اغلاق
آخر تحديث: 2018/1/28 الساعة 17:36 (مكة المكرمة) الموافق 1439/5/12 هـ

انضم إلينا
"أحلك ساعة".. هل حقا ونستون تشرشل بطل خارق؟

"أحلك ساعة".. هل حقا ونستون تشرشل بطل خارق؟

إسلام السقا

محرر سينما
  • ض
  • ض

خلد أهالي مدينة فيلون (wielun) البولندية الصغيرة كعادتهم إلى النوم باكرا في الحادي والثلاثين من أغسطس عام 1939 بعد اختتام البرنامج الإذاعي بقليل، وغير بعيد عنهم كانت الحدود مع ألمانيا النازية على وشك أن تخترقها آلاف الدبابات، ليتحول هذا المجتمع الصغير الآمن إلى أول ضحايا حرب عالمية طويلة.

 

تسقط بولندا والدنمارك والنرويج، وفيما كان هتلر يفرك يديه متأملا خريطة أوروبا باحثا عن ضحيته التالية، كانت الحكومة اللندنية في طور التغيير الأهم في تاريخها السياسي. إن الساعة التي بدأ فيها هتلر هجومه البري في الأول من أيلول/سبتمبر كانت "أحلك ساعة" مرت على أوروبا في سجلها المعاصر.

 

إنها الساعة الأسوأ في تاريخ بريطانيا وتاريخ ونستون تشرشل، رئيس حكومة الحرب الإنجليزية، الذي آمن بسياسة أنقذت بلاده من استسلام مذل يمكن تلخيصها بصرخة قالها في نوبة غضب عادية "ليس بمقدورك مفاوضة الليث بينما يطبق بأنيابه على رأسك."

  

 

ينسج المخرج الإنجليزي "جو رايت" أحداث فيلمه "أحلك ساعة" Darkest Hour خلال الأيام والأسابيع الأولى من تولي تشرشل رئاسة الوزراء في الفترة الابتدائية من الحرب العالمية الثانية حين واجه الرجل ذو السيجار معضلتين أساسيتين. تمثلت الأولى في مواجهة أعضاء حزبه الذين أرادوا إجباره على توقيع اتفاق سلام مع هتلر، الأمر الذي اعتبره تشرشل استسلاما مهينا؛ فرفضه.

 

والثانية تمثلت بحصار أكثر من ثلثي الجيش البريطاني على سواحل "دنكيرك" حيث فشلت كافة المحاولات لإنقاذهم، حتى يستحضر تشرشل فكرة عبقرية بدت للجميع أنها ساذجة ولكنها انتهت بإنقاذ الجيش البريطاني من السحق التام على يد النازيين، سميت بالعملية "دينامو".

 

يضع جو رايت بصماته الإخراجية على كل دقيقة من الفيلم، إذ يزج بنا منذ مشهد الافتتاح داخل معركة برلمانية تبدو فيها أحزاب المعارضة في ثورة غضب على رئيس الوزراء آنذاك "تشامبرلين"، مطالبين باستقالته بسبب إخفاقه في إدارة البلاد في فترة الحرب.

  

 

أدى هذا الظرف التاريخي إلى توجيه الأنظار نحو ونستون تشرشل، السياسي الذي ترضى عنه المعارضة ولا يرضى عنه حزبه ولا يستطيع كسب ثقة الملك. يمضي وهو محمّل بماضٍ مليء بقرارات بدت صائبة إلا أنها كلفت حينها الكثير من الدماء. هذا الرجل ذاته هو من بات ممسكا بزمام الحكومة في أشد الأوقات التي تستلزم وجود رجل ذو مخيلة سياسية محافظة.

 

تشرشل أم أولدمان؟

إنه فيلم الغرف المغلقة. بدأ الإعداد بالنسبة للممثل البريطاني غاري أولدمان (المعروف بتجسيد أدوار الشر والغموض) قبل أربعة أشهر من بدء تصوير الفيلم.(1)، السحر الذي تخلقه يد الماكيير الياباني كازوهيرو تسوجي كان أثره واضا على الشاشة حين أشعل تشرشل سيجاره في أول مشهد يظهر فيه داخل الفيلم جالسا على سريره وسط العتمة يتناول فطوره.

 

قد يساعد المكياج على ضبط المشهد الخارجي، الوجه مستدير وممتلئ، والشعر خفيف وباهت اللون، ولكن هل يجيب المكياج عن كل أسئلة الأوسكار؟ لا بد وأن يحرك هذه الخدعة التجميلية شخص ما، يتنفس بعمق من تحتها، ويتحدث بأحبال تشرشل الصوتية التي داعبها "الويسكي والسيجار" بين وجبتي الفطور والغداء.

 

اضطر أولدمان للعمل مع أحد أساتذة الموسيقى من أجل ضبط طبقة صوتية نادرة لأيقونة بريطانية عظمى تدعى تشرشل، لم تكن التسجيلات الصوتية وحدها كافية؛ بل أراد أولدمان أن يعرف النغمة الدقيقة لصوت تشرشل، إلى أين تصل عندما يصرخ وأين تهبط إذا هدأ فجأة.

  

لم تكن المهمة سهلة بالتأكيد عندما وجد كازوهيرو تسوجي أن المسافة بين عيني أولدمان أقرب من تلك التي بين عيون تشرشل "هناك حدود للماكيير... أحيانا لا يستطيع المرء تجاوز ما تفرضه جمجمة الإنسان، "يقول كازوهيرو.(2): في الحقيقة فإن غاري أولدمان كان مختلفا أشد اختلاف عن تشرشل من الناحية الشكلية لذا فإن العملية ازدادت صعوبة. 

  

 

بمجرد أن انتهى الأمر، كان تشرشل قد انتقل نحو ثمانين عاما إلى المستقبل. تقول الممثلة كريستين سكوت توماس عن انطباعها لدى أول مرة شاهدت فيها أولدمان بمكياج تشرشل: "لم يعد غاري أولدمان بالنسبة لنا.. بدا وكأن ونستون تشرشل قد دخل فجأة إلى المنزل."(3) لم يكن جو رايت أكيدا من تحمس الجمهور لمشاهدة فيلم عن تشرشل، ولكنه كان متأكدا من وجود بعض الحماسة لمشاهدة فيلم عن تشرشل الذي يجسده غاري أولدمان.(4) حصد الأخير جوائز الغولدن غلوب، واختيار النقاد لهذا الدور؛ ومن المتوقع حصوله على أوسكار أفضل ممثل أيضا في الحفل التسعين لجوائز الأكاديمية.

  

من السهل استحضار صورة ونستون تشرشل في أذهاننا كلما ورد اسمه على مسامعنا. السيجار، النظارة، الشعر الخفيف، الوزن الزائد (الذي لا ينفي رشاقة الذهن والحركة) والصوت الجهوري والكلمات "المغلّفة والجاهزة للقتال في ساحة المعركة". يعود ذلك ربما للمرات العديدة التي رأينا فيها تشرشل إما على شاشة السينما أو التلفاز في دور درامي!

 

تجمع عدد من الصدف الغريبة هذا الفيلم مع أعمال أخرى، فهو الثاني عن تشرشل خلال عام 2017 مع صدور فيلم "تشرشل" Churchill للمخرج جوناثان تيبليتسكي، والتجسيد الثالث بعد حصول الممثل الأميركي جون ليثغو على جائزة الإيمي لأدائه نفس الشخصية  في مسلسل "التاج" The Crown، أما المصادفة الكبرى فهي بالتأكيد أن يكون ثاني فيلم خلال عام واحد عن حصار دنكيرك بعد فيلم المخرج الإنجليزي كريستوفر نولان الذي حمل نفس الاسم "دنكيرك" Dunkirk، فيلم يراه جو رايت مكملا لأحداث "أحلك ساعة"؛ ويروي الأحداث من وجهة نظر مختلفة.(5)

   

                     

"سوبرهيرو" وسلاحه الكلمات

عندما كانت القوات النازية على تخوم القنال الإنجليزية؛ كانت الجزيرة البريطانية ترتعد خوفا. خزنت لندن الحبوب وباتت على استعداد لتتحول إلى كتلة دخان ضخمة، وأن تغيب الشمس أخيرا عن الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس. وفي ظل أجواء الاحتقان الداخلي والهزائم الخارجية للجيش، كانت الطبقة البريطانية العاملة تحمل مطالب مختلفة عن تلك التي يتمناها الساسة في مراكز الحكم.

 

رفض البريطانيون التهدئة مع الفوهرر على عكس ما أراد قادة الأحزاب، فالتقط تشرشل ذلك بنباهة نادرة ليحول تلك الحالة إلى مطلب ثوري حقيقي، فاستطاع من خلال خطاباته الإذاعية والبرلمانية أن يعيد اكتشاف ما يسميه هو "الروح القتالية الكامنة في دواخلهم و لا يعرفون عنها شيئا".

 

بالنسبة لأنتوني ماكارتن -كاتب سيناريو الفيلم- فإنه من الذكاء أن تتحول قصة صعود تشرشل من بطولة مستحيلة في زمن غابر إلى أسطورة فردية بطلها رجل كان عديم الأهمية، فاقد الأهلية ومعدوم الثقة ممن هم حوله، تحول فجأة إلى الرجل الذي ساعد على خلاص البشرية من الشر النازي وزعيمه أدولف هتلر. وهو الاستهداف العاطفي الملغّم بالكثير من المواقف الكوميدية في الفيلم جعل من تشرشل بالنسبة للمشاهد بطلا خارقا ومثلا أعلى يحتذى به.

  

 

لم يخل الفيلم من انتقادات حول دقة تناوله للرواية التاريخية للأحداث، وللطريقة التي عرض فيها مبادرات تشرشل الريادية في وقتها؛ فيما يتعلق بشجاعة الصمت والاستماع، بقدر شجاعة الرفض والصراخ. قد تكون الدراما السينمائية مشتتة أحيانا ومضللة حول طبيعة الرجل الذي خرج على يد جو رايت بطلا عالميا ومثلا أعلى للمقاومة فيما يراه آخرون مجرد مجرم آخر.

 

يأتي هذا "التلميع" لشخصية تشرشل في ساعة سيئة من ساعات بريطانيا اليوم، "لا سيما بشأن التخبط في مشروع الخروج من الاتحاد الأوروبي (البريكست)، والفشل المعلن للتيار المحافظ في تقديم شخصيات قيادية معاصرة قادرة على ملء الخواء الفكري الذي يتملكه"(6). لذا يبدو الفيلم هنا مجرد استجداء لتشرشل جديد قادر على انتشال المملكة المهددة بالتفتت من الأعاصير القادمة من خلف القنال.

   

تحوم الشكوك تحديدا حول رجوع قرار تشرشل في مواجهة النازية إلى مبدأ عميق لديه، فالرجل نفسه كانت تربطه علاقة جيدة مع موسوليني ودعمه لصعود تياره إلى السلطة كما كان المسؤول المباشر عن مجاعة مهلكة في الهند عام 1943، ذهب ضحيتها أربعة ملايين شخص على الأقل، إضافة إلى أحداث أخرى لا تصب في صالح "الاسطورة" البريطانية على الإطلاق. (7)

  

 

حول الدقة التاريخية لبعض المشاهد، قال حفيد تشرشل أن الفيلم احتوى على مشهد يغامر فيه تشرشل بالنزول وحيدا إلى خطوط المترو ليحتك مع المواطنين عن قرب ويعرف آراءهم واستعدادهم بخصوص خوض الحرب مع هتلر، وأن هذا المشهد محط شك تاريخي.(8)

 

يمكننا التعامل مع الفيلم من وجهتي نظر مختلفتين، إما دراما سينمائية خاضعة للفحص التاريخي، أو فيلم يعبر عن إرادة شخص كان حتى وقت قريب يندفع من هاوية إلى أخرى، و بدا أنه لا حد لمعاناته، يهوي نحو مستقبل مظلم لم يحلم بأن يختاره لنفسه في يوم من الأيام، ثم يحدث وأن يستمد قوته من إرادة الناس البسطاء من حوله، ليكتشف فيه وفي الآخرين قوة لم يكن يتخيلها، ويدعم ذلك شريط مبهر بصريا على مستوى السرد. يبدو أن جو رايت يعرف تماما كيف يروي حكاية تسلب المشاهدين نظرهم لحوالي 125 دقيقة، هي طول الفيلم.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار