اغلاق
آخر تحديث: 2018/10/2 الساعة 12:18 (مكة المكرمة) الموافق 1440/1/23 هـ

انضم إلينا
البطل الشعبي المصري من الموال القصصي إلى شاشة السينما

البطل الشعبي المصري من الموال القصصي إلى شاشة السينما

آية طنطاوي

كاتبة
  • ض
  • ض

ساحة شعبية مفتوحة يُقبل عليها الحضور من كل حدب، تحتشد الأجساد وتتلاصق حول المؤدي الشعبي؛ الذي جاء ليشدو لهم بالمواويل التي يحفظها عن ظهر قلب، وقضى ليالي عدّة يحيي بها الموالد والمناسبات الشعبية. لا يكف البسطاء عن الاستماع للحكايات الشعبية، تغويهم الحكاية وتجذبهم المغامرات، ويسحرهم البطل الشعبي الذي يشبع حاجتهم للإيمان بوجود مخلّص ينتصر للخير على الشر لعلهم يجدون متنفسا لآلام ومصاعب الحياة. كان هذا في بدايات القرن العشرين حيث الظهور الأول للمواويل القصصية المصرية وأبطالها الذين تحولت قصصهم الحقيقية إلى أساطير تراجيدية يخلدها الموال.

  

كانت العراق هي الحاضن الأول لنشأة الموال، ثم انتقل إلى مصر في النصف الثاني من القرن الثامن الهجري وكان المصريون قد عرفوا في تلك الفترة الموشوحات والأزجال من الأندلس فاستحسنوا فن الموال وطوروه؛ وتختلف أنواع المواويل من حيث الشكل والقالب والمضمون ويعتبر الموال القصصي واحدًا من أنواع المواويل التي تصنف على أنها شعر قصصي شعبي يلقى بالعامية[1] .

   

"هي المواويل التي تحكي قصة ما بأن تأخذ حدثًا واحدًا أو موقفًا منفردًا لتبني عليه قصتها التي تستمد غالبًا من القصص الشعبي المشهور إما مباشرة أو عن طريق استلهام روح هذه القصص، وتقديمها بصورة جديدة، ولكنها لا تخرج في النهاية في جوهرها عما يعتنقه الشعب من قيم، وما يحفل به من مُثُل عُليا في الحياة تصوغ سلوكه وعاداته وتقاليده"[2]

 

 صورة أدهم الشرقاوي (مواقع التواصل)

  

مع بداية الفتح الإسلامي لمصر أقبلت الوفود من مكة المكرمة واستوطنوا في محافظات متفرقة، واستقرت أحد العائلات في محافظة الشرقية ولقبت فيما بعد بعائلة "الشرقاوي"، وامتدت جذور العائلة إلى أن أنبتت أحد فروعها عام 1897 "أدهم عبد الحليم علي عبد الرحمن الشرقاوي" أو "أدهم الشرقاوي". كثرت الحكايات عن ذكاء الطفل ونبوغه، فقد تلقى تعليمه في مدارس فرنسية بطنطا في زمن كان فيه التعليم أمرًا نادرًا بين الصبية في سنِّه، وكان الولد الوحيد من ذرية أبيه بعد موت الصبية من أبنائه. وفي نهار يوم قاسٍ قُتل عم أدهم فاحترق قلبه حزنًا وغضبًا وقرر أن يأخذ بثأره. سُجن أدهم ظُلمًا لكن الثأر كان يطارده فقتل "عبد الرؤوف عيد" قاتل عمه داخل السجن، ثم أشعل ثورة جديدة بين السجناء تزامنت مع أحداث ثورة 1919 بالقاهرة، وقيل إنه من فرط قوته الجسمانية خلع باب الزنزانة وقيد الحراس وهرب من السجن مع زملائه[3].

 

"الواد كان رفيع الوسط سبحان خلاقه

انتنى وانفرد في الزنزانة هد أركانها

ونط من السجن حتى الصول ما شافه"

(موال أدهم الشرقاوي)

  

 وتتوالى مغامرات أدهم من السجن إلى الهروب للانتقام من الإنجليز والإقطاعيين، وبراعته في التنكر التي مكنته في ارتكاب عدد من الأعمال الانتقامية كالسطو على أموال التجار الأغنياء والإقطاعيين والإنجليز وتوزيعها على الفقراء من أهل قريته. يخلد التراث الشعبي قصة أدهم كبطل شعبي أسطوري استطاع أن يأخذ بثأره ويعيد لأهل قريته ما سُلب منهم عنوة وتصدى للإنجليز، في حين يرى البعض أنه مجرد بلطجي يسطو على أموال الناس بغير حق، ويمارس فعل القتل باسم الثأر دون اللجوء للقضاء.

    

  

عادة يتسم الأبطال في المواويل القصصية بالصفات النمطية للبطل الشعبي الذي يحمل صفات الخير المطلق ويواجه بمفرده الشر المطلق، فأدهم الشرقاوي هو الشاب الذكي، المتعلم، الماكر، ذو البنيان الجسدي القوي، وهو الباحث عن العدالة فقرر أن يستعيدها بنفسه وعلى طريقته الخاصة، وكل مراوغاته الماكرة تبررها القيمة التي يسعى الموال لترسيخها وهي الأخذ بالثأر وعدم التساهل في الحق. والبطل الشعبي لا يمثل نفسه فحسب، بل يحمل سمات مجتمعية ظاهرة، فمحنته هي إسقاط لمحنة مجتمعه وانتصاره هو أمل جديد لهم في النصر والخلاص[4].

 

بطل جديد في ثوب بطل قديم

"أنا ميهمنيش مؤبد مش مؤبد، كلها محصلة بعضها، ما انتوا كمان في سجن، الشعب كله في سجن كبير.. هم حكموا عليا بالمؤبّد، لكن الشعب حكم عليهم بالإعدام"

(فيلم أدهم الشرقاوي)

 

وجهه المصري الأصيل ذو البشرة السمراء والملامح الحادة المنحوتة من أبرز أسباب تميّز عبد الله غيث بطل فيلم أدهم الشرقاوي، كان غيث في تلك الفترة واحدًا من أبطال المسرح والدراما التليفزيونية في فترة الخمسينيات والستينيات كما عُرف بتمثيل الأدوار الجادة مما أهله ليكون الأنسب لدور أدهم. جاءت معالجة سعد الدين وهبة السينمائية لموال أدهم الشرقاوي بإسقاط سياسي واضح يمكننا تلمسه من اختيار هذا الموال بالتحديد للبطل الذي ينادي بالثورة على الإقطاع والإنجليز ويعيد الأموال المنهوبة والأراضي لأهل القرية، فالفيلم أنتج في بداية الستينيات أي بعد ثورة 52 بعشر سنوات، فظهور نماذج درامية ترسخ من جديد مبادئ الثورة على الإقطاع والاستعمار واحد من عوامل دعم الثورة وقائدها الراحل جمال عبد الناصر الذي يذكرنا به البطل أدهم الشرقاوي. كما جاء صوت الثورة عبد الحليم حافظ ليغني موال أدهم الشرقاوي على مدار الفيلم كأنه يرنم لأسطورة ذلك البطل الذي ستخلد حكايته بالحكي والغناء، ويؤكد على الجماهير أنهم مازالوا بحاجة إلى التطلع لبطل ثائر قادر على تخليصهم من ظلم المستعمر وسلطة الإقطاع ليعود بعدها ليقف في صفوف الشعب الذي جاء من رحِمِه.

  

    

قُتل أدهم الشرقاوي في نهاية الموال والفيلم برصاص الحكومة الغادر، لكن هذا الموت لم يقتل بطولاته وتاريخه كنموذج مثالي للبطل الشعبي المدافع عن الفلاحين الذي نطق بالحق فدفع حياته ثمنًا لجرأته.

 

الوجه الحزين لبطلة غائبة

ارتجفت يداه وكاد قلبه أن ينخلع من صدره بعد أن رأى صورة شقيقته في جيب أحد أصدقائه. ترك متولي أخته شفيقة غصبًا بعد أن استدعي للتجنيد مرة أخرى، لا يعلم عن أحوالها شيئًا، وما خفي عليه كان عظيمًا، ففكت شفيقة ضفائرها وخلعت ثوبها الساتر واحترفت العمل في أوكار الدعارة، فلم يكن أمام متولي أي خيار سوى العودة إلى بلده ليقتل شفيقة ويستعيد شرفه.

"قالت خدني واتوب على إيدك

قال لها يا شفيقة بعد إيه تتوبي

وتتمحكي وتقولي مكتوبي

دي رُقعة ما تطلعش من توبي"

(موال شفيقة ومتولي)

     

  

يحكي موال شفيقة ومتولي قصة الأخ الذي قتل أخته في حادثة شرف، ويمجد الموال متولي على أنه بطل حقيقي لديه نخوة ولا يرضى ببديل سوى قتل أخته بيده بعد أن باعت شرفها في المواخير فكان التركيز على هذا البطل الذي تميز ببنيان قوي ومهارات قتالية في الجيش وحصل على نياشين، وهو أيضًا صاحب مبدأ أخلاقي جعل القاضي -الذي حاكمه بعد قتل أخته- يوافقه فيما فعل مما يؤكد الحكمة الأخلاقية التي يسعى الموال لترسيخها.

   

لم تقتصر معالجة فيلم شفيقة ومتولي التي كتبها أحمد شوقي عبد الحكيم، على النظرة الأحادية في الموال التي كانت تقف في صف متولي فقط، بل اتسعت المعالجة لنرى شفيقة عن قرب ولنعرف لماذا لجأت إلى بيع شرفها؟ انتقل الفيلم إلى فترة حكم الخديوي إسماعيل، بالتحديد في أجواء حفر قناة السويس حيث استعرض الجانب المظلم من هذا المشروع حيث التجنيد الإجباري للرجال من الفلاحين ليعملوا عنوة بالسُخرة في حفر القناة. فبعد أن أخذوا متولي أصبحت شفيقة وحيدة هي وجدها العجوز لا مصدر لهما للرزق، تبحث عن الطعام في الشوارع كالكلاب الضالة، قتلتها الحاجة والعوز ومع ذلك رفضت شفيقة إغواء السقوط في الخطيئة أكثر من مرة لكن الوقت يمر والأمل في عودة متولي اختفى، وكان الجوع يحفر بأنيابه الحادة في جوفها.

   

إن البعد الإنساني الذي أضفته المعالجة السينمائية للموال كان بمثابة رد صريح على الموال بأن بيع الشرف ليس فقط بسبب فساد أخلاقي بل إن العوز والجوع قد يكونوا سببًا ضاغطًا للمرأة التي لا حولها لها، كما أن بيع شفيقة لجسدها لا يختلف في شيء عن بيع متولي لنفسه في التجنيد الإجباري، وفي كلا الحالتين كانوا مكتوفي الأيدي أمام ما يحدث لهما، وقلة الحيلة هي عزاؤهم الوحيد.

  

      

في الموال يقتل متولي أخته دون ندم، ويؤيده القاضي على ما فعله وهذا الفعل ينتصر للبطل الشجاع الذي ثأر لشرفه، وفي نهاية الفيلم ظهر أحمد زكي بوجهه الشاحب وبشرته السمراء وعيونه التي تملؤها الدموع وهو يبكي على أخته التي افتقدها وعلى شرفها الذي ضاع وعلى حزنه لأنه سيقتلها، لكن رصاصة مجهولة اخترقت جسدها نعرف أنها من الباشا الذي يتاجر في شراء الرجال ليعملوا بالسخرة في حفر القناة وهي إشارة واضحة إلى أن الجاني الحقيقي هو ظلم الباشوات وأن الفقراء هم من يموتون غدرًا ويدفعوا ثمن الجشع والظلم.

  

     

كتب صلاح جاهين سيناريو وحوار الفيلم، وارتدى ثوب الراوي الشعبي الذي يقص علينا موال شفيقة ومتولي الذي كتبه للفيلم والذي يحمل الوجه المنكسر والحزين لما حدث للأخ وأخته. وفي النهاية انتصر الفيلم إلى أن شفيقة ليست مجرمة كما عرفنا من الأصل، لكنها بطلة أيضًا أخطأت ودفعت الثمن ومتولي لا يزال البطل الجريح الذي يحمل جسد أخته فوق ذراعيه، بل يحمل أيضًا مأساتها.

   

لا تخلو الموالد الشعبية والدينية الآن من وجود المنشدين والمدّاحين والرواة الشعبيين، والمواويل القصصية مازالت تصدح في هذه الأجواء الفلكلورية، يحفظها الجمهور ويتوافدون لسماعها في كل مرة، فصوت المؤدي الشعبي وحضوره من أهم عوامل نجاح الموال واستمراره. الموال بالأساس يُسمع ولا يُقرأ وتذكره الأجيال بصوت المؤدي الذي اشتهر به مثل أداء حنفي أحمد حسن لموال شفيقة ومتولي، وغيره من المؤديين أمثال: حنفي حسن، محمد طه.. وغيرهم، لكن هذه المواويل القصصية لم تثمر إنتاجًا جديدًا عن المعروف من التراث الشعبي (أدهم الشرقاوي، حسن ونعيمة، ياسين وبهية، شفيقة ومتولي) أما الاقتباس السينمائي من المواويل توقف عند فيلم شفيقة ومتولي، ربما لم يعد هؤلاء الأبطال ملائمين للعصر الحديث الذي أصبح فيه الأبطال الخارقين هم النموذج الأمثل لصورة البطل الحديث، كما أن البطل المدافع عن قيم أخلاقية مجتمعية ويمارس القتل ويواجه الأخطار من أجلها لم يعد أيضًا جذابًا ومثاليًّا، بل أصبح البطل الفردي الذي يدافع عن نفسه وحده ويرفع الظلم الواقع عليه أكثر اتساقًا مع الذوق العام للجمهور الحالي.

   

إن التراث الشعبي لن ينسى أبطاله طالما استمرت الساحات الشعبية تصدح بمواويلهم وتنقلها عبر الأجيال، وسيبقى البطل الشعبي الذي يدافع عن الحق ويحمل أخلاق البيئة المحافظة هو البطل الحقيقي الذي يصل بالجمهور البسيط للشعور بالتطهر ويرسخ فيهم عاداتهم ومبادئهم التي ورثوها عبر الأجيال.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار