اغلاق
آخر تحديث: 2018/1/2 الساعة 15:21 (مكة المكرمة) الموافق 1439/4/15 هـ

انضم إلينا
"سابع جار".. هل على الفن الالتزام بأخلاق المجتمع؟

"سابع جار".. هل على الفن الالتزام بأخلاق المجتمع؟

مها فجال

محررة فنية
  • ض
  • ض
جدل واسع وانقسام حاد في الآراء أثاره المسلسل المصري "سابع جار"،الذي بدأ عرضه مؤخرًا.  فسرعان ما تحوّل العمل الذي رأت الجماهير العادية في حلقاته الأولى تعبيرًا صادقًا عنها، ليصبح في وجهة نظرهم انقلابا على كل ما يتحلى به المجتمع من مبادئ وأخلاق. كان من الطبيعي حينها أن ينتشر في الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي تعبيرهم عن الغضب عليه، والذي تراوح في شدته ما بين تأكيد البعض أن ما يعرضه المسلسل "لا عاداتنا ولا تقاليدنا"(1) وبين رؤية البعض الآخر فيه مؤامرة مُتكاملة على صورة "دس السم في العسل"(2) الهدف منها زعزعة أخلاقيات أبناء الطبقة الوسطى وجذبها للانحراف عن جادة الصواب.


ربما لو كان "سابع جار" كأي مسلسل اعتاد المشاهدين رؤيته في الآونة الأخير لما تعرض لكل هذا الهجوم. فأغلب المسلسلات التي تم إنتاجها مؤخرًا ينأى عن العوالم البسيطة والعادية لأبناء الطبقة الوسطى ويذهب للمجتمعات شديدة الثراء أو شديدة الفقر لتستمد مادتها منها. فتلك المجتمعات، من وجهة نظر أبناء الطبقة الوسطى، تمتلك في الغالب "كودًا" أخلاقيًا أقل تشددًا عنها، ما يعطي صنّاعها رخصةً لكسر التابوهات المجتمعية، دون أن يثير هذا الكثير من الجلبة.


لكن ما فعله "سابع جار" هو أنه استمد أحداثه من غرف المعيشة وصالات البيوت العادية، والذي كان السبب وراء الاحتفاء الذي قابلته به الجماهير في البداية، والغضب الذي صبّته عليه بعد ذلك في آن واحد. فبعد أن تماهى المُشاهد العادي مع أبطال العمل ورأى فيهم انعكاسا له ولمجتمعه الصغير، كانت صدمة بالغة له أن يشاهد أولئك الأبطال أنفسَهم يأتون بأفعال من قبيل تعاطي الحشيش وشرب المُسكرات وممارسة الجنس خارج إطار الزواج.. شكّل هذا بالنسبة إليه إهانة عميقة لقيمه، وجهها له صُناع العمل، وعليه كان من الطبيعي بعدها أن يهاجم المسلسل بضراوة، كما نلحظ.

    

والحقيقة أن الجدل الذي أثاره المُسلسل، وإن ارتدى ثيابًا حديثة، فإنه في القلب منه يرقد جدل أقدم بكثير، تعود جذوره إلى بدايات نظريات الفن والأخلاق. فما يعرضه "سابع جار" من سلوكات يرى فيها البعض خروجًا عن أخلاق المجتمع المصري يجعلنا نطرح الكثير من التساؤلات، منها: هل على العمل الفني الالتزام بقواعد وقيم المجتمع الذي انبثق منه؟ وإن لم يفعل، فهل تصبح الأخلاق المُتضمنة فيه معيارا للحكم عليه؟

        

بين غرف المعيشة والشُرفات والسيارات

      

"تدور أحداث المسلسل داخل عمارة تجمع بين عدد من الجيران من الطبقة المتوسطة ذوي العلاقات المتداخلة، وتمثل تلخيصاً لواقع حياتنا".(3) هكذا يصف صُناع العمل المسلسل وهذا ما نراه طوال حلقاته، التي تُمثل مقطعا طوليا من حياة العائلات المصرية، تبتعد فيه عن الخارق أو الشاذ وتستمد مادتها من اليومي المُعاش. فنحن هنا لا نتابع حيوات مجرمين أو تُجار مخدرات أو رجال أعمال أو نجومَ مجتمع ممن اعتادت الدراما التلفزيونية المصرية تسليط الضوء عليهم في الآونة الأخيرة، بل أشخاصا عاديين تمامًا من السهل جدًا أن يرى المشاهد نفسه أو أحد أفراد عائلته أو أصدقائه في أحدهم.

           

فقد أخذ "سابع جار" شخصياته من أنماط معروفة، بعد أن زوّدها بالتفاصيل التي بثّت فيها الروح وجعلتها أُناسا من دم ولحم: ربّات البيوت والأمهات العاملات والأزواج المُصابين بالضجر، والزوجات المهمومات بالأطفال أكثر من اللازم والشباب والشابات، سواء المُتحررين منهم فكريًا أو المُلتزمين دينيًا. تعيش هذه الشخصيات جنبًا إلى جنب، ويرصد المسلسل حياتهم اليومية وتفاعلاتهم، والتي تتراوح ما بين الانسجام في بعض الأحيان والصدام في أحيان أخرى.

           

وأثناء كل ذلك، ينقل المسلسل مسرح الأحداث من الأماكن البعيدة عن حياة المشاهد اليومية ويضعها في عقر داره لتدور داخل غرف المعيشة. هناك، تمتد أحاديث لا تنتهي حول التفاصيل اليومية البسيطة تترجم عبرها كل شخصية نفسها. فنشاهد ربّة المنزل "لمّيا" (دلال عبد العزيز) وأختها "ليلى" (شيرين) في مشهد طويل تتحدثان عن الطب النبوي والعلاج بالأعشاب والوصفات. وعلى الهامش، تجلس الابنة الشابة "هند" تُكيل السخرية لما تراه محض خرافات، في حوار واقعي جدًا قابل للحدوث -إن لم يكن قد حدث بالفعل- بين الكثير من الآباء والأبناء. كما نرى في الكثير من الحلقات مَشاهدَ بسيطة جدًا تنتمي إلى الحياة اليومية، إذ نرى في بعضها جلوس العائلة حول التلفزيون أو أم تقف في المطبخ تطهو الطعام أثناء الحديث مع أختها على الهاتف أو الاستماع إلى إذاعة القرآن الكريم، أو أن توقظ أبناءها الصغار للذهاب إلى المدرسة والمذاكرة لهم عند العودة. كما تتكرر مشاهد "عريس الصالونات" والخطوبة التي تحدث في بيت العروسة، أيضًا في غرفة المعيشة.

              


    

وفي غرف المعيشة كذلك، تجري النقاشات والجدالات الحادة بين الأزواج، مُعمقة الفجوة بينهم. تستخدم الديكورات هنا ببراعة، بما يشمل ذلك من حيطان وستائر كي تقف كسدود بصرية تفصل الشريكين عن بعضهما البعض وتقسم الحيز إلى مكانين منفصلين، كتعبيرعن الانقسام الذي فصّل عالميهما.

    

    

على هذا المنوال تتتابع أحداث المسلسل، بلا عقدة مركزية تربطها، تمامًا كحياتنا اليومية. هكذا جعل المسلسل من نفسه مرآة يستمتع المشاهد في رؤية نفسه والمحيطين به على سطحها. لكن، عندما تنتقل الكاميرا في مشاهد أخرى من غرف المعيشة، حيث الحياة البسيطة الواضحة، إلى الشرفات والسيارات التي يستتر الأبناء في ظلامها عن أُعين الآباء، هنا، تبدأ المرآة بالنسبة إلى البعض بالتشقق.

             

فإلى شرفتها تهرب "هبة"، الفتاة ذات الستة وعشرين عامًا التي تُعاني من فقدان البوصلة في الحياة، لتُدخن بعيدًا عن الأنظار. وإلى شُرفته أيضًا، يهرب "طارق" من ضغوط زوجته ليُدخن هو الآخر. ولكون شرفتيهما مُتجاورتين، ينشأ الحديث غير مرة بينهما حول الأسباب التي قادتهما إلى ذلك المكان من الأساس. تخلق تلك الأحاديث والسخط المُشترك المثار حول الحياة العائلية رابطا ما يجمعهما، دون أن يندمجا تمامًا. فيُشكل الحائط الذي يقف بين الغرفتين حائلًا دون اتصالهما المادي، ليرمز شعوريًا إلى ابتسار تلك العلاقة. لكنهما سُرعان ما يتخطيان ذلك الجدار ويختبئان تحت أستار الظلمة في سيارة طارق يدخنان لفافة حشيش نزولًا عند طلب هبة. وعندما يحاول طارق أن يعبر الجدار الشعوري بينهما بمحاولته للإمساك بيد هبة، تهرب هي تاركة له المكان، ما سيكون بمثابة نقطة النهاية لتلك العلاقة.

         

      

وفي السيارة أيضًا، تختبئ "مي"، الفتاة المُستقلة والمتحررة فكريًا، والتي تعيش وحدها في إحدى شقق العمارة، مع حبيب طفولتها "أحمد"، الذي هجرها لاحقا وتزوج،  إلا أن ذلك لا يمنع من أن يحدث بينهما اتصال جسدي غير مرة، أو هكذا نفهم من سير الأحداث.

         

           

يُنكر بعض المُعترضين على تلك المَشاهد حدوث ما يصوره الفيلم بين أبناء الطبقة الوسطى من الأساس. لكن المفارقة تكمن في أنه، وبالانتباه جيدًا إلى الأحداث، فستجد أن الأبناء في المُسلسل يُجيدون التستر جيدًا عن أعين آبائهم لفعل ما يشاؤون. ما يعني أنه مع افتراض أن ما يُمثله المُسلسل يحدث في الواقع، فلن يتمكن أحد من المعترضين من معرفته.

            

أما البعض فيذهبون إلى نُقطة أبعد ويقولون إنه حتى إن كان هذا يحدث، فلا يجوز تقديمه بهذه الكيفية. ففي المسلسل يتضح أن الكاتبة والمخرجات لا يُلقين الأحكام على شخصياتهن ولا يضعنهن ضمن إطار وعظي. فهبة التي تدخن السجائر والحشيش لا يرسمنها على هيئة "الفتاة المُنحلّة" التي ستقع في شر أعمالها، ومي التي تدخل في علاقة جنسية مع جارها المتزوج لا يصنفنها بنمط "العاهرة" أو "خرّابة البيوت"، بل على العكس، نراها مهندسة ناجحة محبوبة من أصدقائها وأبويها. وهذا أكثر ما يثير حفيظة المهاجمين على العمل ويجعلهم يرون فيه دعوة صريحة إلى كسر قواعد المُجتمع وممارسة أفعال "غير أخلاقية" من وجهة نظرهم. يُعيدنا كل هذا إلى الأسئلة التي سبق أن طرحناها عن العلاقة التي تربط بين الفن والأخلاق، ويجعلنا نتساءل مرة أخرى: هل على العمل الفني الالتزام بقواعد وقيّم المجتمع الذي انبثق منه؟

 

العلاقة المُلتبسة بين الفن والأخلاق
لا يشكل الجدل الدائر حاليًا حول "سابع جار" أمرا استثنائيا، حيث أثير الكثير من الجدل حول عدد من الأعمال الفنية في فترات زمنية بعيدة وثقافات مختلفة. ففي 1857، وقف الروائي الفرنسي غوستاف فلوبير في قاعة المحكمة مُتهمًا بـ"خدش الحياء العام و إهانة الأخلاق القويمة، بسبب روايته "مدام بوفاري"، التي تدور حول "إيما بوفاري"، المرأة التي يدفعها الضجر من حياتها الرتيبة إلى خيانة زوجها والدخول في علاقات مُتعددة، ما شكل صدمة للمجتمع الفرنسي وقت صدور الرواية.
    

         

وبعد هذا بحوالي قرن -وتحديدًا في 1960- وقفت دار نشر "بينغوين" في المحكمة هذا المرة بسبب نشرها نسخة غير مُنقحة من رواية "عشيق الليدي تشاترلي"، التي كتبها دي إتش لورانس في 1928 وتم منعها لسنوات طويلة. تتناول الرواية حياة "كونستانس ريد"، المرأة التي تنتمي إلى الطبقة المتوسطة وتصعد إلى الطبقة العُليا بزواجها من الأرستقراطي السير "كليفورد تشاترلي". يُصاب كليفورد إصابات بالغة في الحرب العالمية الأولى تشل رجليه وتجعله عاجزًا جنسيًا، ما ينعكس على كونستانس، التي تبحث عن مُتنفس آخر تشبع عبره رغبتها، وتنشأ نتيجة هذا علاقة عاطفية وجنسية تجمعها بـ"أوليفر ميلورز"، العامل الذي يدنوها ثروة ومنزلة بكثير.

           

مثلَ "مدام بوفاري"، صدمت "عشيق الليدي تشاترلي" المجتمع الإنجليزي بما احتوته من خيانة المرأة لزوجها ونشوء علاقة بين سيدة من المجتمع الراقي ورجل من الطبقة الكادحة. (4) في المحاكمتين، فاز الروائي ودار النشر، ما مثل انتصارا كبيرا لحرية الرأي ضد ثقافة المنع التي أخذت بعد ذلك في الزوال. ورغم هذا، ظلت التساؤلات حول مدى جواز الحكم على عمل فني من منظور أخلاقي قائمة. والآن، يطرحها علينا "سابع جار". انقسم المُنظّرون في الإجابة عن هذا السؤال إلى قسمين، قسم أخذ اتجاها يُدعى "الجمالية"، والآخر أخذ اتجاها يُدعى "الأخلاقية". يرى أصحاب الفريق الأول أن الجمال هو الخُلق الوحيد في مجال الفن، ولذا -بحسب تلك النظرة- فإنه لا يجوز الحُكم على العمل الفني إلا انطلاقًا من معايير فنية دون النظر للاعتبارات الأخرى. أما الفريق الثاني فيُعلي قيمة الأخلاق على قيمة الفن، بحيث يرى أن العمل الفني الذي يدعو إلى خُلق فاسد هو بالضرورة سيء.

            

بمرور الزمن، أخذت حدّة الخلاف بين الفريقين في التلاشي، ليصل كل منهما إلى مكان وسيط. فصار أنصار "الجمالية" يعترفون بوجود عُنصر أخلاقي في العمل الفني. ورغم هذا، فطبقًا لهم "لن يصير أي عمل فني أبدًا أكثر جمالية بسبب اتساقه مع الأخلاق، ولن يصير أي عمل فني أبدًا أقل جمالية لخروجه عنها". ويتفق أنصار "الأخلاقية" مع أنصار "الجمالية" في الشق الأول، لكنهم يختلفون معهم من حيث تأثير المحتوى الأخلاقي على العمل الفني. إذ يرون أن العمل الفني قد يصبح أقل جمالية لخروجه عن الأخلاق.

             

ربما أفضل من شرح هذا هو الفيلسوف الأميركي نويل كارول، فلإثبات وجهة نظر "الأخلاقية"، ضرب مثالا بفيلم "انتصار العزيمة" (Triumph of Will) الذي احتوى على الكثير من العناصر الفنية التي جعلت منه تجربة بصرية فريدة، لكنه في الوقت ذاته كان فيلما دعائيا لهتلر والنازية. يقول كارول إنه حتى مع استطاعة الجمهور تقدير جماليات الفيلم من الناحية الفنية، سيظل تعظيمه لهتلر ومحاولة بثه أفكارَ النازية المُدمرة كفيلا ببناء حاجز نفسي بينه وبين المُتلقي. هذا الحاجز النفسي، طبقًا لكارول، يُفسد تجربة المُشاهد مع الفيلم، ما يجعلنا نُعده عيبا فنيًا فيه. (5)

                     

يمكننا رؤية نظرية كارول مُتحققة في مسلسل "سابع جار"، الذي شكّل تناوله لتابوهات اجتماعية، حاجزا بينه وبين كثير من المُشاهدين الذين استنكروا ما رأوه خلال المسلسل على الشاشة. لكنْ يظل الوضع مُلتبسا، ففي الوقت ذاته رأى الكثيرون -خاصة من الشباب- في المسلسل نفسه تعبيرًا عنهم لم يسبق أن شاهدوه مُتحققًا في عمل عربي من قبل. ما يُحيلنا مرة أخرى إلى الانقسام نفسه الذي بدأنا منه، مما يدفعنا للتساؤل، أن هذا الانقسام ليس مُجرد انقسام في الآراء حول عمل فني، بل هو في القلب منه انقسام أعمق في المجتمع العربي يصير أكثر وضوحًا يومًا عن الآخر، بين من ظلوا مُتمسكين بالعادات والتقاليد وتعاليم الدين، ومن صاروا يتخذون وجهة نظر أكثر انفتاحًا وتُحررًا وتأثرًا بالغرب.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار