اغلاق
آخر تحديث: 2017/3/20 الساعة 17:42 (مكة المكرمة) الموافق 1438/6/22 هـ

انضم إلينا
فيلم الطريق.. أخلاقيات عالم يقطنه أكلة لحوم البشر

فيلم الطريق.. أخلاقيات عالم يقطنه أكلة لحوم البشر

فرح عصام

مترجمة
  • ض
  • ض
سيكون من الجيد التعرف إلى أخلاقيات ليفيناس، وإن بدت غير عقلانية، في العالم العربي اليوم، وبالأخص في بلدان الربيع العربي حيث يواجه الناس يوميّا تحدّي مسؤوليتهم تجاه الآخر، في زمن تمكّنت فيه الأنظمة الفاسدة من تحقيق عودة قضت على أحلام الكثيرين بغد أفضل. 


قد يبدو التأمل في الأخلاقيات بالرجوع إلى الفيلم الذي يتناول عالم ما بعد نهاية العالم "الطريق" وأنه ينطوي على تناقض في المصطلحات. بالنتيجة، يروي الفيلم حكاية رحلة أب وابنه على كوكب أرض تخنقه الغبار، حيث ماتت الحضارة ودُفنت تحت الرّماد. تحولت الإنسانية فيه إلى جماعات آخذة في التناقص من اللاجئين، المجبرين على اتخاذ قرارات قاسية في مواجهة برد أقسى ومجاعة، وأكلة لحوم البشر، بينما يحاول الناجون المحاصرون الاسترزاق من بقايا الطعام وتفادي أن يصبحوا هم أنفسهم طعامًا للآخرين.


لماذا نفترض إذن أن هذا الفيلم يصوّر الفكر الأخلاقي لدى الفيلسوف الألماني إيمانويل ليفيناس (1906-1995)، وهو الفيلسوف الذي شدد على مسؤوليتنا غير المشروطة تجاه الآخرين؟ في عالم طمست فيه الأمعاء الخاوية أي أعراف إنسانية، وأُحرقت فيه الكنائس منذ زمن طويل، واستسلمت مؤلفاته في الأخلاق للعفن أو الاستخدام كوقود للتدفئة، تبدو رسالة ليفيناس خارج السياق تماما. غير أن صدى رسالته حول المسؤولية الأخلاقية المحتومة يعلو بالتحديد عندما يتم إسكات صخب كل النظريات العقلانية والمنطقية بشأن الالتزام الأخلاقي.


بكلمات أخرى، أخلاقيات ليفيناس هي الأخلاقيات الثابتة في حالات الطوارئ، للمُعدمين، والمتروكين والمشردين. أخلاقياته هي الدليلُ الثابت الرصين في رحلة البطلين في الفيلم، بالأخص وأن ليفيناس وكورماك مكارثي -مؤلف رواية الفيلم- يلتقيان عند محاولة تخليص الإنسانية الممزقة من الهوة السحيقة لعالم لم يمت للإنسانية بصلة.

 

مسؤوليتي تجاه الآخر
إيمانويل ليفيناس (1906-1995)  (مواقع التواصل)

 

إن ما يميز أخلاقيات ليفيناس هو إصراره العنيد على مسؤولية الفرد الخالصة تجاه الآخر. ولا نتحدث هنا عن الأخلاقيات التي تحدد التزامي "بالشخص" الآخر من خلال مبدأ عقلاني عام، أو من خلال حساب المنفعة التي تنتج عن هذا القرار. لا يمكنني أن أحسب كيفية تصرفي تجاه الآخر بسؤال نفسي عمّا كان سيفعله لو كان مكاني، أو عمّا قد يقترحه طرف ثالث. بالنسبة إلى ليفيناس، فإن هذه المبادئ واللوائح التي توجّه تصرفي تقع كعائق أمام علاقتي بالآخر وتشوش عليها.

 

عندما أتجه إلى ذلك الآخر، فإنني أسأل ببساطة: "ما الذي تحتاجه مني؟" حينما أقف قبالته، فإنني مطالب بتنحية شؤوني ومشاريعي جانبا لكي أقدّم له العون بأي وسيلة ممكنة. لا ينبغي أن يكون في استجابتي أي تردد، أو اشتراط. يقول ليفيناس أن مسؤوليتنا تجاه الآخر لا محدودة. ولا يمكننا حتّى سؤال من هو مؤهل ليكون ذلك الآخر. أن نرى الآخر ضمن حدود جنسه أو عرقه أو مذهبه، أو أية مزايا تمييزية أخرى لا يقوم سوى بعرقلة وصولي إلى ذلك الفرد قبالتي.

 

لذا فإننا نتحمّل مسؤولية أخلاقية لم نخترها، استجابة لنداء واجب قد لا يمكننا تأديته إطلاقا. إن كان هذا الموجز لأخلاقيات ليفيناس ليظهر لنا أي شيء، فهو صعوبة تنفيذ مسؤوليتك تجاه الآخر. بمعنى، أنّ من المحال ألا تنضب التزاماتك الأخلاقية عند نقطة معينة، إننا كلما كنا على قدر هذه الالتزامات، كلّما سئلنا المزيد منها. واستحالة هذا الالتزام تجاه الآخر تجد صداها بعمق في فيلم "الطريق".   

 

فشل "الثيوديسيا"


قبل البدء في استكشاف أخلاقيات ليفيناس في الفيلم، سيكون من المفيد موضعة فلسفته ضمن سياقها الأصلي، بوصفها ردا على فظائع الحرب العالمية الثانية، في أعقاب ظرف لم تكن فيه أوروبا بعيدة عن أطلال دمار العالم التي رأيناها في الفيلم.

 

كما قال ليفيناس في كتابه "الحرية الصعبة" (Difficult Freedom)، فإن حياته وفكره "قد هيمنت عليهما هواجس وذكريات الرعب النازي". لم يفقد ليفيناس أمله في الإنسانية رغم دمار الإبادة في الهولوكوست، الذي حصد أرواح الكثيرين من أفراد عائلته. بالأحرى، أن الأمر قد أظهر له فساد النظم الأخلاقية التي مجدت الخصائص العقلانية والقيم الاجتماعية على حساب محاورة الشخص مباشرة.

 

يشرح ليفيناس عيب هذه النظريات الأخلاقية المعيارية في ضوء محرقة الهولوكوست والفظاعات الأخرى في مقالة مطولة بعنوان "معاناة بلا فائدة" (Useless Suffering). ويعالج فيها سؤالا طرحته البشرية لقرون؛ ألا وهو كيف يمكن لإله شامل الحب، وشامل الجبروت وشامل الاطلاع أن يسمح بمعاناة البشر؟

 

في وجه المعاناة اللامفيدة، لربما استطاع اللطف غير المنطقي الذي دعا إليه ليفيناس -من تقديم لحاجة الآخر، وحتى نجاته، على حاجتك ونجاتك أنت- أن يكون الردّ " المنطقي" الوحيد

بالنسبة إلى ليفيناس، فإن ميزة المعاناة، بوصفها عبثية، ولا حاجة بها قد تضخمت في ضوء الأحداث غير المنطقية التي واكبت القرن العشرين. وبرغم اجتهادات الفلاسفة وعلماء اللاهوت الغربيين على مدى قرون لتفسير وشرح المعاناة، بالاحتكام إلى التفسيرات الغيبية؛ إلا أنّ ليفيناس، كالعديد من معاصريه، آمن بأن هذه التفسيرات الثيوديسية[1] قد وصلت نقطة اللاعودة في القرن العشرين، بكل حروبه وإباداته الوحشية.

 

ليست المسألة في أن الثقافة الإنسانية التي انبثقت عن عصر الأنوار، بتشديدها على العقل وحقوق الإنسان، وحرية الفرد غير القابلة للانتهاك، قد عجزت عن منع نشوء أيدولوجيات شمولية قاتلة وحسب؛ وإنما أيضا في أن هذه القيم كانت عاجزة جوهريا عن تبرير تلك الفظائع المروعة. لا أعني أن حدث الهولوكوست قد قوض قدرة الأشخاص على كتابة المؤلفات الأخلاقية، فضلا عن كتابة الشعر؛ وإنما، أن أي محاولة للعثور على سبب منطقي لكل ذلك الشرّ قد باءت بالفشل. لذا بالنسبة إلى ليفيناس، فقد قوض معتقل أوشفيتز النازي قدرة الإنسانية على فهم العالم، وقدرتها على صياغة ثيوديسيا معقولة تفسر هكذا أحداث.

 

ما يميز استجابة ليفيناس عن غيرها من الأعمال الفلسفية، أنه عوض أن يحاول تصويب القيم الاجتماعية والأخلاقية الهشة، فإنه يتساءل عما يتوجب علينا القيام به في ضوء هذا الفشل الواضح لكلا المؤسستين الأخلاقية والدينية. إن قوضت أحداث القرن العشرين الشبكة النظرية للنظامين السياسي والاجتماعي، ربما يكون هناك نقطة انطلاق ثانية أفضل، ألا وهي التلاقي البَينـذاتي ما بين الأنا والآخر، والمسؤولية اللامشروطة تجاه الآخر.

 

كذلك، إن فشلت حزمة المبادئ الأخلاقية العقلانية المصممة للتعامل مع واقع الوضع الإنساني؛ فربما ينجح منهج أخلاقي غير واقعي، يطالب بالمستحيل، في استبداله. في وجه المعاناة اللامفيدة، لربما استطاع اللطف غير المنطقي الذي دعا إليه ليفيناس -من تقديم لحاجة الآخر، وحتى نجاته، على حاجتك ونجاتك أنت- أن يكون الردّ " المنطقي" الوحيد.

 

أخلاقيات ما بعد نهاية العالم

إنّ التضادّ ما بين الأخلاقيات وحالة الدمار في الفيلم يعبّر عما يردده ليفيناس باستمرار: التعارض الصارخ ما بين طريقة جريان العالم وبين ما يتحتم القيام به استنادًا إلى النداء الأخلاقي

مواقع التواصل

تتماثل الأرض الجرداء في مرحلة ما بعد نهاية العالم في الفيلم مع اليأس والعدمية التي ألمّت بالأوروبيين بعد الحرب العالمية. وبالطبع، ينقل الفيلم بقوة الدمار المطبق الذي حلّ بالعالم. لكنه في الوقت نفسه، لا يوضح الحدث الكارثي الذي حل بالأرض: لا يخبرنا الفيلم إذا ما كان مردّ هذا الدمار إلى اصطدام الأرض بكويكب، أو مواجهة نووية، أو حتى عقابًا إلهيا على إنسانية منبوذة. لا يمكن للثيوديسيات عرض تفسير أو نجدة في هذا العالم المقفر أحادي اللون.

 

قلّما كانت الأخلاقيات في حالات الدمار الشامل مصوّرة بقوّة كما هي مصورة هنا. إنّ التضادّ ما بين الأخلاقيات وحالة الدمار في الفيلم يعبّر عما يردده ليفيناس باستمرار: التعارض الصارخ ما بين طريقة جريان العالم وبين ما يتحتم القيام به استنادًا إلى النداء الأخلاقي.

 

بالرغم من أن إصرار الأب على القيام بكل ما يمكن لإنقاذ ابنه يجعله ممثلا ملائما للذات الليفيناسيةّ عند النداء الأخلاقي، إلا أنني أعتقد بأنّ الابن يوفر إمكانية أفضل لرؤية ليفيناس من خلال الفيلم

زوال البيئات الاجتماعية التي عرّف من خلالها البشر مواقفهم ب مع أو ضد، يتيح إمكانية تواجههم بلا أي عقيدة ببساطة وجها لوجه. لا الطبيعة ولا الثقافة يتوسطان مواجهة الإنسان لأخيه الإنسان. الأشخاص في القصة مجرّدون من التصنيفات التي اعتاد عليها البشر في تعريف بعضهم بعضا والتي يعتبر الفيلسوف أنها قد غطّت على تألق الإنسان الذي يسطع عند المواجهة الأخلاقية، ومنها العرق، أو الانتماء السياسي، أو المذهب الديني. وما يسود عوض ذلك هو الحاجة والضعف والعدائية.  

 

قلّما يستجيب الأب بطل الفيلم الذي يلعب دوره الممثل "فيجو مورتينسن"، لنداءات المساعدة المستميتة من الآخرين، أثناء عزمه على الاستمرار في الطريق والحفاظ على ابنه الذي لعب دوره "كودي سميت ماكفي" حيا. في ظلّ الحرمان من أي مأوى آخر، يأوي الأب وابنه إلى بعضهما بعضا. تلخص هذه العلاقة بين الأب وابنه التفاني اللامشروط في الرابط الأخلاقي، سواء في الالتزام الكبير من الأب بابنه، أو الإخلاص الفائق من الابن لأبيه.  

 

وبالرغم من أن إصرار الأب على القيام بكل ما يمكن لإنقاذ ابنه يجعله ممثلا ملائما للذات الليفيناسيةّ عند النداء الأخلاقي، إلا أنني أعتقد بأنّ الابن يوفر إمكانية أفضل لرؤية ليفيناس من خلال الفيلم. حيث برغم تكرار الأب وابنه عبارة أنهما "يحملان النار" -شعار يوجه سلوك كليهما، والذي يتلخص بوضوح في رفضهما أن يأكلا آخرين من البشر- إلا أن من غير الواضح إذا ما كان الأب مؤمنا بهذه "الشيفرة" بحقّ، أو إذا ما كانت، كما يتجلى شيئا فشيئا على مدار الفيلم، ببساطة إحدى "الحكايات القديمة" للأب، والمدبّرة من أجل حثّ الابن على إتمام المسير.  

 

يدافع الابن، كيفما كان، باستمرار عن أولئك الذين يصادفونهم، سواء كان رجلا على حافة قبره، أو لصا، أو متشردا طاعنا في السن. ليرد على سؤال الأب حول المسؤولية، حيث يجيب مستندا إلى عبارة تجد صداها في الكتاب المقدس، أنه يقلق على كل شيء وعلى كل إنسان -تلخيص مناسب لوصية ليفيناس عن الاهتمام غير المشروط بالآخر-. ربما يمنع الابن بتصرفاته، أو حتى بمجرد حضوره، الأب من الانحطاط إلى المستويات المتدهورة التي وصلها آخرون غيرهم.  

الأب والان يساعدان رجلا مسنا في الطريق (مواقع التواصل)


ما يوحد مكارثي وليفيناس هو جهدهما المشترك في تفسير ما لا يمكن تفسيره. يدرك الفيلسوف اللبس المترتب على مناداته بالتزامنا الأخلاقي تجاه "الآخر" والذي تسبب به تحديد هذا "الآخر"، لأن احتواء هذا "الآخر"، فضلًا عن قياس مسؤوليتنا الأخلاقية وفقا له، يحدُّ ويشوّش على الطريقة التي نتلقى فيها مسؤوليتنا الأخلاقية. وكان صعبًا على ليفيناس ألا يشعر بأنه قد خان طبيعة النفس البشرية التي جُبلت على مساعدة الآخر دون أن تناقش حتى مسألة هذا "الآخر".

 

بعكس حكايات ما بعد نهاية العالم الأخرى -فيلم انترستيلر مثالا-، لا يُطَمئِن الفيلم المشاهدين بأن الأمور ستتحسن. ليس ثمة كتبٌ مؤثرة تشعل وهج الحضارة من جديد؛ ولا عودة انتصار للطبيعة، لا إحساس بالحرية أو رجوع عن الحالة الفاسدة التي سادت سابقًا. فاضمحلال وتلف العالم مكتمل الأركان تقريبا.

 

تقلص الزمن للأب وابنه، بحيث تحول إلى رتابة مجردة من الإحالات الزمنية التقليدية أو العلامات الزمنية. ويلتقط السطر الأول من الكتاب زوال العلامات الزمنية بأسلوب جميل: "ظلمة الليل تفوق أي ظلمة أخرى ورمادية النهار تزداد يومًا بعد يوم".  يواكب فقدان الاتجاه هذا انحصار العالم في الأغراض الكافية للنجاة من يوم لآخر.

 

يغيب عن الحوار تفاعل الأفكار المجردة. وبما أنه مليء بالكلمات المجردة والملتبسة، فإنّ تركيز الفيلم على الكلمات الميتة والمحتضرة يكون بغرض التدليل على الطريقة التي يغير فيها حدث نهاية العالم الفكر واللغة.

يتجاهل الأب رؤية كل ما لا يوفر لهما النجاة. هذه الرؤية الضيقة تثبِت أيضا إحساسه المبتور بالزمن بماض بعيد جدا تثير ذكراه ألما لا يطاق، بمستقبل يتوزع ما بين إيجاد قطعة الخردة التالية، والملجأ الرديء التالي. وحاضر ليس لهما فيه موطئ قدم، تحاصره ذكريات عن زوجة أعياها المرض وعالم قد ولى بلا رجعة.

 

يغيب عن الحوار كذلك تفاعل الأفكار المجردة. وبما أنه مليء بالكلمات المجردة والملتبسة، فإنّ تركيز الفيلم على الكلمات الميتة والمحتضرة يكون بغرض التدليل على الطريقة التي يغير فيها حدث نهاية العالم الفكر واللغة.

 

يشتبك ليفيناس مع تحول ديناميكي مماثل للغة، مثلا من خلال ممايزته بين إحالات "يقول" و"قال". ويجادل بأن فرادة "الآخر" -أي الطريقة التي يعبر فيها عن ذاته و"يقول" فيها ذاته لذاتك أنت- لا يمكن أن تتلقاها من خلال المفاهيم العامة، والمبتذلة والمصطلحات المفرّغة للمجادلات العقلانية المحكية بالماضي. وحتى مع توظيف ليفيناس مصطلحات زمنية ومكانية تقليدية لتصوير "الآخر"، كالعلوّ الذي ينادينا منه، أو الماضي السحيق الذي يستدعينا منه، إلا أن هذه المفاهيم مفرغة من معناها التقليدي المتداول.


فلا نحن يمكننا اجتياز مسافة العلوّ؛ ولا الماضي البعيد يمكنه أن يسرّب لنا شئيا. هذه الصياغات الملغزة للزمان والمكان تشدد على أن الآخر يقف على مسافة من السياق، الآخر ليس شخصية لها سياق زماني ومكاني مشترك بالنسبة إلى لفيناس، القال هي "خطاب عقلاني" يسعى عبثا إلى تعويض غياب عالم مشترك. ولذلك، يستجيب ليفيناس ومكارثي لهذا النمط المنحرف عن مركز الزمان والمكان من خلال قصّ حكاية تخاطب الآخر عوض حديثها عنه.  

ينحني الصبي بجانبه، مرددا اسمه. ومع أنه اسم لا نسمعه طيلة الفيلم، إلا أنه يؤكد لنا أن هذا الرجل قد تمكن من استحداث هوية من خلال حبه لابنه، وبأن حياة الأب قد عنت شيئا ما

مواقع التواصل

للوهلة الأولى يبدو وأن هذه النقطة قد خانت حدسنا حول الفيلم. في المحصلة، كان غياب السردية عن الطريق في جزء منه بغرض التدليل على الانحراف عن مركز الزمان والمكان. حيث تشهد مسلّات الحضارة المنسية، وغصات الطبيعة المكتومة وإيقاعها المتذبذب، على نهاية القصة الإنسانية، وعجز الفكر الإنساني، وبالأخص، في الثيوديسيا. وفي ضوء هذا الدمار، يبدو بديهيا أن تفقد الكلمات سلطانها. حتى إن الابن يسأم من قصص أبيه عن الماضي، عن مآثر الخير والبطولة، متذمرا بأنها غير حقيقية، دون أن يحكي هو في المقابل قصصا عوضا عنها.

 

وبرغم ذلك يظل التواصل مع خلق القصّة وسردها قائمًا. عندما يموت الأب، ينحني الصبي بجانبه، مرددا اسمه مرارا وتكرارا. ومع أنه اسم لا نسمعه طيلة الفيلم ولا نحتاج لسماعه في المقام الأول، إلا أنه يؤكد لنا أن هذا الرجل قد تمكن من استحداث هوية من خلال حبه لابنه، قصة ذات، وبأن حياة الأب قد عنت شيئا ما في أوج الاضمحلال الذي يواكب نهاية العالم.

 

يعِد الابن أيضا بأن يتحدث إلى أبيه كل يوم وهو وعد بالحبّ الذي يصادق على استخدام الذاكرة التي ظنّ والده يومًا أنها مؤذية في هذا العالم، لأن كل دورها بدا وأنه استدعاء ألم الخسارة.

 

إذن فخاتمة فيلم الطريق تعلن أن الفتى سيتسلم عباءة والده في الاستمرار بقصّ الحكايا، من خلال حديثه مع أبيه الغائب كل يوم لا من أجل جدولة الزمن، أو حتى لفهم العالم، بقدر ما هو عهد بحفظ حبه لأبيه، وبالتالي، إدامة الحب والخير في العالم. هذا السلوك قريب من المفهوم الذي يستخدمه ليفيناس. عندما يقول أن الغرض من الحكي لا يتوقف على شرح الآخر وتصنيفه وإنما في انكشافنا عليه عندما نمرّ به، وبالتالي في الإبقاء على علاقة مفتوحة معه.

 

منتهى



لا يمكن لعالم الطريق أن يستعيد شكله الأول أو يسترد عافيته. وهذا على عكس الافتراضات التي توجّه معظم الثيوديسيات. لكن هذا التعليق الكئيب على المستقبل هو تأكيد على واجبنا في أن نعيش العالم ونواجهه كما هو. كما وأنه يوظف مواضيع مألوفة كليا لقارئ فلسفة ليفيناس: هشاشة الخير والخلاص، وعزل الفرد في ومن الكون الأهوج الواسع حوله.

 

تبرز هشاشة هذا الخير في الفيلم من خلال بوادر اللطف اللامنطقي الذي تحدث عنه ليفيناس، سواء في تشارك الأب والابن إحدى المعلبات مع متشرد غريب، أو عند الخاتمة حينما تقرر العائلة تبني الطفل الذي صار يتيما. غير أنه لا ينبغي الاغترار بملمح الخير العابر عند النهاية. لأن هكذا تصرفات لن تنقذ العالم. لا يمكنها بتاتا إصلاح العطب الذي أصاب العالم.

 

يعترف ليفيناس بأن لا ضمانات أو إجراءات واضحة يمكن اتخاذها لتدارك الشرّ. ليس هناك أي تأكيد على أن التاريخ لن يكرر نفسه في هولوكوست مروع آخر، أرتُكِب في حق البشر، أم الحيوان أم الكوكب. لربما يكون هذا كافيا لكي نرضى بالاعتراف بهشاشة حضارتنا، بكتبها المقدسة، وفنونها ومؤسساتها؛ لكن مثلما يضعه مكارثي في مقابلة نادرة مع أوبرا وينفري، "كن ممتنا".
 

==================================

الهوامش

[1] الثيوديسيا (Theodicy): التفسيرات اللاهوتية للشر (ويكبيديا)

مترجم، المقال الأصلي للكاتب "ميشيل بورك"، في هذا الرابط

أكثر الأفلام ترشيحا للأوسكار

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك