اغلاق
آخر تحديث: 2017/6/13 الساعة 13:10 (مكة المكرمة) الموافق 1438/9/19 هـ

انضم إلينا
فيلم "موانا".. تقنيات مبهرة لرسم تفاعلات الطبيعة

فيلم "موانا".. تقنيات مبهرة لرسم تفاعلات الطبيعة

فريق الترجمة

مجموعة من المترجمين
  • ض
  • ض

في بادئ الأيام عندما كانت الصور المتحركة لا تزال فنًا جديدًا، كان تصوير المحيط فكرةً ثورية. كان تصويرُ لقطةٍ سطحيةٍ للأمواج قابلًا للتنفيذ بكل تأكيد، ولكن ماذا عن التقاط مقطعٍ للأحياء المائية التي تتمايل تحت سطح البحر، والأسماك السابحة، وضوء الشمس الرخامي المتراقص على قاع البحر؟ كان الإجماع يقول: لا يمكن تنفيذه.
  
إلا أن الحقيقة تقول إنه كان من الممكن تنفيذه. وهو ما تمكن الأخوان جون إرنست وجورج ويليامسون من إثباته قبل قرنٍ من الزمان، وهما ابنا قبطانٍ بحريٍ ومخترع.  من أجل تنفيذ الفكرة، لجأ الأخوان ويليامسون إلى إحدى قطع التكنولوجيا التي صممها أبوهما من أجل الغواصين الذين يعملون في عمليات الإنقاذ وعمليات إصلاح القطع البحرية تحت البحر.

 
كان الجهاز عبارة عن سلسلة من الأنابيب المرنة المتراكزة، وهي حسب وصف مكتبة الكونغرس "حلقات حديدية متشابكة تمتد مثل الأكورديون"، صُنعت لكي تتدلى من سفينة مجهزة خصيصًا لهذا الغرض لتُمكِّن الغواص من الهبوط إلى الأسفل داخل غرفة محكمة الإغلاق. يخرج من القارب الموجود فوق سطح البحر أحد طرفي الأنبوب، فيما تتدلى الغرفة الغاطسة من الطرف الآخر.
   
 
كان جون إرنست وجورج مفتونين بآلة أبيهم؛ فقد شاهدا من خلال البوابات الزجاجية الموجودة بطول الأنبوب أسماك النهاش الحمراء، والأسماك ذات الذيل الأصفر، وأسماك القُشر الثمينة، والمخلوقات اللامعة وهي تشق طريقها عبر الشعب المرجانية لجزر الباهاما. خطرت لهما فكرة إحضار كاميرا معهما في المرة القادمة. وفي وقت لاحق، عندما نشرا الصور الثابتة التي التقطاها في الصحف - تضمنت هذه الصور صورة مشوشة مستطيلة لسمكة قرش وصورة غامضة لأعشاب بحرية- والتي أحدثت هذه الضجة.
  
في نهاية المطاف، ستُستخدم أنابيب آل ويليامسون - المجهزة بغرفة جديدة مخصصة للرصد بالإضافة إلى نافذة كبيرة على شكل قمع - لتصوير المشاهد تحت الماء في فيلم "عشرون ألف فرسخ تحت الماء" الذي أنُتج عام 1916. تقول إحدى بطاقات العنوان في الفيلم الصامت "إنني أسمي هذه نافذتي السحرية"، وذلك قبل الكشف عن منظر رمادي غير واضح للمحيط. تضيف البطاقة "إننا ننظر إلى المشاهد التي قد تعتقدون أن الله لم يرد لنا أن نراها أبدًا". كانت المشاهد فوق العادة في هذا الوقت، وحقق الفيلم نجاحًا مبهرًا.
  
لطالما استخدم صناع الأفلام التكنولوجيا  لكي يوسعوا الحدود المتعلقة بكيفية تصوير المحيط منذ ذلك الحين، وليس فقط في أفلام الحركة الحية (Live-action films). أبهرت ديزني الجماهير في الآونة الأخيرة بفيلم الرسوم المتحركة "موانا" الذي يحكي عن قصة فتاة من جزر المحيط الهادئ تبدأ رحلةً بحريةً لتعيد اكتشاف إرث الاستدلال والإرشاد المكاني الذي كان أسلافها يتبعونه.
 

ظل مخرجا فيلم موانا، رون كليمنتس و جون موسكر، مهووسين بقصص المحيط لعقود من الزمان؛ فقد أخرجا فيلم  حورية البحر عام 1989. كان فيلم "بينوكيو" الذي أُنتج عام 1940، بتسلسل أحداثه المعروفة المتعلقة بابتلاع الحوت لبينوكيو، هو أول ما ألهم كليمنتس لأن يسعى وراء العمل في مجال الرسوم المتحركة. لكن تصوير المحيط في هذه الأفلام لا يساوي شيئًا حين المقارنة مع ما يراه الجمهور في فيلم موانا، الذي يعتبر تصويره للمحيط عام 2017 على نفس القدر من الريادة التي كان عليها تصوير "عشرون ألف فرسخ تحت الماء" للمحيط عام 1916.
  

 
قال مارلون ويست، الرئيس المشارك لفريق المؤثرات الحركية في فيلم موانا  "المياه تكون دائمًا صعبة. عادةً يكون لدينا في أفلام الحركة عشرات من مشاهد المياه. ويكون تنفيذها صعبًا". إلا أن أغلبية مشاهد فيلم موانا تتضمن تصوير المياه. كما أن المحيط ليس حاضرًا في المشهد وحسب، بل إن الأحداث تقع فوق المياه، ليُدخل فوق هذا طبقة أخرى من التعقيد. فضلًا عن أن المحيط الهادئ في فيلم موانا يكون أحيانًا مجسمًا، أي أنه يمكن تشبيهه بابن عم بعيد للمياه التي ظهرت في فيلم "الهاوية" (The Abyss) للمخرج جيمس كاميرون.
  
توصل فريق البرامج في ديزني إلى برنامج يسمى "سبلاش" (Splash) - وهو رفيق لبرنامج "ماترهورن" (Matterhorn) الذي استُخدم لرسم وتصوير الجليد في فيلم "ملكة الثلج" (Frozen) - ليساعد في أتمتة الطريقة التي سوف تتحرك بها المياه في المشاهد المتنوعة. يعتبر سبلاش وسيلة لـ"حل مسألة تركيب السوائل" تتصل ببرنامج "هوديني" (Houdini)، وهو برنامج طرف ثالث متخصص في الرسوم المتحركة ثلاثية الأبعاد.
 

ولكي يُستخدم حل تركيب السوائل، سيعمل خبراء المؤثرات على تعريف المنطقة التي يرغبون في محاكاتها - لنقل جزء من المياه حول قارب كرتوني - ثم يستخدمون ضبط الوضع لتحديد ماهية حالة المحيط التي ينبغي أن يبدأوا بها للمشهد. ومن هناك، سوف ينفذون المحاكاة على سطح المحيط المحدد مسبقًا؛ لكي يصلوا إلى رسم متحرك للطريقة التي تستجيب بها المياه للقارب. وسوف يدخل الناتج من تلك المحاكاة - الذي يتكون من "ملايين الجزيئات"، التي تكون بالضرورة ملايين النقاط الجديدة من بيانات الرسوم المتحركة - بعد ذلك في العرض النهائي للفيلم.
  

 
يتضمن سبلاش أيضًا سلسلة من الخوارزميات التي يمكن أن تحاكي رذاذ المياه، والدوامات، وآثار السفن في المياه. فقد نفذتها لوغاريتيمة الطفو في البرنامج، مما جعل الزوارق التي تنتقل فوق المياه في الفيلم ترتد داخل وخارج أمواج المياه ارتدادًا واقعيًا. (في كثير من المشاهد، ظهر كثير من هذه الزوارق في المياه معًا، ومتقاربين، وهو ما خلق تحديًا إضافيًا لعرض ذلك في هيئة رسوم متحركة).
  
قالت إرين راموس، الخبيرة الرئيسية للمؤثرات في الفيلم "بوصفنا منفذي مؤثرات، عندما نتعامل مع السوائل لا يمكننا دومًا التنبؤ بما سنحصل عليه من محاكاة المياه". وأضافت "الشيء الأصعب مع المياه أنها إن لم تبدو صحيحة، فيمكنك أن تعرف ذلك حقًا. حتى وإن كانت في الخلفية".
  
أخبرني خبراء المؤثرات في ديزني أنهم نجحوا في أتمتة التفاصيل الرئيسية لحركات المحيط في 80 في المائة من الوقت؛ مما يعني أنه من الممكن أن يكون لديك مساعد إنتاج ينفذ سيناريو ببساطة كي ينتج أثر القارب في هيئة رسوم متحركة. أخبرتني راموس قائلة "إن تنفيذ هذه السيناريوهات لإنتاج هذه الرسوم المتحركة يترك مساحة للمنفذين كي يركزوا على البراعة الفنية في المشهد؛ لذا يكون لديهم وقت لإخراج هذه اللقطات الكبيرة، ويكون لديهم القدرة على جعل المحيط يتحرك كإحدى الشخصيات".
  
يظهر المحيط في فيلم موانا قوةً مجسمةً تهمس إلى موانا على طول الطريق. فيما عدا أن شخصية المحيط لا تمتلك وجهًا، وهي لا تتحدث (أخبرتني منتجة فيلم موانا أوسنات شورير قائلة إنه بهذه الطريقة كان يشبه قليلًا السجادة السحرية الكرتونية في فيلم الرسوم المتحركة الذي أنتجته ديزني "علاء الدين"). لذا فإن خبراء المؤثرات والحركة في ديزني كانوا يمرون بحالة مستمرة من الحيرة بين رغبتهم في جعل المياه تبدو مثل المياه الحقيقية، ولكن في نفس الوقت تكون سحرية. قال ويست "كان ذلك تحديًا كبيرًا. إذ كانوا سيصورون المحيط تقريبًا كدمية الجورب، وكنا سوف نأخذ ذلك الشكل ونملأه بالفقاعات والسوائل، أو سننفذ محاكاة لذلك ونجعله ممتلئًا بالمياه كي نجعله يبدو مائيًا أكثر".

   
 
دارت كثير من المناقشات بين خبراء المؤثرات والحركة حول كيفية تحويل المحيط من حالته العادية إلى شخصية ذات تمثيل وإعادته مرة أخرى إلى حالته السابقة. قال ويست "ما جعل شخصية المحيط تبدو لشخص ما كأنها مياه ، بدا لشخص آخر مُسببًا للاضطراب والاستفزاز الشديدين. فلديك المحيط في الغالب باعتباره شخصية تظهر فوق موانا وهي في طور الطفولة وتظهر فوق جدة موانا، ولا ترغب أن يسبب ذلك شعورًا بالخوف، بل بالمهابة".
  
في النهاية كان إيجاد التوازن بين هذين التوقعين - وهما يتمثلان في صورة لمحيط يبدو طبيعيًا ويمكنه أن ينقل أيضًا تشجيعًا ودفئًا رقيقًا باعتباره إحدى الشخصيات - يعني الإبقاء على جزء من المياه أملسًا ومستديرًا عندما تظهر باعتبارها إحدى الشخصيات. كان هناك أيضًا لحظات عندما أُهمل اتباع قوانين الفيزياء من أجل المحافظة على تركيز الجمهور على الشخصيات.  أخبرني ويست قائلًا "إنه عالم مُصمم لأن ما يحدث هو سرد قصصي. كما أننا نحاول أن نخلق مياهًا تجد مكانًا لها في قلبك وفي عين عقلك أيضًا".
  
ثم كان هناك مسألة تمثيل المحيط بطريقة حقيقية؛ أي ليس واقعيًا من الناحية الفيزيائية، بل صادق من الناحية الثقافية. شكلت ديزني لهذا الغرض "الاتحاد القصصي للمحيط"، وهي مجموعة ممارسين ثقافيين من حول المحيط الهادئ ليشكلوا مجموعة استشارية للفيلم. وزن أعضاء المجموعة كل شيء في الفيلم، بدءًا من صيحة "الهاكا" ومرورًا بتصميم الوشم وحتى شعر "ماوي" نصف الإله ( رُسم أصلعًا في البداية.، إلا أن أعضاء المجموعة قالوا إنه لا يجب أن يكون كذلك، فمنحته ديزني شعرًا غزيرًا).
  
في رحلة البحث الأولى إلى جزر فيجي، قابل صناع الفيلم جيوجيوا بيرا (جيوجيوا تعني ملاك)، وهو دليل طرق بارع. أخبرتني أوسنات شورير، منتجة فيلم موانا، قائلة "لقد تحدث عن المحيط بصورة شخصية. كان يداعبه بلطف، وأخبرنا بأنه ينبغي علينا أن نتحدث إلى المحيط بلطف، إذ قال "المحيط يعرف". إنه يخرج في الصباح ليحيي المحيط كما يحيي عائلته. ترك هذا انطباعًا عميقًا لدينا".

    

 

بوغتت شورير وزملاؤها بموضوع أكبر متعلق بالترابط، نقله مجموعة من سكان جزر المحيط الهادئ الذين قابلوهم، وبالطريقة التي تنظر بها كثير من ثقافات الجزر إلى الأرض والبحر باعتبارهما غامضين. (على سبيل المثال، تجسدت هذه الفكرة في هاواي في مبدأ "آهابيوا" أو "الركام" (Ahupua'a)، وهي أجزاء من الأرض تمتد من الجبال حتى المحيط). وأيضًا الحد الذي تنظر به بعض الثقافات إلى المحيط نفسه باعتباره قوة رابطة. قالت ديون فونوتي، عالمة أنثروبولوجيا وإحدى أعضاء "الاتحاد القصصي للمحيط"، في مقابلة لها مع ديزني حول الميزات الإضافية لفيلم موانا "إننا لا نعتبر في المحيط أن المياه عائقًا أمامنا. ليست ثقافات الأشخاص والجزر هي ما تربطنا، بل إن المحيط أيضًا يربطنا".
  
بيد أنه عندما بدأ مشروع الفيلم، لم يكن لدى فريق ديزني أدنى فكرة عن كيفية تصوير كل هذا التعقيد، وحتى من المنظور التكنولوجي وحسب. ناهيك عن ذكر التحدي المنفصل، لكنه ذو صلة، لتحريك رسم مجسم للجزيرة البركانية. أخبرني ويست "أشعر بالفخر حقًا بما فعلنا. عندما وصلنا إلى النسخة النهائية للفيلم، لم يكن هناك شيء لأتراجع عنه، ودائمًا ما يكون هناك شيء كهذا".
  
لقد غير المشروع أيضًا الطريقة التي يفكر بها أخصائيو الرسوم المتحركة وخبراء المؤثرات حول المحيط الحقيقي. أخبرتني راموس -الخبيرة الرئيسية للمؤثرات- إنها قضت أكثر من عام ونصف في العمل على الوصول إلى هيئة سليمة للرسم المتحرك الخاص بالساحل، كما تقول إنها لا تستطيع الذهاب إلى الشاطئ حتى في هذه اللحظة دون ملاحظة أشياء لم تكن تضعها في عين الاعتبار على الإطلاق قبل عملها على فيلم موانا.
  
قالت راموس "أتعرف إنه يصعب علي أن أذهب إلى الشاطئ هذه الأيام. فعندما أكون هناك أنظر إلى كيفية تبدد الزبد، وإلى كيفية رجوع المياه إلى المحيط مرة أخرى، التناغم والإيقاع الذي تحدثه الفواصل القصيرة. إنني أنظر إلى كيف أن الشاطئ نفسه مُشكَّل لكي يصنع فواصل الشعب المرجانية، وكيف يؤثر الضوء على المياه، وإلى صفاء المياه نفسها وألوانها. يوجد ملايين الأشياء التي تدور في رأسي"، وأضافت قائلة "لا أعتقد أنه شيء سيء. بل أعتقد أنه فائق الجمال".
  

 _________________________________

   
المقال مترجم عن: الرابط التالي

أكثر الأفلام ترشيحا للأوسكار

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار