اغلاق
آخر تحديث: 2017/12/28 الساعة 15:13 (مكة المكرمة) الموافق 1439/4/10 هـ

انضم إلينا
زهرة الصبار.. ما الذي يعنيه أن تعيش في القاهرة؟

زهرة الصبار.. ما الذي يعنيه أن تعيش في القاهرة؟

ميرهان فؤاد

محررة فن
  • ض
  • ض
تقول "سوزان سونتاج": "حين ينتابنا الخوف نطلق الرصاص، وحين ينتابنا الحنين نطلق الصورة"، أحياناً ما تكون الصور هي الدليل الوحيد على وجودنا في وقت ما مضى، هناك في حياتنا الأولى.

 

في فيلمها الروائي الأول "زهرة الصبار"، الذي عُرض مؤخراً في مهرجان دبي الدولي للسينما في دورته الرابعة عشر وتنافس على جائزة المهرالطويل،  تحيل المخرجة "هالة القوصي" مدينة القاهرة إلى خشبة مسرح، تمزج فيها القاهرة الحقيقية بالقاهرة المتخيَّلة عبر صداقة ثلاثية من منطق المصير والفقد المشترك، والذي تفرضه القاهرة أيضاً لشابة ثلاثينية، وسيدة سبعينية، وشاب عشريني. وقد حصلت بطلة الفيلم "منحة البطراوي" على جائزة أحسن ممثلة بالمهرجان. وكان قد عُرض بمهرجان روتردام السينمائي، ومهرجان أفلام من الجنوب بالنرويج.

 

في أحد معارض الصور الفوتوغرافية السابقة للمخرجة والمصورة هالة القوصي حمل اسم "في غرفة معيشتي"، صورت هالة شوارع القاهرة بشكل يومي لمدة أربعة أشهر عقب ثورة يناير2011، حتى تحول التصوير لروتين يومي بالنسبة لها، وأصبح الشارع بمثابة غرفة معيشتها، بالمثل سكن هذا الثلاثي الشوارع في رحلة للبحث عن ملاذٍ، حتى أصبحت بيتهم.

 

عايدة "سلمى سامي"، فتاة من أصول ريفية، انسلخت منها لتعيش بالعاصمة التي تلفظها باستمرار، فشلت في تحقيق رغبة أهلها في دراسة الطب، وتحاول البحث عن فرص للعمل بالتمثيل، حلمها بعد دراستها للمسرح، لا تجد عايدة سوى الفرص الرديئة في الإعلانات الدعائية للمدن السكنية الجديدة الموحشة، والفوط الصحية، في القاهرة الشحيحة في كل الفرص؛ عمل، وحب، وعيش، الغنية فقط  بفرص الرعب الكارثية والخيبات المتتالية.

    

     

ترتبط عايدة بجارتها سميحة "مِنحة البطراوي" التي تبدو من لكنتها وديكورات بيتها وتفاصيله، من الأرستقراطيين السابقين، سيدة مطلقة، بلا عائل ولا أولاد، تحاول البحث عن عمل، ترتدي قلادة من الماس ولا تملك قوت يومها، تعيش المرأتان على سطح منزل مليء بالنور بأحد أحياء القاهرة، ثم تجدان نفسيهما بلا مأوى بين ليلة وضحاها، لأن صاحبة البيت تريد ذلك، فقط لأنهما في القاهرة.

   

ياسين "مروان العزب" جارهما، يساعدهما في رحلة البحث عن سكن يأويهما، طالب الحقوق السابق الذي ترك الدراسة مؤقتاً لأن القانون لن يفيد كثيراً في بلد مثل القاهرة.

     

حد ضامن يمشي آمن؟
أنت في القاهرة تعيش في أزمات لا تنتهي؛ لا أمان ولا ضمانات لأي شيء، أنت مُعرَّض لكل شيء؛ مثل مريض يعاني من ضعف المناعة، قد تتعرض ساقك لحادث بسيط يتحول لكارثة، فقط لأنك بالقاهرة، سيعيقك تعنُّت الأمن عن دخول مستشفى، وقد يقتحم الجيران حياتك الشخصية؛ يقرعون باب بيتك لينهرونك لاستضافتك سيدة مسنة، بحجج دينية، سيسألونك عن أسباب انبعاث أصوات ضحكات وغناء من منزلك. إذا كنتِ أنثى، لسوء حظك، فمن المؤكد أنكِ سوف تتعرضين للتحرش من الغرباء، سوف يمارس الجميع الوصاية عليك، قد يستوقفك رجال بزي مدني بلا هويات ليسألوك عن هويتك، وينهالوا عليك بالضرب. تشعر دائما كأنك مُحرج، تريد أنت تعتذر عن وجودك؛ أنت في القاهرة بلا غطاء.
   

          
طول ما يبقى الركب ساير
انتهت هالة من كتابة الفيلم في عام 2010، وكان يحمل  ملامح مايشبه الثورة، والتي حدثت بالفعل في 2011، عدّلت هالة سيناريو الفيلم في عام 2014 لتصبح نهايته أكثر تفاؤلاً. هي ترى أن الأفلام التي تتعامل مع الحدث وهو مازال ملتهباً، تُنسى سريعاً، بالفيلم كانت الثورة دائماً في الخلفية بالرغم من أنها لم تحدد وقتا بعينه يدور فيه الفيلم، لكننا نستقي أنه في زمن ما بعد الثورة، توحي بذلك القنابل التي تسد الطرقات، وانقطاع الكهرباء، وحظر التجوال، والخوف والإحباط الذي يجوب الشوارع. نقلت هالة مع "عبد الرحمن محمود"، مصمم شريط الصوت، بشكل حرفي صوت خلفية القاهرة؛ صوت محمد عمران يخرج من راديو التاكسي يقول "وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين"، مواويل شفيقة، غناء نجاة، وأصوات سرينة الشرطة التي تخلع القلوب.

     

زهرة الصبار يا سلمى
عندما طُردت عايدة من منزلها لتعيش حياتها المؤقتة، لم تحمل معها من أمتعة سوى زهرة الصبار، لتزرعها خلف شجرة، شهدت أول قبلة لجارتها العجوز المرِحة التي تمشي على عكازين.

 

زهرة الصبار؛ تتكيف مع كل/ أحلك الظروف، لكنها تزهر وروداً كل عام، تشبه من يستطيعون التكيف مع كل الأوضاع، يعيشون في وضع  كارثي مؤقت، ومستمر في الحقيقة طوال الوقت.

    

وأنتِ حلوة في كل عين؟
في القاهرة، العلاقات يشوبها سوء التفاهم التام بين عايدة وأمها "عارفة عبد الرسول"، بين سميحة وأختها، بين الفنان المكتئب "باسم وديع" وجيرانه، بين عايدة وحبيبها "صدقي صخر"، الكاتب التقدمي المدعي.        

        

          

سحابة الكآبة تظلِّل القاهرة وتغطي الجميع، في أحد المشاهد، يقول "زكي فطين عبد الوهاب"، أحد من لجأوا إليه في الطريق، لسميحة: "النيل شكله عنده اكتئاب".

    

يا نسيم الشوق يا طاير
"عبد السلام موسي"، مدير التصوير الذي اشترك في السابق في مسلسلات مثل "واحة الغروب" للمخرجة "كاملة أبو ذكري"، و"أفراح القبة" للمخرج "محمد ياسين"، وهو شريك هالة في إنتاج الفيلم، شكّل معها قاهرة أخرى ملونة، أهدأ وأخف منها في الحقيقة. هالة لا تناسبها طريقة السرد التقليدية، يهمها أكثر اللغة البصرية، اعتمدت هالة في الفيلم بأكمله على مستويين للحكي، مقابل الحقيقة هناك مشهد آخر في ذهن الأبطال، تتحرك فيه أجسادهم بحرية في مشاهد الحلم/ القاهرة الملونة بالتوازي مع الفيلم بأكمله، في الحلم، ترقص عايدة مع هواجسها التي تراها رأي العين، مع بشر يضحكون بهستيرية ويتحركون في أقفاص.

    

هالة كفنانة بصرية، وباحثة، ومصورة فوتوغرافية بالأساس، بدأت مشروعها في تصوير وأرشفة القاهرة منذ عمر الثامنة عشر، دائما ما كانت معنية بعلاقة الفرد بالمدينة، والرُّؤى المختلفة للتاريخ، بدا ذلك جلياً في معارضها الفنية وكتابها "دائرة سين" الذي مزجت فيه النص بالصورة، ومشروع "فوتو مصر"، طالما كانت مهتمة بتسجيل تاريخ الوجوه والشوارع والأزقة المنسية، مشروعها كما تراه؛ هو التاريخ من أسفل، تصويرالحياة اليومية للمواطنين، واتجهت هالة للسينما من منطلق أن الفيلم الروائي هو أفضل محاولة لتوثيق التاريخ المتروك لوجوه المدينة.

 

هالة تمتلك حساً نوستالجياً واضحاً، حتى إن معظم أثاث بيت سميحة، التي تحمل ملامح منها على حد قولها، من مقتنياتها الشخصية. هى مشدودة بالماضي لكنها ليست ذائبة فيه، لم تَرْث القاهرة القديمة، إنما بدت متطلعة نحو مستقبل ما.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار