 

المكان، قسم شرطة قصر النيل، الزمان، قبل اندلاع الثورة بأيام، والحكاية لا تنتهي عند حدود ذلك. الضابط نور الدين يجد نفسه مكلفاً في التحقيق بجريمة مقتل إحدى المطربات في غرفة لفندق يقع وسط القاهرة، من خلال متابعة القضيّة والمحاولات الجادة من نور الدين لكشف المتورطين بتلك الجريمة، يكتشف والمشاهدين معه جرائم أخرى لا تنساها الذاكرة.

 

الفيلم الذي كانت أغلب مشاهده مُصوّرة في ليل القاهرة المشحون لا يكتفي بالغوص في منظومة الفساد التي تُدير جهاز الشرطة المصرية، بل انه يتعمق في طبيعة الشبكات المنسوجة بين الدولة كنظام أمني قمعي ورجال الأعمال الكبار والمسؤولين الحقيقيين المقربين من الحزب الحاكم وأسرة الرئيس.

 

رغم تأثر قصّة الفيلم بقضية مقتل المغنية اللبنانية "سوزان تميم" في أحد الفنادق في دُبي، والتي اتهم وسُجن على إثرها رجل الأعمال المصري "طلعت مصطفى"، ولكنه لا يتخذ منها مرجعاً لأحداثه، بل ينجح بثبات في استيحاء ملابسات الجريمة ووضعها في قالب مصري خالص ينسج من خلاله خيوطاً معقدة لجريمة لم تكن بذلك التعقيد.
 

 

 
تتقاطع قصص الفيلم المختلفة كما تتقاطع المأساة في مصر: المهاجرين وأوضاعهم، رأس المال الاستغلالي، رجال الأعمال المشبوهين، فساد جهاز الشرطة والقتل بدم بارد حتى يصل قرب نهايته إلى ليلة قيام ثورة الخامس والعشرين من يناير، وكأن كل ذلك كان مجرد شريحة ضئيلة للغاية تحت مجهر ضمن عدد لا متناهي من قضايا الفساد الأخرى وهو ما يوضحه ربما مشهد النهاية عندما تعلو الكاميرا ليدخل في كادرها آلاف المتظاهرين وعلى يمين الشاشة صورة لحسني مبارك يقوم عدد من الشبان بتمزيقها.

 

"عصرنا

عصر اللصوص،

بل أنت.. حتى أنت لص!"

 

يدخل الضابط نور الدين (الممثل اللبناني فارس فارس) المكلف بالتحقيق بجريمة مقتل المطربة الفاتنة "لالينا"إلى غرفة الفندق التي تستلقي على أرضيتها جثتها الهامدة، بينما يدلف المحقق يجد أحد العساكر بجوار الجثة، يحاول العبث بملابسها والكشف عن جسدها شبه العاري لتحقيق شهوة ما، وضابط آخر يجلس على السرير المزدوج قرب الجثة ينتظر طعام الإفطار الفاخر الذي طلبه من خدمة الفندق. أمّا نور الدين، الضابط الذي يحاول الانقلاب على منظومة الفساد، فإنه لا يخلو من فساد أيضا، إذ يسرق الأموال التي في حقيبة الضحية ويضعها في جيبه.

          

في قسم شرطة قصر النيل، والذي حمل اسمه رمزيةً مرتبطةَ بكلمة "النيل" الواردة في اسم الفيلم واسم الفندق الذي تحدث فيه الجريمة، تشير ربما إلى تحوّل مصر لما يُشبه الفندق الكبير بيد الدولة تديره كيفما تشاء، يكون رئيس القسم "كمال مصطفى"، والذي تربطه صلة قرابة مع نور الدين بأن يكون عمّه، مثالاً واضحاً على رجل الأمن المصري الذي تجمعه علاقات مشبوهة مع رجال أعمال ونساء يستخدمهن في ابتزازهم جنسياً من أجل تحصيل الأموال نظير التستر عليهم.

 

بالنسبة للرجلين فإن الأموال هي الدافع الرئيسي لكافة أعمالهم، والمال الذي يحركه رجال الأعمال المقربين من الرئاسة وبعض أعضاء مجلس الشعب ممن يملكون الحصانة القانونية لا يجيء دون مقابل. ولكن الفساد المالي ليس المحور الحقيقي للفيلم إذا نظرنا إلى مشهد تنفيذ أوامر إطلاق النار تجاه المتظاهرين على أبواب قسم شرطة قصر النيل.

 

في تلك اللحظة التي قرر فيها كمال مصطفى ضرب المتظاهرين بالرصاص الحي في صدورهم كان قد تجاوز كافة الخطوط الحمراء، ومع ذلك فهو لا يزال في طريقه نحو تحقيق مصالحه الشخصية دون أدنى تأنيب للضمير وفي ظل غياب كامل للقانون الذي يستخدمه فقط للتغطية على أفعاله والتخلص من معارضيه، كما فعل مع ابن أخيه عندما قام بتسليمه للمتظاهرين معترفا هذه المرة بقانون آخر وهو قانون المتظاهرين، متسلقاً على انجازاتهم تماما كما حدث في الثورة المصرية التي انتهت بتوسيع نفوذ من كان له نفوذ وزيادة ثروات من كان يملك الثروات.

     

طوبى للمهزومين

   
عندما قرر نور الدين مواجهة نظام بأكمله، كان على علم مسبق بهزيمته حتى عندما كان القرار في طور التجهيز. هزيمة نور الدين التي كانت قد دُق معها جرس الإنذار الأخير في الشارع المصري، الذي يعلم تماماً أنّ نور الدين المتورط بالفساد كما الآخرين ممن حاول الانقلاب عليهم، لا تبرير لأفعاله.

 

يبدو نور الدين شخصاً بائساً، لا نراه يضحك وكلامه وخطواته بطيئة، تماما كما هي الأجواء في القاهرة التي تغلي بهدوء من حوله. تبقى دوافعه التي ربطته بإصرار بهدفه في كشف ملابسات مقتل المغنية لالينا مبهمة حتى يصرّح في أحد المشاهد بأنه كان متزوجاً ذات يوم وقد فقد زوجته تلك في "حادثة" لم يسهب في تفصيلها.

 

يعاني من وحدة قاتلة تدفعه إلى إنشاء حساب خاص به على موقع التواصل فيسبوك، بعد أن تُغريه جُمل زميله الذي صار قادراً على التعارف مع أجنبيات يعتقد أنهن وقعن في حبّه بمجرد أن وضعوا إشارة الإعجاب على صورة له.

 

يفهم نور الدين طبيعة العمل في مؤسسة أمنية مصرية، لها ارتباطاتها مع جهاز أمن الدولة ومع وكلاء النيابة ومع غيرها من الأقسام التابعة لنفس الجهاز. ففي أحد المشاهد يضطر لدفع مبلغ من الرشوة لضابط آخر لمجرد أنه اعتقل أحد المشتبه بهم في القضية من منطقة لا تتبع لقسمه.

 

يتمتع الفيلم بثيمة البطل المهزوم، الذي يأخذ كافة القضايا على عاتقه لهدف ما في داخله، فيبدأ بحماية الشاهدة الوحيدة على جريمة القتل، عاملة النظافة السودانية تُدعى "سلوى" لا تملك أي أوراق إقامة رسمية في مصر، يعدها بالحماية مقابل الإدلاء بمعلومات حول الجريمة. ينهزم نور الدين في مشروعه الشخصي ايضا عندما يقع ضحية انجرار وراء شهواته في فخ ممارسة الجنس مع فتاة في إحدى الشقق ليكتشف لاحقاً ان احدهم قام بتصويره أثناء ذلك ويحاول استخدامه ضده.

   

    

عاني الفيلم من بعض السقطات الكتابية عندما استعجل في طريقة عرضه لمجريات أحداث الثورة وتوقيت اعلان حظر التجول وطبيعة الهتافات التي كانت في الأيام الأولى لاندلاعها.(3) كما كانت دوافع نور الدين للانقلاب فجأة على النظام الفاسد الذي ينتمي إليه مبهمة على طول الخط، إلى جانب غرابة التحول المفاجئ للسلطة في قضية اعتقال أحد نواب مجلس الشعب.

 

مع ذلك استطاع المخرج طارق صالح تصوير قتامة المشهد في الأيام التي سبقت أحداث الثورة، مع الإشارة في أحد المشاهد بشكل واضح إلى حادثة مقتل خالد سعيد. تم ذلك كله في ظل عدم السماح له بالتصوير في القاهرة فاضطر للتصوير في الدار البيضاء في المغرب وفي برلين،(4) فاستطاع عكس أجواء القاهرة في فيلم بوليسي بدا أقرب ل"ضربة شمس" أول أفلام المخرج الراحل محمد خان، زادت من قيمته الوجوه العربية غير المعتادة على الشاشة والتي أدت شخصياتها ببراعة حقيقية.

 

لا يمكن القول بأن الفيلم نجح في حسم العديد من الأسئلة التي قام بطرحها، وهو ربما ما لن يكون مطلوباً منه بالضرورة، فالتأويل دوماً خاضع للمشاهد كقارئ حقيقي للأحداث ومعانيها. بدا نور الدين سائراً نحو حتفه دون اكتراث بذلك، يتمتع ببرود شديد ولا يهزه حتى إن يتعرّض لمحاولة إغتيال أمام منزله، وكأنه كان يحاول، كما قيل في أحد التحليلات،(5) الوصول إلى خلاصه الفردي، فانتهى به بالوصول إلى خلاص جماعيّ!

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار