اغلاق
آخر تحديث: 2017/8/26 الساعة 12:43 (مكة المكرمة) الموافق 1438/12/4 هـ

انضم إلينا
كيف تحول الروائي "ستيفن كينغ" إلى ملك أفلام الرعب؟

كيف تحول الروائي "ستيفن كينغ" إلى ملك أفلام الرعب؟

إسلام السقا

محرر سينما
  • ض
  • ض

خرج والدهُ وهو بعمر الثانية لشراء السجائر ولم يعد منذ ذلك الحين(1)، تعرّض لحادث سير كاد يودي بحياته(2)، عاش في ظلال هاجس هجر والدته له كما فعل أبيه، كان شاهدا على حادث مقتل صديقه دهسا تحت عجلات قطار(3)، دخّن علبتين من السجائر يوميا وتعاطى المخدِرات(4)، أدمن الكحول، اُعتُقل أثناء الشرب وشاهد الكوابيس في صغره عن أقارب شنقوا أنفسهم وغربان تفقأ عينيه.. ولكنه اليوم صاحب أكبر عدد من الكتب التي تبنّتها السينما في التاريخ.(5)

 

لا يتحدث الروائي الأميركي ستيفن كينغ عن ماضيه كثيرا، ولكن يرى كثيرون أن ظروفا معيّنة صنعت من اسمه رمزا لأدب الرعب في العالم الحديث، وأن وجوده رسم معالم سينما الرعب لتصل للشكل الذي نعرفه اليوم. كانت البداية عندما لمع اسمه مع أول رواياته التي تحولت إلى فيلم سينمائي، صارت بعدها الكثير من كتاباته مصوّرة(6)، وصلت أعدادها إلى 42 فيلما(7) و17 مسلسلا دراميا عدا عن الأفلام التلفزيونية وإعادة الإنتاج لبعض تلك الأعمال، كان من ضمنهم أفلاما لا تصنف ضمن قوائم سينما الرعب ولكنها حققت نجاحا مبهرا لستيفن كينغ مثل أفلام "الميل الأخضر" (The Green Mile) و"الخلاص من شاوشانك" (The Shawshank Redemption) و"قف بجانبي" (Stand by Me).

 

بعمر 26 سنة، كان ستيفن كينغ مدرّسا للغة الانجليزية في إحدى المدارسة الخاصة بولاية "مين" الأميركية، عملت زوجته في أحد محال بيع الحلوى، تعاونا معا من أجل تغطية نفقات المنزل، مما اضطره للعمل في أكثر من وظيفة واحدة. رغم ذلك، فإن نيران الشغف كانت لا تزال تحترق في داخله، كل ما أراده هو الجلوس أمام آلة للكتابة والبدء بنسج الكلمات التي يحب.

  

بالنسبة لكينغ، فإن أفلام الرعب لا تستحوذ على الكثير من الاحترام من قِبل صانعي الأفلام، ويأتي هذا ضمن جملة آرائه الغريبة حول أفلام الرعب التي اعتبرت ناجحة بينما يراها هو سيئة

رويترز
  

تمكّنت "تابي" التي تزوجها قبل أعوام قليلة من استعارة آلة للطباعة من الجامعة. كانت الشائعات تدور أصلا بأن كينغ تزوجها لأنها تستطيع توفير تلك الآلة، وهو ما نفاه كينغ قبل عدة سنوات. لاحقا كان كل ما يفعله كينغ هو الجلوس في غرفة الغسيل والكتابة طول الوقت الذي لا يكون فيه في عمله، فيما كانت تهتم زوجته بأعمال المنزل وتوفير الجو الملائم له.

 

في أحد الأيّام، يتلقى كينغ، الشاب المتزوج حديثا وشبه المفلس(8)، عرضا لا يمكن مقاومته بزيادة راتبه السنوي 300 دولار وترقيته، كان الخبر مُفرحا وأراد به إسعادِ زوجته لكنها أبدت ردا غير متوقع:

- هل سيكون لديك وقتا للكتابة؟

- ليس الكثير.

- إذًا يجب عليك رفض العرض.

 

وهو ما فعله كينغ، وبتلك الخطوة الجريئة، كان يفتتح لنفسه طريقا نحو المجد خلال سنة واحدة فقط عندما أصدر روايته الأولى "كاري" 1974.

 

واجه الكاتب الشاب صعوبة أثناء كتابة تلك الرواية، بعد عدة صفحات قرر تمزيق ما كتبه والإلقاء به داخل سلة المهملات. كانت الأسباب متعددة وتدور حول الوقت الذي سيستغرقه كتابة هذه الرواية وجهله بكثير من طبيعة كتابة الشخصيّات النسائية في الروايات. في اليوم التالي، أتت زوجته لتنظيف سلة المهملات فوجدت الأوراق المكرمشة بداخلها، أخرجتها وأشعلت سيجارة وباشرت بالقراءة، وعندما حضر كينغ أخبرته "عليك إنهاؤها"، وهو ما فعله بعد أن ساعدته تابي برواية القصة. عندما انتهى منها، عرضها على ثلاثين ناشرًا، ورفضوها جميعهم.(9)

 

وفي يوم عادي، تخرج زوجته لبيت إحدى جيرانها للتحدث عبر الهاتف، لديها شيء مهم لا يحتمل التأجيل، في المدرسة كان كينغ مُمسكا بسماعة الهاتف ويستمع إلى أهم خبر في حياته، وافقت إحدى دور النشر على طباعة الرواية والمقابل 2500 دولار. كان أكبر مبلغ يحصل عليه نتيجة الكتابة في حياته. بعدها، أصبح لدى كينغ هاتفا في منزله.

    

    

توالت النجاحات لهذه الرواية التي يصفها كينغ نفسه لاحقا بأنها "تشبه قطعة كيك صنعها شخص غير محترف، لذيذة ولكنها محترقة من الأسفل". تحوّلت الرواية لفيلم عام 1976 بعد أن حازت على عدد من الجوائز وأصبحت الرواية الأكثر مبيعًا في وقتها، أخرج الفيلم المخرج الأميركي من أصل إيطالي برايان دي بالما ونالت الأدوار النسائية ترشيحات لجوائز الأوسكار في العام الذي يليه.

 

"اعتادت أمي إخباري وأنا طفل بأنني إن صرخت بأعلى صوتي بأكثر الأشياء التي تسبب لي الذعر فإنها لن تتحقق، وربما كانت هذه قاعدة لعملي فيما بعد. أنا أكتب عن مخاوفي"

(ستيفن كينغ) (10)

 

شكّل فيلم "كاري" (Carrie) بداية ردّ اعتبار للمرأة في أفلام من غير المتوقع أن يكون لها دور بطولة فيه، ففي الفيلم نجد أن جميع النجوم هم نساء، الأمر لا يقتصر على كاري فحسب، ولكن حتى من يسعى لإنقاذها كانت أيضاً أنثى(11)، والحضور الذكوري في الفيلم اكتفى بكونهم على هامش الأحداث. تصدّر الفيلم كافة قوائم المواقع الإلكترونية لأفضل الأفلام المقتبسة عن كتابات ستيفن كينغ هذا العام. لكن البداية الفعلية لعصر كينغ كانت مع فيلم "البريق" (The Shining) عام 1980 والذي أخرجه الأميركي ستانلي كوبريك. (12)

 

الفيلم يروي أحداثًا عاشها جاك تورانس (يؤدي دوره جاك نيكلسون) الكاتب المدمن على الكحول الذي يقيم الآن في أحد الفنادق المعزولة مع زوجته وابنه الصغير داني الذي يملك قدرات غير طبيعية تمكِّنه من اكتشاف الماضي الفظيع لهذا الفندق، حيث شهدت ممراته حادث قتل قديم، وفي أحد الأيام تسيطر روح الفندق على جاك الذي أصبح مصدر خطر على زوجته وابنه.

 

حقق الفيلم نجاحًا كبيرًا رغم عدم رضى كينغ عنه، حيث وصفه في مقابلة له "يشبه سيارة نظيفة وجميلة ولكنها تفتقد لمحرّك يشغّلها"،(13) تبنّى قرّاء الرواية هذا الرأي حيث اعتبروا الفيلم أيضا باردا ومُسيئا. كان هذا بالتأكيد قاسيا على كوبريك المخرج الكبير والذي ساهم في إثراء السينما العالمية بأفلامه، إلا أن عزاؤه الوحيد أن رأي كينغ ينطبق تقريبا على كافة الأعمال التي اقتبست كتاباته سواء في السينما أو التلفزيون.

   

 

يبدو العمل الوحيد الذي يعجب كينغ هو "ذا دارك تاور" (The Dark Tower) الصادر هذا العام والمقتبس عن رواية من ثمانية مجلدات كان قد كتبها بين عامي 1998 و2012. يحكي الفيلم الذي فشل في إعجاب الجمهور والنقّاد، قصّة فتى مراهق ينتابه مجموعة من الأحلام عن برج أسود يتعرّض لهجوم، يستمر برسم أحلامه بالورقة والقلم بطريقة تجعله يبدو مُختلا نفسيا للمحيطين به، وفي أحد الأحلام يكتشف الطريق للعالم الموازي الذي يراه في أحلامه ويقرر الانخراط في صراع لإنقاذ الأرض.

 

كانت أعمال ستيفن كينغ مصدر إلهام للفنانين على مختلف مستوياتهم(14)، صنعوا أعمالا لاقت رواجا في محاولتها لاستحضار العوالم التي أسسها كينغ، مثل أفلام ستيفن سبيلبرغ(15) الأولى ومسلسل "أشياء غريبة" (Stranger Things) وفيلم "زودياك" (Zodiac) و"جزيرة شاتر" (Shutter Island).

 

قد يكون السبب في ذلك هو تعدد مواهب ستيفن كينغ الكتابيّة وتنوعها بين أدب الرعب وأدب الخيال العلمي وأدب الفانتازيا والدراما الانسانيّة، والآن تمتد تشعباته العبقريّة لتصل مجال الخيال التاريخي مع مسلسل 11.22.63 الذي بدأ عرضه العام الماضي وهو من بطولة جيمس فرانكو الذي يحاول العودة بالزمن لعام 1960 حيث عليه إنقاذ الرئيس الأميركي جون كينيدي من الموت في حادث الاغتيال الشهير، لكن المعضلة أنه يلتزم بالبقاء في ذلك العالم لمدة ثلاث سنوات مع أنّ غيابه عن عالمه الحاضر لن يتجاوز ثلاث دقائق.

 

يرى البعض أن تأثير كينغ على أدب الرعب تجاوز كل الحدود، وجعله الأشهر عالميًا بهذا المجال إلى درجة قيام المكتبات العامة بتخصيص قسم لأدب الرعب بعد أن كانت روايات الرعب غير معترف بها كتصنيف مستقل.(16) أثّر كينغ على كُتّاب آخرين وعلى صناعة السينما من خلال كتاباته، ولكنه في ذات الوقت حاز على النصيب الأكبر من التأثير على ألعاب الفيديو. (17)

 

تبدو أكثر الألعاب تأثراً هي "آلن ويك" (Alan Wake) وهي لعبة فيديو رعب نفسي تحكي قصّة كاتب رعب يعاني من أزمة نفسية تضطره للسفر إلى  إحدى البلدات النائية حيث يسعى للحصول على علاج نفسي، وهناك تحدث له مغامرة مخيفة تتعلق باختفاء زوجته. أما لعبة "التل الصامت" (Silent Hill) فقد اعتمدت على نوع جديد من الرعب في ألعاب الفيديو وهو الرعب النفسي الذي يواجهه هاري ماسون، اللاعب الرئيسي، عندما تختفي ابنته بعد حادث غامض يرتكبه أثناء قيادته لسيارته بصحبتها عندما قررا الذهاب لقضاء عطلة والاستجمام.

  

ينتظر الجمهور هذا العام صدور فيلم (It) المقتبس عن أحد أعمال ستيفن كينغ إلى جانب مسلسل (Mr. Mercedes ) الذي بدأ عرضه بالفعل (مواقع التواصل)

  

 "أُحب الجريمة، أحب الغموض وأُحب الأشباح"

(ستيفن كينغ) (18)

 

بالنسبة لكينغ، فإن أفلام الرعب لا تستحوذ على الكثير من الاحترام من قِبل صانعي الأفلام، ويأتي هذا ضمن جملة آرائه الغريبة حول أفلام الرعب التي اعتبرت ناجحة بينما يراها هو سيئة، ويمتد الأمر لأداء الممثلين في أفلامه، فمثلا كانت كاثي بيتس أكثر من حصلوا على تقدير جراء قيامهم بدور في أحد الأفلام المقتبسة عن قصة لستيفن كينغ عن دورها بفيلم (Misery) عام 1990، خصوصا بعد حصولها على جائزة الأوسكار. لكن بالنسبة لستيفن كينغ فإن الممثلة ديي والاس كانت تستحق تقديرا أكثر عن دورها في فيلم "كوجو" (Cujo) عام 1983، "أداؤها تعلو قيمته في كل مرة أشاهد الفيلم" يقول كينغ.

 

في فيلم "ليلة في السينما: رعب ستيفن كينغ" (A Night At The Movies: The Horrors Of Stephen King) الوثائقي، يكشف كينغ عن الأفلام التي أثرت عليه في بدايته وعن الأفلام التي ظهر اسمه عليها وعن سينما الرعب عموما ليكشف قرب نهايته عن سر جديد يتعلق بأفلام الرعب التي يحبها، فيقول إنه يفضّل فيلم مثل "مشروع الساحرة بلير" (The Blair Witch Project) الصادر عام 1999 لأنه يكسر الصورة النمطيّة لأفلام الرعب، فنحن هنا نشاهد فيلما عن أشخاص يصنعون فيلما، فتحولت تجربتهم إلى فيلم رعب بحد ذاته. وعلى نفس المنوال، فإن فيلم "نشاط خارق" (Paranormal Activity) يتميز بدوره، صانعًا عملًا ناجحًا جماهيريًا وبميزانية منخفضة للغاية.

 

ينتظر الجمهور هذا العام صدور فيلم "الشيء" (It) المقتبس عن أحد أعمال ستيفن كينغ إلى جانب مسلسل "السيد مرسيدس" (Mr. Mercedes ) الذي بدأ عرضه بالفعل، ليدلل ظهورهما بالتزامن مع إصدار فيلم "ذا دارك تاور" (The Dark Tower) أننا مازلنا أمام مفاجآت كثيرة تختبئ في جعبة "ملك الرعب".

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك