اغلاق
آخر تحديث: 2017/9/24 الساعة 16:42 (مكة المكرمة) الموافق 1439/1/4 هـ

انضم إلينا
غوص في أعماق روح سينما كريستوف كيسلوفسكي

غوص في أعماق روح سينما كريستوف كيسلوفسكي

فرح عصام

مترجمة
  • ض
  • ض
مقدمة المترجمة

كريستوف كيسلوفسكي أو "كيشلوفسكي"، هو مخرج بولندي أبدع العديد من التحف السينمائية والتلفزيونية التي تركت ما يمكن تسميته "أثر الفراشة" على السينما والتلفزيون بعد أكثر من ثلاثين سنة. لقد مثلت لمسة كيسلوفسكي على النص السينمائي، والمشهد السينمائي أيضا؛ مثَّلت لمسة شاعرية لا تنتمي إلى عالم التسلية المنتشر اليوم، وهو ما اُعتبر بمثابة نقلة جذرية لعالم الفن السابع. لجأ كيسلوفسكي إلى ما لجأ إليه الكاتب التشيكي، ميلان كونديرا، في رواياته: تعدد الأصوات وسردية الشبكة، التي تبني على مهل، وببطء، سلسلة من الأحداث المثيرة لأشخاص تتقاطع دروبهم وأصواتهم بشكل غير متوقع. ومن الإجحاف عدم الالتفات إلى أعماله الفنية، إن كنا عشاقا حقيقيين للسينما.

نص التقرير

توَّجت النجاحات التجارية والفنية التي لاقتها ثلاثية "ثلاثة ألوان" لمخرج الأفلام البولندي، كريستوف كيسلوفسكي، كأحد أشد الفنانين تميزًا في ميدان السينما العالمية. تتألف السلسلة التي أبانت عن تجربة سينمائية متميزة في التسعينيات؛ من ثلاثة أفلام خلابة بصريا تتجلى فيها كيفية أداء مُثُل الثورة الفرنسية في حياة أبناء الزمن المعاصر. في حين مثّل فيلم "حياة فيرونيك المزدوجة" بارقة أمل ببزوغ أنماط جديدة للتعبير الفني في السينما الأوروبية.

كما فعل فيودور دوستويفسكي وألبير كامو، غاص كريستوف كيسلوفسكي بعمق في أغوار الظرف الإنساني الذي واكب أيامه. وكما فعل الكاتب البولندي، جوزيف كونراد، جال كيسلوفسكي في تعقيدات الروح الإنسانية طارحًا أسئلة في غاية الأهمية حول معنى الحياة والوجود. أجاد المخرج البولندي العمل على أفلام الغموض بتوظيفه المتميز للقطات الإيحائية والموسيقى الشعرية، مانحا اللامرئيات، حضورًا على الشاشة. بهذا المعنى، إذًا، ثبَّتَ كريستوف كيسلوفسكي بعدًا جديدًا للماورائيات في الثقافة الشعبية.  

رمية نرد



هي صرخة مدوية بـ"لا" من أعماق شاب يواجه رعب موته المحتوم على متن طائرة آيلة لأن تكون حُطامًا؛ اختار كيسلوفسكي أن يستهل بها فيلم "رمية نرد"1981م. في هذه الدراما السيكولوجية، يلجأ كيسلوفسكي إلى إستراتيجية سردية فريدة لمناقشة أدوار القدر والاختيار الحر في حياة الإنسان. يمر المشاهدون، قبل استهلال الحبكة الرئيسية، على 12 مقطعًا قصيرًا هي بمثابة استرجاعات لأحداث ماضية من حياة "فيتيك"، وهو طالب طب يبلغ 21 عامًا من العمر.

يُظهر هذا التتابع صورًا تحيل إلى طفولة فيتيك: علاقته بأبيه، وذكريات الدراسة وحبه الأول. لكن المشهد المحوري في الفيلم يكون عبارةً عن واقعةٍ تجري أحداثها في محطة قطارات لودز، يبدأ عندها كيسلوفسكي بسرد تأملاته في أدوار القدر والاختيار الحر في حياة الإنسان، من خلال سؤال يغرينا جميعا، هو: "ماذا لو؟". حول ما إذا كان وثوب فيتيك إلى متن القطار المتحرك من عدمه، في واقع الأمر، يحدد مستقبله برمته.

يصور الفيلم ثلاثة مآلات لمحاولات فيتيك اللحاق بالقطار، يتحدد عليها ثلاث نسخ لحياته، ثلاثة مواقف اجتماعية مختلفة، ثلاث مقاربات مختلفة للدين والسياسة خلال زمن شهد تحولات كبرى في بولندا. يقع الفيلم، إذًا، على هامش اثنين من مواضيع الجماليات، هما: الدراما الاجتماعية والعبرة الفلسفية.
لقد وسم هذا الفيلم مفارقة كيسلوفسكي أعماله السينمائية الأولى التي اشتبكت بالبعد الاجتماعي وهُم: "شخصي" و"الندبة" و"الهاوي"، بإخراج أفلام تقوم على تضمين أفكار فلسفية شائكة.

"على الرغم من أنه بدأ مسيرته كمخرج للأفلام الوثائقية في بلد شيوعي ترصَّدَ لصناع الأفلام بالرقابة السياسية (التي لم تشمل الجانب المالي، كما أشار)، إلا أن كيسلوفسكي، كان معنيا أكثر بالحياة الداخلية لأبطاله، لا بظروفهم الاجتماعية وحسب. وقد تمكن من ابتكار أساليب لسبر تلك الأغوار في أفلامه التي لم تكن مختزلة ولا شكلية"، بحسب ستيفن وودوارد، أستاذ الفيلم والآداب بجامعة بيشوب في مدينة كيبيك، ومحرر كتاب "ما تبقى بعد كيسلوفسكي: إرث كريستوف كيسلوفسكي" وأحد محرري كتاب آخر بعنوان "كيسلوفسكي: مقابلات".

لا نهاية



بالنظر إلى تجربته المختمرة في ميدان الفيلم الوثائقي، كان كريستوف كيسلوفسكي مراقبًا دقيقا، قادرًا على تحليل الظواهر الاجتماعية والسلوكيات الإنسانية في فترة نهاية الألفية بحرفية فائقة. تتناغم أفلامه الأخيرة مع حراك "زايتجايست" (روح العصر) وبحث أعداد متزايدة من الناس عن مصادر إيمانية جديدة في عصر انتشار العلمنة. وقد لاحظ باحث الأفلام، بول كوتس، بأن ارتقاء كيسلوفسكي إلى مصافي العالمية بفضل أعماله الأخيرة قد تصادف مع ولادة اتجاه روحي جديد في أميركا.

مع ذلك، تظهر أولى الإحالات المميزة للبعدِ الروحي في الحياة الإنسانية ضمن أعمال كريستوف كيسلوفسكي في الدراما السيكولوجية "لا نهاية" (1984). في هذه الحكاية الحميمة، يلتقي الجمهور بـ "أُولا"، وهي أرملة محزونة في مقتبل العمر، تحاول إيجاد معنى لما تبقى من حياتها بعد رحيل زوجها. ومع أن السردية تتدفق من صوت زوجها الراحل، إلا أن كيسلوفسكي في "لا نهاية"، ولأول مرة، يغوص في أعماق روح امرأة وعواطفها.

يدور الفيلم، الذي استقبله النقادُ البولنديّون بسلبية، حول تداخل عوالم الأحياء والأموات. اليوم ندرك، متأخرين ربما، الحد الذي وصلته قدرة كيسلوفسكي على التنبؤ بحاجات المشاهدين العاطفية من خلال استجلاء موضوع سيصبح محور تركيز أهم مخرجي هوليوود في العقود اللاحقة.

الوصايا العشر (الديكالوج)

"الوصايا العشر" أو "الديكالوج" 1988م، هي سلسلة دراما أنتج التلفاز البولندي نسختها الأصلية، وشكَّلت منعطفًا في مسيرة كريستوف كيسلوفسكي الأوروبية. حازت النسخ السينمائية لبعض الحلقات على العديد من الجوائز العالمية بما فيها جوائز مهرجان كان السينمائي للأفلام والفيلم الأوروبي، متوجةً كيسلوفسكي في طليعة مخرجي الأفلام الأوروبيين. اليوم، تعتبر السلسلة المستوحاة من وصايا موسى العشر، مذهبًا سينمائيًا. ويمكن ملاحظة الإحالات إلى تقنيات السرد المستخدمة فيها والمسماة بـ "سرديات الشبكة"، حيث تتقاطع دروب عدة أبطال في العمل الواحد بطرق عديدة غير متوقعة، ضمن العديد من أعمال هوليود السينمائية والتلفزية. 

"الوصايا العشر، عمل سرمدي؛ يتضمن الحقيقة المتعلقة بالحياة، بغض النظر عن الظروف ونقاط المرجع المختلفة" (آي أم دي بي)


تجري أحداث حبكة "الوصايا العشر" في مشروع إسكان ضخم بمدينة وارسو ثمانينيات القرن الفائت. ضمن بيئة الشقق الصغيرة وسط أحياء البنايات المتلاصقة، الكئيبة والمزدحمة. هناك يتابع المشاهدون الأبطال الذين يتحتم عليهم مواجهة أوضاع شائكة في حياتهم اليومية. ضمن تلك اللحظات، يتابع مخرج "الوصايا العشر" استجلاء المخاوف والهواجس الدفينة لدى الإنسان المعاصر.

كانت كل حلقة من هذه السلسلة مكرَّسة لحكاية مختلفة عن الأخرى. لكنها اشتركت جميعًا في تعرض أبطالها، الذين يواجهون معضلاتهِم الأخلاقية ومآسيهم، للمكاشفة من خلال وصايا موسى العشر. بالإضافة إلى ظهور شخصية غامضة، صامتة وملائكية، يمكن اعتبارها ملاك القدر، في كل حلقة من الحلقات. تظهر هذه الشخصية الغامضة في لحظات مصيرية فارقة في حياة الأبطال، وتراقب الأحداث دون أي تدخل، لتضفي على الحكاية عنصر الماورائي، بأسلوب يذكرنا بالملائكة التي ظهرت في فيلم (Wings of Desires) "أجنحة الرغبة" 1987م للمخرج الألماني فيم فيندرز.

في استكشافه الصِّلات البينذاتية المعقدة والتشابكات المتنوعة لقدر الإنسان، لا يمانع كيسلوفسكي في التّماس مع مواضيع شائكة كالخيانة، وزنا المحارم، والقتل، وعقوبة الإعدام، واللوم والخلاص.

"إن كيسلوفسكي لم ينحز إلى سيادة الفرد بل أصر على الاتكال المتبادل بين الناس أخلاقيا وروحيا. يتمحور "الوصايا العشر"، بأبطاله الذين يعيشون سويا في مجمع شقق يفرض عليهم تقاطع الدروب، كليا حول هذه المسألة. مسألة الاتكال المتبادل، سواء كان في حلقات البطولة الفردية أو في تلك التي تناولت العلاقات بين الناس"، يصرح ستيفن وودوارد، باحث الأفلام والآداب.

"الوصايا العشر، عمل سرمدي؛ إنه يتضمن الحقيقة المتعلقة بالحياة، بغض النظر عن الظروف ونقاط المرجع المختلفة" يؤكد كريستوف زانوسي، مخرج الأفلام البولندي، وصديق كيسلوفسكي ومنتج أفلامه.

حياة فيرونيك المزدوجة



مثَّل "حياة فيرونيك المزدوجة" 1991م أول إنتاج عالمي لكريستوف كيسلوفسكي وفي الوقت نفسه أحد أشد أعماله شعرية من بين بقية أفلامه. حبكة هذا العمل، الذي يمكن أن يندرج تحت فئة أفلام "الإثارة الميتافيزيقية"، تقدم الجمهور إلى العالم الخلاب لمخيلة سينمائية تنسج خيوطها التداخلات البصرية والأحاجي التي تلف عالمًا من الحقائق البديلة. يروي الفيلم الذي تم إنتاجه بتعاون فرنسي بولندي حكاية قرينتين هما فيرونيكا وفيرونيك، من بولندا وفرنسا. تتشارك الفتاتان العمر والملامح والمهنة ذاتها، إنما تعيشان بمعزل عن بعضهما بعضًا. وبشكل غامض، تتقاطع دروب حياتهما عند لحظة ومكان معينين، في سلسلة آسرة من المشاهد المتتابعة في السوق الرئيسي لميدان كراكوف، قام بتصويرها سلافومير إيجاك، مصور الأفلام البولندي البارز.


نال الفيلم اعترافا نقديا لافتًا في أوروبا والولايات المتحدة. وفاز بالعديد من الجوائز بما فيها ثلاث جوائز من مهرجان كان الفرنسي: جائزة لجنة التحكيم المسكونية، وجائزة الاتحاد الدولي للنقاد السينمائيين التي منحت لكيسلوفسكي، وجائزة أفضل ممثلة للبطلة إيرين جاكوب. في تلك الفترة، التي شهدت انتشار السينما التجارية والتسلية البراقة، بدا وأن فيلم كيسلوفسكي نوع من الاستجلاء الحقيقي.

من جهة، منح فيلمه بُعدا جديدًا للميتافيزيقا في السينما من خلال عرض حكاية آسِرة تتناول مسائل وقضايا فلسفية شائكة كالحقائقِ البديلة وصناعة العمل الفني. ومن جهة أخرى، يعد الفيلم عملا مثاليا بما هو عملية إنتاج؛ حيث يضفي سلافومير إيجاك بأسلوبه الفريد في التصوير السينمائي، الذي ميزه استخدام الفلاتر اللونية الصفراء والذهبية، على الفيلم عمقا سيكولوجيا. بينما تلامس موسيقى زبيغنييف بريزنر (Zbigniew Preisner) أعماق أحاسيس المشاهدين، كما لو أنها تلعب دور الراوي في الكشف عن معاني الفيلم المخبأة وعن عمقه الروحي.

أما الأداء البارع الذي قدمته فيرونيكا في مشهد الحفلة في جمعية كراكوف الموسيقية، فقد كانت لحظات لا تنسى، وأقرب إلى شعريةً فيلميةً مصحوبة بدفق موسيقي وصوري باذخ الجمال.

كان كريستوف كيسلوفسكي فنانا استثنائيا تمرس في مجاله طويلا. قبل أن يكرس حياته للأفلام الطويلة؛ صقل حرفته بالعمل على الأفلام القصيرة والوثائقيات

مواقع التواصل


حظي كيسلوفسكي بإشادة النقاد بفنياته الإخراجية وبراعته في بناء أسلوب مسرحي (دراماتورج) يرفد مخاوفنا واحتياجاتنا القابعة في اللاوعي بالرموز والإشارات الغامضة. "يبدو المخرج البولندي كسيّد الغموض، فنانَ اللامرئي"، كتب أحد صحفيي لو نوفيل أوبسرفاتور. 


"كان كريستوف كيسلوفسكي فنانا استثنائيا تمرس في مجاله طويلا. قبل أن يكرس حياته للأفلام الطويلة؛ صقل حرفته بالعمل على الأفلام القصيرة والوثائقيات. مكنته هذه الخبرة من إنتاج أفلام رفيعة الطراز، سبرت غور الحياة الروحية لأبطاله. في أفلام كيسلوفسكي، تتضمن السردية دومًا نداء خفيا، هو السبب الذي يدفعه لقص الحكاية علينا"، يشير المصور السينمائي سلافومير إيجاك.

الثلاثية

ثلاثة ألوان وثلاثة أفلام وثلاث لوحات للأنوثة. في إنجازه الأخير، يرصد كيسلوفسكي حياة أفراد الزمن المعاصر من منظور قيم الثورة الفرنسية. وتتمكن اللغة البصرية الأنيقة، في كل واحدة من هذه الحكايا، من النفاذ بقوة إلى مشاعر المشاهدين. بينما يبرز كل واحد من الألوان الثلاثة الثيمة الرئيسية للفيلم محددا نبرة السرد.


في ثلاثية كيسلوفسكي، كانت الإناث اللواتي لعبن أدوار البطولة شخصيات غامضة، متعددة الأبعاد وآسرة. منح تصوير حالاتهن النفسية وحساسيتهنَّ المفرطة إزاء الحياة الولادة للغة سينمائية جديدة. "لقد كان كيسلوفسكي واعيًا بالإمكانيات العملية غير المحدودة التي أتاحها إنتاج الأفلام، لكنه في الوقت نفسه كان واعيا بأن تجاوز حدود معينة قد يقطع اتصاله بالجمهور. إن كيسلوفسكي لم يفقد، مطلقًا، الوشائج العاطفية التي ربطته بجمهوره، وهو ما برهن أنه مهمة صعبة في اللون الأزرق تحديدًا". بحسب سلافومير إيجاك، مصور ما يقرب 70 فيلمًا، والذي كان قد ترشح لجائزة الأوسكار عن عمله في فيلم (Black Hawk Down) "سقوط الصقر الأسود" 2001.


يروي الجزء الأول من الثلاثية حكاية جولي (جولييت بينوش)، التي تناضل بعد رحيل ابنتها وزوجها وهو ملحن فرنسي شهير في حادث سيارة. حدادها يعمّق من عزلتها التي تبدو رمزًا للحرية المطلقة. إلا أن منعطفا غير متوقع في حياتها يظهر برنامجًا تلفزيونيا يكشف سرًا دفينًا أخفاه زوجها مطولا.


في شهادتهم على رجوع جولي إلى الحياة، يتعرض المشاهدون للتأثيرات الصوتية والبصرية التي تستدعي لديهم عملية سرد تقع في الأذهان. انعكاسات المرايا، وتغير تدرجات اللون، ومضات الأزرق، والتعتيمات المفاجئة المصحوبة بموسيقى عالية الصوت، هي كلها أشياء تبدع التجلي المشهدي لمشاعر البطلة، التي تتغير تدريجيا أثناء بنائها حياة جديدة تقوم على الكرم والعاطفة تجاه الآخرين.  


في الثلاثية، تكتسب الأوضاع والمواضيع المعاشة يوميا أهمية جديدة. هنا، تظل اللحظات الذاتية والصور العميقة مصممة للسردية الإجمالية، لكنها في الوقت نفسه مفتوحة على العديد من التأويلات. (كمكعب سكّر يتحلل في فنجان قهوة). كل واحدة من هذه الحكايا متعددة الأبعاد. أما فيلم (Three Colors: White) "ثلاثة ألوان: الأبيض" 1994م، هو كوميديا تخريبية حول أزمة يمر بها زواج بولندي-فرنسي، ويمكن رؤيته في ضوء استعارة أكبر لطبيعة العلاقات بين بولندا وفرنسا.

 بينما يستمر كيسلوفسكي، في (Three Colors: Red) "ثلاثة ألوان: الأحمر" 1994م، في تناول مسألة شح التواصل الحقيقي بين الناس. ويستهل الفيلم بلقاء يتم مصادفة بين فالنتين، وهي طالبة وعارضة أزياء بدوام جزئي وقاضٍ متقاعد مهووس بالتنصُّت غير القانوني على جيرانه (ويعتبره النقادُ الأنا الأخرى لدى كيسلوفسكي).

في هذه الحكاية تُروى صداقة مميزة تتطور بين شخصيتين مختلفتين ظاهريا (لعب دورهما إيرين جاكوب وجان لوي ترينتيان)، يقدم المخرج البولندي تحليلا لحالة أفراد الزمن الحديث وعقبات التواصل البين ذاتي فيما بينهم. فقد حلت التكنولوجيا الحديثة، بما فيها من محادثات الهاتف والرسائل، محل التواصل الإنساني، وهو ما يعمق أحاسيس الوحدة عند إنسان هذا الزمن.




في فيلم كيسلوفسكي الأخير، يقوم السرد مجددا على بنية "ماذا لو" وألاعيب المصادفة والقدر. وبقدر ما تبدأ الثلاثية ضمن مجال الموت، إلا أن نهاية جزئها الأخير تحتفي بانتصار الحياة والقوة العجائبية للحب. فمعنى الحياة يتجلى بالأواصر العميقة بالآخرين، والتي يمكن تلمس قيمتها في العواقب المعنوية الملموسة.


"كانت تقع الثلاثية، وهي آخر مشاريع كيسلوفسكي الناجزة، ضمن تقاليد بيت الفن الأوروبي. مع أن كيسلوفسكي دخله بمقاربة دخيلة على تقاليده، من خلال دمج صنفين متفاوتين في تاريخ الأفلام، كالمزج بين أسلوب فيلم "ازدراء" للمخرج الإيطالي جودارد وفيلم "أنوار المدينة" لتشابلن في فيلم "اللون الأبيض"... وأعتقد بأنه قد أعاد إحياء ممارسات الفيلم الفني لأنها، تحديدا، كانت جديدة عليه عندما ودع بولندا إلى فرنسا من خلال فيلم 'حياة فيرونيك المزدوجة'"، كما يشير ستيفن وودوارد.


تلقى آخر أجزاء الثلاثية، الذي اعتبر أيضا أشدها أناقة، العديد من جوائز الأفلام بالإضافة إلى ترشيحات للأوسكار من بين ترشيحات أخرى. ترشح كريستوف كيسلوفسكي وكريستوف بيسيفتش لجائزتي أفضل مخرج وأفضل كاتب سيناريو (نال بيسيفتش تقديرًا لمشاركته في تأليف كافة مشاريع كيسلوفسكي منذ عام 1984م).

 

حياة كيسلوفسكي الآخرة



تقريبًا بعد 20 عامًا على وفاة كيسلوفسكي، يبدو أسلوبه السينمائي مألوفا بعمق لدى العديد من صناع الأفلام والجماهير حول العالم. ثمة العديد من صناع الأفلام الذين يتبعون نمط كيسلوفسكي في صناعة الأفلام، إما لأنه كان لديهم اتصال مباشر به أو لأنهم كانوا يعملون انطلاقا من أفكار ومسرحيات معاونه ومساعده في التأليف كريستوف بيسيفتش. من بين هؤلاء جيرسي ستير، الذي صور فيلم (Big Animal) "الحيوان الكبير" 2000، في بولندا، وتوم تيكوير الذي أخرج فيلما بعنوان (Heaven) "نعيم" 2002، ودانيس تانوفيتش مخرج فيلم بعنوان (Hell) "جحيم" 2005. و"نعيم"و"جحيم" هما جزءان من ثلاثية جديدة تستند إلى نص خطَّ مسودته كريستوف كيسلوفسكي وكريستوف بيسيفتش.


بينما يحمل المخرجون المساعدون الذين عملوا مع كيسلوفسكي، جولي بيرتوسيلي وإيمانويل فينكيل، بعض البصمات الفنية والموضوعاتية من كيسلوفسكي ضمن أفلامهم. ثمة أيضا بعض صناع الأفلام الذين يستكشفون المواضيع والقضايا ذاتها، كتقاطع الدروب في الحياة، والمصادفة والقدر، والتي يمكن اعتبارها محاورات مع كيسلوفسكي. من ضمن هؤلاء المخرجين: فيم فيندرز وعباس كياروستامي وجان بيير جونيه في فيلمه (Amélie) "أميلي" 2001، وميشيل هنكة في (Code Unknown) "الرمز غير معروف" 2000، وأليخاندرو غونزاليس إيناريتو في "21 غرام" 21Grams) 2003). التأثيرات الواضحة من فيلم "رمية نرد" لكيسلوفسكي ملحوظة أيضا في فيلم توم تيكوير (Run Lola Run) "اركضي لولا اركضي" 1998م، و (Sliding Doors) "الأبواب المنزلقة" 1998م لبيتر هويت.


"بسبب اهتمام كريستوف كيسلوفسكي بمسألة الاتكال المتبادل بين الناس وما يتصل بها من روحية علمانية، قام باستحداث بنية "سردية الشبكة" في العديد من مشاريعه، بدءا من فيلم "رمية نرد"، ومن ثم التفصيل أكثر في هذه البنية من خلال "ثلاثية الألوان" و"حياة فيرونيك المزدوجة. لقد وجدت شبكات الكابل الرئيسية، كما فعلت شبكات البث الإذاعي، أسوةً بها، في سردية الشبكة نمطا يلقى استحسان المشاهدين المثقفين الذين يرغبون برؤية شخصيات وسرديات أشد تعقيدًا، وطاقم تمثيل متجانس، بالإضافة إلى درجة من الروحية. وعليه يبدو واضحًا السبب وراء استمرار تأثيره على تلك الفئة"، بحسب ستيفن وودوارد، الذي يضيف "أعتقد أن تأثير كيسلوفسكي نافذ وواسع الانتشار، وأن من الأسهل ملاحظته ضمن المسلسلات التلفزيونية التالية: "6 أقدام لأسفل" (Six Feet Under)، مرورًا بمسلسل "تائهون" (Drifters)، حتى مسلسل "البرتقالي هو الأسود الجديد" (Orange Is the New Black).

__________________________________________

مترجم عن: (contributoria)
تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار