اغلاق
آخر تحديث: 2017/8/23 الساعة 15:48 (مكة المكرمة) الموافق 1438/12/1 هـ

انضم إلينا
أفلام مارون بغدادي.. لوحات مطرزة تؤرخ الحرب الأهلية اللبنانية

أفلام مارون بغدادي.. لوحات مطرزة تؤرخ الحرب الأهلية اللبنانية

إسلام السقا

محرر سينما
  • ض
  • ض
حاك النقّاد لوحات مطرزة من حروف في وصف المخرج اللبناني الراحل مارون بغدادي.. حياته، أعماله ورحيله المفاجئ، ولكنها لم تهتدِ لفكّ شيفرة غموضه في غالب الأحيان. كتب البعض عنه وعاد لمغالطة نفسه(*) بعد سنوات، حين أعاد قراءة أعمال بغدادي من منظور مغاير؛ ليثبت بذلك أنه ما زال عصيا على الفهم ومَدعاة مستمرّة للدهشة والتساؤل الدائم "كيف فعلها؟".

 

بدأت الغرابة تحيط بمارُون بغدادي عندما بدأ المؤرخون بنسب انطلاقة السينما اللبنانية الجديدة ونهضة السينما البديلة في لبنان(1) لفيلمه "بيروت يا بيروت" إلى جانب فيلم "كفر قاسم" لبرهان علوية. الشريط الذي "تجاهله صاحبه أو أنكره، وأضاع حتى نسخته الأصلية حسبما تروي الأسطورة"(2). كان قد شاهده قلّة من "المحظوظين" في عرضه الخاص وقت صدوره عام 1979 قبل أن يعود من العدم، أو من تحت ركام بيروتي يشبه إلى حد بعيد الخراب الذي تنذر به قصّة الفيلم ومناظره. عُرض الفيلم بعد عملية ترميم دامت سنوات وبذلك العرض رجعت الصحف لإطلاق وصفها المحبب عن الرجل بأنه سيّد "التنبؤات"(3).

 

فيما كان يشير أهم النقاد العرب على قدرات مارون بغدادي الاستشرافيّة بأحداث سياسيّة واجتماعيّة عصفت ولا تزال بتفاصيل وعموميات الحياة داخل لبنان منذ الربع الأخير من القرن الماضي، كان بَغدادي قد تنبّأ أيضا بوفاته(4). فالنهاية التي وضعها لواحدة من شخصيات فيلمه الأخير كانت قد أصابته في مقتل!

 

كان يرى بغدادي بعينه الثاقبة مستقبل جيل بأكمله، عجز هو عن استكشاف ما تحت قدميه، والسبب تلك العتمة القاتلة التي سبّبها انقطاع التيار الكهربائي عن المدينة الغارقة آنذاك (1993) في أوهام "إعادة الإعمار"

  

هل خطر في باله أنه، في أوجّ عطائه الفنّي، سيكون ضحيّة السياسيين الجدد الذين عجزوا عن إيجاد حلّ لتفاقم أزمة انقطاع التيار الكهربائي؟ حدث الأمر على غفلة منه ومن أصدقائه الذين كانوا ينتظرونه في سيارتهم أسفل البناية حيث تقع شقّة والدته حين تعرّض لخيانة أو "زلة قدم" أودت بحياته على سلالم ذلك المبنى.

 

فيما كان يرى بغدادي بعينه الثاقبة مستقبل جيل بأكمله، عجز هو عن استكشاف ما تحت قدميه، والسبب تلك العتمة القاتلة التي سبّبها انقطاع التيار الكهربائي عن المدينة الغارقة آنذاك (1993) في أوهام "إعادة الإعمار". ليبقى غيابه كما بداياته محفوفا بالألغاز خصوصا بعد ما أورده الكاتب والمحلل السياسي جوزيف سماحة، الصديق القديم لمارون بغدادي، عن ملابسات موته في كتاب "قضاء لا قَدر".

 

انزلق مارون بعمر 43 عاما(5)، داخل فجوة لمصعد كهربائي غير مكتمل ولكنه ارتقى بأعماله أمام عيون محبي الفن السابع في العالم، وهو الذي نال شرف جائزة التحكيم في مهرجان "كان" عام 1991، في وقوف صلب ومشهود أمام قامات سينمائيّة كبيرة مثل جويل كوين وسبَايك لي وكِريستوف كيسلوفسكي. أما الفيلم نفسه "خارج الحياة" فكان من نصيبه أن يتناصف الجائزة مع "أوروبا" لارس فون ترير الذي اهتدى لاحقا لصياغة عريضة دوغما الشهيرة كرمز للسينما الشبابية المناهضة للسينما ذاتها.

 

فيلم: بيروت يا بيروت، 1975

لا داعي للمجاملات عند الحديث عن هذا الفيلم، فصاحبه فارق حياتنا منذ زمن وبالتأكيد لن تكون حقيقة اعتباره الفيلم الأول لبَغدادي مدعاة لتبرير ضعف الفيلم فنيا وتقنيا. ثبت عبر الزمن أن بَغدادي كان يخجل من هذا الفيلم، وحين حمل فيلمه "حروب صغيرة" للعرض في "مهرجان كان" سجّله على أنه فيلمه الطويل الأوّل(6). لكن أحيانا، ما لم تُحسن طاولة المونتاج تنميقه، تشفع له مكانته التاريخيّة!

 

المخرج اللبناني مارون بغدادي (1950-1993م) (الصحافة اللبنانية)

  

"أنا مش مع حدا معيّن، أنا مع الحاضر" يقول أب لشابين في الرُبع الأوّل من الفيلم قبل أن نراه في ربعه الأخير وهو يقول "السفر أحسن شي" مقررا مغادرة البلاد. لم يكن هذا الرجل صاحب التحوّل الوحيد في الفيلم، في الحقيقة، يبدأ الفيلم بزجّنا داخل صراعات حزبية وسياسية واجتماعية مختلفة تربط بين شخوص الفيلم وعلاقاتها المتنوعة ببعضها البعض، جزء من تلك العلاقات يبدأ بصورة إيجابية لكن هذا لن يمنعها من ملاقاة المصير السوداوي المشابه لبقِيتها في فيلم "رؤيوي يبشر بالخراب الآتي، ويصوّر بِسذاجة وعفوية تناقضات مجتمع عند حافة البركان"(7).

 

المصير المُوحَّد بين خطوط الفيلم المختلفة يعانق زمن الفيلم المتخيّل بين عامي 1969 و1970 حيث السنة الأخيرة من عمر الزعيم المصري جمال عبد الناصر ووفاته في المشهد الأخير من الفيلم وما شكّله هذا الحدث من ضياع لجيلٍ شاب كان يعلّق آماله أحيانا في الأماكن الخاطئة. وبهذا كان "بيروت يا بيروت" الفيلم اللبناني الأوّل الذي يُسمي الأشياء بمسمياتها ويقول إن "ثمة في البلد انقسامات هي أصلا من العمق الكافي لخرابها"(8).

 

هناك أربع شخصيات ذات مصائر متهاوية ببطء، الأوّل هو المحامي المسلم كمال ويؤدي دوره الممثل المصري عزت العلايلي (هذه المرّة بلهجة لبنانية سليمة تماما)، والُمثقف المسيحي إميل، والطالبة البرجوازية هلا، والعامل الجنوبي الذي يبحث عن معنى في مدينة "معجوقة بحالها وبناتها حلوين" كما يصفها.

 

يصبح موضوع الفيلم في نصفه الثاني هو البناية التي تتعرض للهدم من قبل القوى الرأسماليّة فيما يواجه ذلك كمال ومجموعته الجامعيّة التي تلتقي في أحد المقاهي ومن حولهم ملصقات ثورية وصورة لعبد الناصر تعلو رؤوسهم. "خلافنا بالأساس خلاف سياسي" يقول كمال الذي لن يحول دون تشرّد أهل العمارة المهددة بالهدم، والتي تحوّلت، كما يقول بيار أبي صعب، إلى رمزية للمدينة بأكملها اليوم.

 

فيلم: حروب صغيرة، 1982

 

سريعًا يعرّفنا بغدادي بشخصيات فيلمه الرئيسية، مصوّر صحفي متهوّر يدعى طلال، شاب يتخذ من السخرية سلاحا في مواجهة الحرب وزمنها، يستمتع في التسكُّع مع المسلحين في بيروت بنفس القدر الذي يستمتع فيه بالكذب عندما يقوم بنسب البطولات لنفسه، بالنسبة للآخرين هو دائما مرابط على الجبهة بينما من الممكن أن يكون في غاية البعد عن ذلك في أحد بارات بيروت.

 

يتعرّف نبيل على ثريا، صحفية تعمل في بيروت وتربطها علاقة عاطفية مع الشخصية الثالثة، طلال، الشاب الذي يتعرض والده، رجل الأعمال، للاختطاف في بيروت بينما يذهب هو برفقة صديقه سليم للبحث عنه في منطقة البقاع حيث يُصنع قرار الحرب.

 

تتضح معالم الفيلم شيئا فشيئا عندما نشاهد مجموعات المسلحين المتهورين والطائشين في بيروت وغيرها لا يحكمهم أي فعل ثوري أو عسكري منضبط، بينما يهتم الجميع بالظهور بصورة حسنة أمام كاميرات الصحفيين الأجانب الذين يبحثون بدورهم عن "الأكشن" لا المغزى السياسي أو عدالة القتال مثلا.

 

"الطريقة الساخرة التي صُنع بها هذا الفيلم كانت موجودة في السيناريو، كُتبت بهذا الشكل، لأن هذا السلوك أو ردّ الفعل كان موجودا بالفعل أثناء الحرب اللبنانية" تقول ثريا خوري(9)، أرملة المخرج الراحل والتي قامت بتجسيد شخصية الشابة ثريا في الفيلم. مواقف مثل "أنا لا أخشى الحرب" أو ارتداء زي البطولة كانت رائجة آنذاك وتم تجسيدها في الفيلم.

 

يخلو الفيلم من دراما حقيقية بالنسبة لعمل يصوّر الحرب الأهلية في لبنان، ربما لأنه ليس فيلما عن الحرب بل عن "الحروب الصغيرة التي يخوضها أشخاص على هامش الحرب"(10) في بيروت مدينة الموت والحرب التي تعيش حالة غير صحيّة لأبنائها. وربما كان السبب في عدم تعمق بغدادي في تلك التفاصيل هو إرادته في البعد عن التصنيف، فقامَ بطمسِ الهويات الدينية للأبطال كما أخفى ملامح وجودهم كي لا يتم احتسابِهم لصالح جهة على حساب أخرى.

 

فيلم: خارج الحياة، 1991

 

يعتبر أكثر أفلامه نضجا وآخرهم عن الحرب الأهلية، يروي قصّة اختطاف صحفي فرنسي أثناء تغطيته لمجريات الحرب اليومية في بيروت، واحتجازهِ رهينة في يد جماعة من المسلحين، وهي قصة مقتبسة عن وقائع حقيقية، يبدو فيها السجان غير مهتم بأسباب احتجازه بقدر تركيزه على أهمية الاحتجاز نفسه كفعل بلا هدف منشود.

 

أمّا الصحفي الذي كان على احتكاك خارجي بالحربِ ومجرياتها، يرى الصورة العامة والعنف الذي تعرضه الصحف والشاشات دون أن تفهم دوافعه ومبرراته، يكتشفُ هو أيضا الحقيقة وراء هذه الحرب بعد أن أصبح جزءا منها ومضطرًا للتعامل مع أسوأ ما فيها حيث يحتك لأول مرة من مسافة صفر مع قصص أولئك المنخرطين في تفاصيلها. "لقد أصر مارون بغدادي(11) ضمن هذا السياق على أن يقول لنا إنه حين كان ذلك الصحافي طليق العين، كان ينظر إلى الحرب بتبسِيطية الصحافي المتنقل، الشاهد غير المتورط الذي لا يهمه من الحدث سوى شكله الخارجي كمادة تصوّر"، كما كتب الصحافي رضا حريري في معرض مقارنته بين حال الصحافي المختطف قبل وبعد عصب عينيه.

 

في إحدى مقابلاته(12) عام 1979 والمنشورة في كتاب إبراهيم العريس "الحلم المعلق" يوضح بغدادي "نظرته للحرب والهويّة كواحد من هواجسه" التي لطالما ظهرت في شخصياته وتجلت وضوحا في فيلم خارج الحياة الذي شارك إلياس خوري في كتابةِ حواراته.

 

يقول "في السينما بإمكانك أن تعيد تركيب الحياة: تكرهها، تخلقها.. ومن الواضح أن هذا لا يعني الهروب من الواقع، بل إعادة تركيبه. فأنت كإنسان لا تهيمن على الحاضر، إلا عندما يصبح ماضيا وتعيد تركيبه، لهذا كله أحب السينما التي تحتوي على عنصري اللون والزمن. في النهاية، الزمن هو الذي يعيدنا إلى السؤال الأساسي: متى الموت وكيف نموت؟ الشيء الوحيد الذي تعرفه في الحياة هو الموت. وفي رأيي أن أهمية السينما تكمن في قدرتها على طرح هذا السؤال. يمكن أن أقر بأن كل أفلامي إنما هي تساؤلات حول يقين واحد هو الموت. هناك دائما سحر الموت، الموت بوصفه الشيء الوحيد الذي نحن أكِيدون منه لكننا لا نعرف شيئا عنه.. أصارحك بأنني من خلال الحرب، من خلال الموت، عرفت للمرة الأولى أنني أنتمي إلى هوية معينة. عرفت أن بإمكان الناس أن يموتوا بسبب هويتهم".

  

=======================================

 

هوامش:

وضح ذلك الناقد إبراهيم العريس عندما شاهد قبل سنوات فيلم بيروت يا بيروت وقال إنه لا يشكل نبؤة للحرب بعكس ما كان يتصور.
مئوية سايكس بيكو

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك