اغلاق
آخر تحديث: 2017/12/15 الساعة 13:06 (مكة المكرمة) الموافق 1439/3/27 هـ

انضم إلينا
مهرجان القاهرة.. أن تبحر السينما بآثار الماضي لقراءة الحاضر

مهرجان القاهرة.. أن تبحر السينما بآثار الماضي لقراءة الحاضر

رامي عبد الرازق

ناقد سينمائي
  • ض
  • ض

منذ أربعة أعوام فقط وخلال فعاليات الدورة السادسة والثلاثين لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي انطلق برنامج آفاق السينما العربية -كواحد من البرامج الموازية للمسابقة الرسمية-، وذلك على يد الناقد الكبير الراحل سمير فريد، على أن يتولى رئاسته الكاتب سيد فؤاد، وأن يتم تنظيمه بالتنسيق مع نقابة المهن السينمائية.

 

كان في خطة الناقد الراحل أن يتم تفعيل عدد من المؤسسات الحكومية والأهلية التي تعمل في مجال السينما أو التي ترتبط ارتباطا وثيقا بصناعة السينما، ووقع اختياره وقتها على جمعية نقاد السينما المصريين كجمعية أهلية تعمل في الحقل السينمائي من عام 1972 لتنظيم أسبوع النقاد الدولي، وعلى معهد السينما لتنظيم مسابقة سينما الغد للأفلام القصيرة، وعلى نقابة المهن السينمائية لإدارة آفاق السينما العربية.

 

ولكن عقب ثلاث دورات ونتيجة لتقليص الميزانية الخاصة بالمهرجان -قبل دخول قناة "دي إم سي" كراعٍ رسمي- قامت إدارة المهرجان خلال الدورة الأخيرة (21-30 (نوفمبر/تشرين الثاني)) بإعادة تشكيل البرامج الموازية، بحيث يتم الاستغناء عن إشراك الجهات السينمائية الثلاث والاكتفاء بمدير واحد لكل برنامج يتبع المدير الفني للمهرجان مباشرة، بالإضافة إلى إلغاء كافة النشاطات التي كانت تقوم بها البرامج من حلقات بحث أو مطبوعات خاصة مع الاحتفاظ فقط بالمسابقة الأساسية لكل برنامج.

    

   

هذا العام تشكلت لجنة تحكيم مسابقة آفاق السينما العربية من المخرج الأردني محمود المساد، ومدير التصوير المصري أحمد المرسي، والممثلة التونسية ريم بن مسعود -يلاحظ أنها لجنة شابة بالكامل ذات ملامح لجيل جديد ليس مطروحا بوفرة على مستوى لجان التحكيم-، حيث شاهدت اللجنة ثمانية أفلام عُرضت خلال فعاليات المسابقة، وهي:

 

"طريق النحل" إخراج عبد اللطيف عبد الحميد من سوريا

"مطر حمص" إخراج جود سعيد من سوريا

"الجايدة" إخراج سلمى بكار من تونس

"منزل في الحقول" إخراج تالا حديد من المغرب

"عرق الشتاء" إخراج حكيم بلعباس من المغرب

"اصطياد الأشباح" إخراج رائد أنضوني من فلسطين

 

وقد وقع اختيار اللجنة على فيلمين ارتأت أنهما الأفضل من بين مجموعة التجارب التي تَشكّل منها برنامج المسابقة، وهما: فيلم "اصطياد الأشباح" إخراج رائد أنضوني الذي حصل على جائزة سعد الدين وهبة -لأفضل فيلم-، وفيلم "نصر" إخراج بديع مسعد وأنطوان واكد والذي حصل على جائزة صلاح أبو سيف -جائزة لجنة التحكيم الخاصة-.

 

الملاحظة الأولى على جوائز مسابقة آفاق السينما العربية أن كلا الفيلمين الفائزين هما أفلام تسجيلية وليست روائية، وذلك من أصل ثلاثة أفلام تسجيلية شاركت في المسابقة -الفيلم الثالث هو المغربي "منزل في الحقول" للمخرجة تالا حديد-، وذلك في مقابل خمسة أفلام روائية طويلة لم يتحصل أي منها على أي جائزة من جوائز المسابقة.

 

الملاحظة الثانية أن كلا الفيلمين ينتميان إلى المشرق العربي -فلسطين ولبنان- رغم أن هناك فيلمين من المغرب (عرق الشتا ومنزل في الحقول) وفيلمين من تونس (الجايدا) لكنهم خرجوا خالي الوفاض من أي جوائز، كما أن سوريا التي شاركت بفيلمين ("طريق النحل" إخراج عبد اللطيف عبد الحميد و"مطر حمص" إخراج جود سعيد) كان لديها فرصة مزدوجة للفوز لم تتمكن أيضا من اقتناص أي جائزة.

             

      

الملاحظة الثالثة أن كلا الفيلمين هما أفلام عن اصطياد الذاكرة وتقصي أثر الماضي في محاولة لقراءة الحاضر، ففي الفيلم الفلسطيني "اصطياد الأشباح" يبدو عملية إعادة بناء لذاكرة جمعية ضخمة تخص مجموعة المساجين الفلسطينيين الذين سبق لهم وأن كانوا معتقلين بسجن المسكوبية الإسرائيلي، بينما في الفيلم اللبناني "نصر" يجلس المخرج اللبناني الكبير -وأحد مؤسسي السينما اللبنانية- جورج نصر أمام الكاميرا ليقص علينا حكايات عن زمن التأسيس الأول لهذه السينما، وعن دوره الفعال في عملية الصعود بها إلى العالمية في سنوات الخمسينيات والستينيات.

 

في حيثيات إعلان لجنة التحكيم عن أسباب اختيارها لفيلم "اصطياد الأشباح" كأفضل فيلم ذكرت اللجنة أن الفيلم يتضمن معالجة درامية متميزة للموضوع، وخروج عن المألوف فى سرد القصة وإعطاء مساحة للمشاهد للتفاعل عوضا عن التلقين المباشر للحكاية، وكان "اصطياد الأشباح" قد سبق له وأن حصل في بداية العام الحالي على الجائزة الذهبية لأفضل فيلم تسجيلي في مهرجان برلين السينمائي، وتعتبر جائزة مسابقة آفاق عربية هي واحدة من الجوائز الكثيرة التي حصدها المهرجان طوال عام كامل من العروض العالمية.

 

لا تأتي قوة فيلم "اصطياد الأشباح" من كونه فيلما يتحدث عن واقع سياسي لمجتمع يقبع أفراده على مرمى حجر من السجن أو الاعتقال، دون أن يفرق هذا السجن ما بين العامل والطالب أو الموظف والفنان، في بلد يقبع تحت احتلال طويل وجائر وغير منصف يبدو الواقع السياسي أكثر جاذبية وحضورا وتأثيرا على المتلقين، لكن قوة "اصطياد الأشباح" الحقيقية تتجاوز تأثير الواقع السياسي إلى تأثير التفاعل الإنساني والنفسي والشعوري بين مجموعة السجناء السابقين الذين يبدأ المخرج نفسه (رائد أنضوني) في استدعاء خبراتهم الإنسانية لتشكيل تلك الذاكرة التي يجب ألا تنسى أبدا أنها تعيش في سجن ضخم يتجاوز جدران سجن المسكوبية أو الغمامات السوداء التي كان المحققون الإسرائيلون يضعونها على أعينهم، إنه سجن بحجم الوطن المحتل، وبحجم الإخفاقات الإنسانية والنفسية الكثيرة التي يسببها هذا الوضع الاسثنائي لمجتمع يملك من الطاقات والخبرات والإبداعات الكثير لكنه محاصر داخل صورة نمطية تقيد المقاومة بالسلاح فقط، دون الخروج إلى أفق أوسع يصبح فيه الفن نفسه سلاحا ربما أكثر تأثيرا من الحجر والمسدس.

 

لم يخرج الفيلم عن دائرة مكانية مغلقة هي المساحة التي اختارها المخرج كي تصبح موقع التصوير الخاص بالفيلم الروائي الذي يقوم بإعداده عن تجربة سجن المسكوبية التي عاشها وهو في الثامنة عشرة من العمر، هذه تتحول إلى أشبه بطاقة لتفريخ وتفريغ الذكريات التي يتناوبها السجناء القادمون من مختلف الحِرَف (طالب - بنّاء - عامل دهان - نجّار- ممثل) بينما يعمل كل منهم في تصميم وتنفيذ موقع التصوير، في حين يقوم المخرج بممارسة لعبة الكراسي الموسيقية معهم، حيث يضع كلا منهم محل الضباط والمحققين الذين كانوا يقومون باستجوابهم تارة، ومحل أنفسهم كسجناء تارة أخرى، وبالتالي يعيد اختبار عنصر الوقوع تحت سيطرة وضغط هائل لتعصير الذاكرة من أجل أن تفرز كل ما في داخلها من تفاصيل تضع الحاضر محل تساؤل وهل هو آمن بالدرجة التي يمكن أن يكون معها الحاضر مستقرا والمستقبل واضحا؟

    

"نصر".. وحكايات من زمن حب الصورة

          
أما الفيلم اللبناني "نصر" فإن لجنة التحكيم قررت أن حيثيات منحه الجائزة تتمثل في سلاسة الموضوع، وترابط الأحداث، وتمكّن الفيلم من طرح قضية التضحية في صناعة السينما من خلال اختياره لشخصية مميزة على الصعيد الإنساني والفني.

 

حيث يقوم الفيلم على الحكي عبر مستويين من الزمن، الأول هو زمن الحاضر حيث يجلس المخرج اللبناني جورج نصر أمام الكاميرا ليتلو شهادته عن مرحلة التأسيس وعن تجربته في صناعة السينما اللبنانية من الخمسينيات، والزمن الثاني هو زمن صناعة الأفلام نفسها، أي مشاهد الأفلام وحكايات الفوتوغرافيا وأرشيف اللقاءات التليفزيونية مع المخرج الكبير الذي جاوز التسعين الآن.

 

اختصر عنوان الفيلم اسم المخرج إلى "نصر" فقط، مستغلا الصفة التي يحملها اسم جورج نصر على اعتبار أن ما حققه هذا الرجل هو انتصار بمعنى الكلمة، نظرا لطبيعة الظروف القاسية وغير الفنية أو المؤهلة إبداعيا لإطلاق سينما جديدة في ذلك الوقت، عندما كانت السينما المصرية والأميركية هي المسيطرة على دور العرض اللبنانية.

 

ويخلو الفيلم من أي صوت يعلق خارجيا على حديث جورج نصر أمام الكاميرا، بل يترك نصر نفسه يعلق على ما يحكيه، ويستخدم صناع الفيلم مشاهد من أفلامه التي يعيد بناءها سرديا كجزء من رحلته وليس كمعلق عليها، ولا يخلو الفيلم من تلك اللمسة الإنسانية المرتبطة بأن هذا المخرج المؤسس صاحب الخبرات الكبيرة لم يُخرج سوى ثلاثة أفلام فقط طوال 24 عاما هي عمر رحلته السينمائية منذ ظهوره حتى قيام الحرب اللبنانية، وهي: "إلى أين"، و"الغريب الصغير"، و"المطلوب رجل واحد"، حيث ظلت تلك الثلاثية غير المباشرة من أهم الأفلام التي لا يمكن دراسة السينما اللبنانية دون التوقف أمامها.

 

أسئلة الحصار
ربما كان من أسباب فوز الفيلم الفلسطيني "اصطياد الأشباح" بجائزة أفضل فيلم أنه استطاع دون قصد أن يجمع ما بين ثيمتين ظاهرتين تجلّتا بوضوح خلال برنامج المسابقة، وهما: ثيمة اصطياد الذاكرة كما سبق وأشرنا، وثيمة أخرى هي ثيمة أسئلة الحصار.

            

   

فخمس من أصل ثماني تجارب عربية معروضة بالبرنامج تتجلى فيها ثيمة الحصار على المتسويين المادي والمعنوي، ومع اختلاف أسباب الحصار وطبيعة المُحاصَرين -بفتح الصاد- والمحاصِرين -بكسر الصاد- يظل عنصر الأسئلة التي يطرحها هذا الحصار هي الخلاصة التي يراد بالمتفرج أن يتلقاها من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنها بلا شك تبدو مع تباين خلفيات صناع الأفلام ومجتمعاتهم (الكويت - فلسطين - المغرب - تونس - سوريا) وكأنها همٌّ عام ومشترك التقطته حساسية السينمائيين العرب على اختلاف أجيالهم وتجاربهم، فعلى سبيل المثال فإن الفيلم الكويتي "سرب الحمام" الذي يتحدث عن محاصرة مجموعة من المقاومين الكويتيين إبان الاحتلال العراقي للكويت هو العمل الأول لمخرجه رمضان خسروه، بينما الفيلم التونسي "الجايدة" الذي يناقش قضية الحصار المادي والمعنوي للمرأة التونسية باستخدام أحكام الشرع والدين بصورة مجحفة هو استكمال لثلاثية المخرجة التونسية الكبيرة سلمى بكار والتي بدأتها قبل أكثر من عشرين عاما. أي إن أسئلة الحصار تطارد مخيلة صناع السينما العرب سواء كانوا يتلمّسون أولى خطوات رحلتهم أو يستكملون أشواطا سبق وأن قطعوا بعض مسافاتها باتجاه وجدان المتلقين.

 

في الأفلام الجيدة لا توجد إجابات واحدة لكل الأسئلة، بل لا توجد إجابات من الأساس لأي من الأسئلة التي يطرحها الفيلم، فالإجابة ليست مهمة السينما، والسؤال هو ابن الفيلم الذي يتركه في حجر المشاهد لينمو خارج الشاشة. وفي مجموعة أفلام البرنامج التي تطرح أسئلة الحصار نلاحظ أنه كلما كانت الإجابات غائبة كانت بصمة الفيلم أكثر انطباعا على ذهن المشاهد ومشاعره، وكلما كانت الإجابات جاهزة وسهلة التناول والحلول بدا السياق الفيلمي مباشرا وخطابيا وغير ملهم.

 

ففي الفيلم التونسي "الجايدة" يعود السيناريو إلى أعوام ما قبل الاستقلال، حيث نتابع نماذج من توظيف الرجال متحجري العقول والمشاعر للمحاكم الشرعية والتمييز المجتمعي باسم الدين ضد المرأة، فالنساء في الفيلم هن دوما عرضة لأن يتم احتجازهن فيما يشبه الإصلاحية الاجتماعية تعرف بدار أجواد، وهي عبارة عن مكان متواضع أقرب إلى السجن يوضعن فيه تحت الإقامة الجبرية مهما كانت أخطاؤهن من عدمها، فقط لأن تهمتهن الأساسية أنهن (نساء)، وفي هذه الدار نتعرف على مجموعة النساء المحاصرات باسم التهذيب الديني وطاعة الزوج رغم أن كلهن تقريبا صاحبات حقوق "شرعية"، لكن المجتمع يستغل الشريعة ضدهن مجردا إياهن من حقوقهن الدينية الأصيلة التي يتجاهلها الجميع.

        

     

إن أسئلة الحصار التي يطرحها الفيلم تبدو واضحة خلال سياق الأحداث مع تتبع الخط الخاص بكل امرأة، وهي الأسئلة التي يجد المتلقي نفسه في مواجهتها بشكل فاضح، فهل حقا هذا هو موقف الدين من المرأة أو هو موقف المجتمع الذكوري السلطوي صاحب النظرة الضيقة؟ لكن أزمة الفيلم الحقيقة هي خروجه من تلك الحالة الاستفسارية الراقية إلى خطبة مباشرة وشديدة الفجاجة في تعاطيها مع الأسئلة المطروحة، وذلك عبر المشهد الأخير الذي يتحول إلى خطبة نسوية سمجة تلقيها إحدى بطلات الفيلم عشية وضع الدستور التونسي عقب ثورة يناير.

 

وفي الفيلم السوري "مطر حمص" إخراج جود سعيد تبدو أسئلة الحصار في الفصل الأول شديدة الوقع وعالية التأثير، حيث يدور الفيلم عقب توقيع اتفاقية خروج أهل حمص من المدنيين بعيدا عن مناطق القتال بين الفصائل الإسلامية من ناحية والجيش الحكومي والجيش المدني من ناحية أخرى، وخلال المشاهد الأولى تتجلى قسوة الحصار وأسئلته التي تتجاوز الأزمة السورية إلى أزمة البشرية كلها في مواجهة الحرب والقتل والدم.

 

فبينما تخرج مجموعات المدنيين من أهل حمص يقرر قائد الفصيل الإسلامي أن يوقف عملية الخروج قسرا ويبدأ في إطلاق النار على الفارين، مما يوقع أحد سكان المدينة مختبئا خلف ساعة الميدان الحمصي الشهيرة، فيحاصره القناص لساعات بينما هو يستجديه كي يعفو عن حياته ويعتبره كلبا -في إشارة إلى الكلب الذي تركه القناص ليهرب مع الفارين أثناء مشاهد الفرار-، هذا المشهد تحديدا يعكس الكثير من الأسئلة التي ربما لم تتجل بشكل مؤثر وفني خلال فصول الفيلم التالية، والتي يتم فيها محاصرة يوسف ويارا وهما من سكان المدينة ومعهما إخوتهما الصغار -في إشارة إلى المستقبل المهدد- وذلك لثلاثة شهور متتالية، لكن خلال هذه الشهور يخفت السؤال وتبرز التفاصيل الميلودرامية التقليدية الخاصة بقصة الحب المتنامية بين يوسف ويارا على غرار ترويض النمرة -حتى إن يارا تقع مريضة لأسابيع طويلة تصبح هي أسابيع التحول من الصدام إلى الحب بينها وبين يوسف- ويتحول الفيلم إلى مجرد حالة ميلودرامية مع بعض الأكشن في النهاية -حين يتم تفجير قائد الفصيل الإسلامي على يد واحدة من بنات شهداء المدينة العزل- دون أن يبدو في ذروة الفيلم ذلك الطرح الخاص بتجليات الحصار وهل هو مجرد حصار عسكري حربي بين متنازعين أو هو حصار أكثر شمولا وتعددية وخطورة، فالحصار في حقيقة الأمر ليس حصارا عبر السلاح فقط بل هو حصار عبر الأفكار من البداية للنهاية.

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار