اغلاق
آخر تحديث: 2017/6/14 الساعة 11:25 (مكة المكرمة) الموافق 1438/9/20 هـ

انضم إلينا
فارس المدينة.. محمد خان ونهاية زمن اللعب

فارس المدينة.. محمد خان ونهاية زمن اللعب

محمد المصري

محرر فن
  • ض
  • ض

في عامِ 1991، أصدر محمد خان "فارس المدينة"، الفيلم الخامس عشر في مسيرته السينمائية الممتدة -حينها- لـ13 عاماً. لم يحقق العمل نجاحاً تجارياً، ولم ينصفه الزمن بما يكفي، حيث يعد من أقل أفلام الرجل شهرة وتقديراً، على الرغم من أنه -في الحقيقة- يعد واحداً من أهم أعماله، والفيلم الذي جمع فيه كل خيوط مشروعه السينمائي، وبشكل قَدَري كان ينهي به مرحلة رائعة من مسيرته، ليبدأ مرحلة أخرى أصعب. فلماذا كان "فارس المدينة" بتلك الخصوصية والأهمية والارتباط الوثيق بكل أفلام "خان" الأخرى؟

"خان" منتجاً لأول مرة
قبل هذا الفيلم، كان دائماً ما يجد "خان" وسيلة لإنتاج أفلامه، والمصادر لذلك متنوّعة لدرجة مدهشة، كان مجتهداً جداً ولا يتوقف عن البحث، لذلك فهناك أفلاماً أنتجها أبطالها: نور الشريف في "ضربة شمس"، يحيى الفخراني في "عودة مواطن"، فاروق الفيشاوي في "مشوار عمر"، ونجلاء فتحي في "سوبر ماركت". وهناك أفلام أخرى وقف وراءها منتجين جدد يرغبون في صنع سينما مختلفة مثل حسين القلا "زوجة رجل مهم" و"أحلام هند وكاميليا". أو مجموعة من الأصدقاء السينمائيين يؤسسون شركة "الصحبة" ويكون باكورة إنتاجها فيلم "الحريف".
 

 

وهناك مصادر إنتاج أكثر غرابة، يحكي عنها "خان"، من بينها أنه قابل تاجراً ذات مرة في أحد المصاعد وأخبره برغبته في إنتاج فيلم.. وكانت النتيجة هي عمل مختلف مثل "نص أرنب" (1). ويحكي أيضاً أن صديقاً قديماً له أصبح رئيساً لجزر المالديف! ودعاه لأن يصور فيلماً هناك وأن يحصل على كل المساعدات الإنتاجية المُتاحة، فذهب وأخرج "يوسف وزينب"(2).

تلك الحكايات عن الإنتاج وثيقة الصلة بأن العالم كان مفتوحاً -إلى درجة ما- في الثمانينيات، وهو الأمر الذي تغيّر كثيراً مع مطلع التسعينيات، ولا أدل على ذلك من فشل "خان" في الحصول على منتج لفيلمه الجديد "فارس المدينة". ليقرر الرهان والمخاطرة وإنتاجه بنفسه، اقترض من البنك، ورهن كل ما يَملك، ليصبح هذا هو أول إنتاجاته، ونتيجة لهذا القرار، كان حراً جداً في هذا الفيلم، دون أي ضغوطات أو تنازلات أو صراعات، ليقدم في الأخير عملاً شخصياً جداً، يضع فيه حياته وسينماه كلها.


أبطال الأفلام الأخرى يظهرون هنا
أهم وأوضح ما يجعل هذا الفيلم استثنائياً في علاقته بمشروع "خان"، هو أن كل شخصياته تقريباً هي امتداد ومتابعة لشخصيات أفلامه الأخرى، كأنه قرر في تلك اللحظة أن يجعلهم لحماً ودماً، ويتتبع مصائرهم. بداية من "فارس حسن الهلالي"، الشخصية الرئيسية، والتي هي امتداد لشخصية "فارس" التي أداها أحمد زكي في فيلم "طائر على الطريق" عام 1981 (ويشبهه في بعض التفاصيل كالإشارة لعمله سائق سيارة بيجو في شبابه) والأهم هو "فارس" الذي أداه عادل إمام في فيلم "الحريف" 1984، حيث يكمل مصير الشخصية بعد أن صار ثرياً (بعد العمل في تهريب السيارات ربما)، وتكون الشخصيات من حوله هي نفس شخصيات عالم فارس، تحديداً زوجته (التي صارت طليقته) "دلال" وابنه "بكر".

في أحد مشاهد الفيلم يزور "فارس" بيت طليقته، وتأتي الخادمة بالشاي، فيسألها "إزيك يا أحلام وإزاي أمك هند وخالتك كاميليا"، لندرك أن تلك هي الطفلة الصغيرة في "أحلام هند وكاميليا"، والتي لم تستطع الهرب من مصير عائلتها وأصبحت "خادمة" مثلهن. بائع المجوهرات الذي يقابله "فارس" في رحلة جمع أمواله هو "عمر"، بطل فيلم "مشوار عمر"، الذي ندرك أنه وصل في النهاية للمصير الذي حاول الهرب منه، وهو أن يخلف أبيه في إدراته لممتلكات العائلة. ومن نفس الفيلم، تأتي شخصية "نجاح"، التي لم تختلف حياتها كثيراً، مجرد عشيقة في الظل، تعيش حياة مرتبكة وغير مستقرة. "شاكر"، الذي يقابله "فارس" في المطار سريعاً من أجل الحصول على بعض أمواله المقترضة، هو نفسه بطل فيلم "عودة مواطن"، الذي ينتهي الفيلم السابق عليه وهو يفكر في الرحيل أو البقاء، بينما ساءت أموره هنا لدرجة أن يخرج هرباً.
 
 
تلك التجربة في جمع الشخصيات السابقة ومتابعة مصائرهم غير مسبوقة في تاريخ السينما المصرية، وتخلق أثراً قوياً جداً لمتابعي أفلام "خان"، فمن ناحية تجعل الشخصيات حقيقية فعلاً، كأنهم يعيشون ويتنفسون في الواقع ولن ينتهي مصيرهم بنهاية الأفلام. ومن ناحية أخرى فالأمر يبدو حزيناً لأن كل المصائر التي اختارها "خان" لشخصياته كانت سوداوية، وصلوا تحديداً إلى ما كانوا يخافون منه. وفي الأخير فهي تؤكد على أن "فارس المدينة" هو إغلاق للقوس ونهاية المرحلة التي ودَّع فيها عوالمه القديمة.

"خان" يظهر بنفسه
على الرغمِ من ظهور "خان" بشخصية درامية في فيلم "العوامة رقم 70" مع صديقه المخرج "خيري بشارة"، إلا أنه لم يظهر في أي من أفلامه الشخصية، لا كممثل، ولا كضيف عابر أمام الكاميرا كما يحدث من بعض المخرجين. الفيلم الوحيد الذي ظهر فيه كان "فارس المدينة"، في مشهد عابر يلاقي فيه "فارس" ويقول له أنه يعرفه منذ زمن طويل، ويسأله "انتَ مش فاكرني؟". يؤكد المشهد على البعد الشخصي للفيلم، كأن ذلك هو العمل الوحيد الذي أراد التوقيع عليه بظهوره -وبشخصيته الحقيقية- ليتفاعل مع شخصياته.
 

 
فيلم طريق داخل المدينة
منذ بداية مسيرته مع "ضربة شمس"، كان "التصوير في الشارع والأماكن الحقيقية" نقطة تميز أساسية في سينما محمد خان. الناقد سامي السلاموني يلتقط ذلك في مقالة بمجلة الإذاعة عام 1979 (3) ويقول: "قد يتصور البعض أن مسألة التصوير في الشارع هي مجرد مسألة شكلية، ولكن مشكلة السينما المصرية طوال تاريخها أنها سينما لا تجرؤ على النزول للشارع، وتحصر نفسها دائماً في ديكو الكبارية أو قصر الباشا، وهي حتى عندما تضطر للنزول للحارة فإنها تصنع ديكور حارة، وديكور الحارة بالتأكيد ليس هو الحارة، لأنه يفتقد لمسة الصدق وحرارته وربما رائحته أيضاً".
 
 
لذلك فأفلام "خان"، وإلى جانبه ووراءه جيل كامل مثل عاطف الطيب وخيري بشارة وغيرهم، تعاملت مع المكان بصورة مختلفة عن كل ما كان قبلها. و"فارس المدينة" ليس استثناء، ولكنه يعبر عن تلك النقطة بصورة مختلفة، كأن "خان" أراد أن يصنع "فيلم طريق - (Road Movie)"، تكون فيه السيارة والرحلة هما الأساس الذي تدور حوله الأحداث (4)، ولكن بإضافة "خانية".. في أن يجري كل شيء داخل المدينة، وليس على طرق السفر كما جرت العادة. تلك التفصيلة، وارتباطها بحكاية الفيلم عن رجل يحاول جمع أموال من مصادر وأماكن متعددة، منحته فرصة التصوير بأماكن كثيرة مترامية الأطراف، ليوثق القاهرة ويلتقطها كما أحب دوماً.

بطل "خان" لا ينهزم
في كل أفلام محمد خان الأسبق، باستثناء كوميديا "خرج ولم يعد"، ينهزم البطل في النهاية، الهزيمة الأكثر كلاسيكية وشهرة هي هزيمة "فارس"، بطل فيلم "الحريف"، حين يقول في النهاية جملته الشهيرة عن أن "زمن اللعب راح". وهذا هو ما يحدث لبقية أبطال الأفلام بلا استثناء، بدايةً من شمس الذي يسير مهزوماً جداً بميدان التحرير وتتغير علاقته بالمدينة إلى الأبد مع نهاية "ضربة شمس". أبطال "موعد على العشاء" يُقتلون، حقيبة "نص أرنب" تنتهي في البحر بعد أن دمرت حيوات الأشخاص المرتبطين بها، "هند وكاميليا" يفقدون كل أموالهم ولا يبقى لهم إلا حلم إسكندرية،  بطلة "سوبر ماركت" تغير قناعاتها والبطل المتمسك بمبادئه يجد صعوبة في التواصل مع العالم. وغيرها من نهايات الهزيمة في بقية الأفلام.
 
 
نهاية "فارس المدينة" مختلفة، حيث ينسحب البطل في هدوء، ويعيش مع من يحب، وتكون نهاية "شبة سعيدة" للمرة الوحيدة في أفلامه الدرامية. ولا يمكن أبداً فصل تلك اللحظة الختامية المنسحبة الهادئة عما حدث في حياة المخرج نفسه، حيث كانت تلك النهاية هي ختام "مشروعه الفني" بشكله القديم.

ما بعد "فارس المدينة"
خسر "خان" أمواله في الفيلم، وفي محاولة لتعويض خسائره دخل في 3 مشاريع يغلب عليها الطابع التجاري: إثنان مع المنتج الجديد -حينها- محمد السبكي هما "الغرقانة" و"مستر كاراتيه"، والثالث هو "يوم حار جداً"، الذي أنتجه بنفسه وبميول جماهيرية واضحة تلك المرة، فوضع فيه 3 من أكثر نجوم تلك اللحظة شعبية:المطرب محمد فؤاد، وشيريهان، ومحمود حميدة مرة أخرى -بعد أكثر من عمل ناجح قام ببطولته- ولكن النتيجة لم تكن جيدة، فنياً وجماهيرياً. وبالتزامن مع ذلك كانت أحوال السينما والإنتاج تسوء بشدة في مصر، للدرجة التي جعلت مخرج بقيمة وحجم "خان" يتوقف  7 سنوات كاملة عن الإخراج، ويعود بفيلم "أيام السادات" الذي جاء أبعد ما يكون عن أفلامه القديمة، قبل أن تستمر المعاناة والضغوطات مع كل فيلم جديد حتى نهاية حياته.
 
ليكون "فارس المدينة" هو آخر فيلم يخرجه دون ضغوطات، والذي جمع فيه سينماه وشخصياته وتفاصيله وهو نفسه داخل عمل واحد، في وداعية شاعرية جداً لـ"زمن اللعب" وبداية زمن كان أصعب عليه بكثير.
أكثر 20 مدينة جذبا للزوار عالميا خلال العام 2016

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك