اغلاق
آخر تحديث: 2018/10/4 الساعة 09:41 (مكة المكرمة) الموافق 1440/1/25 هـ

انضم إلينا
فيلم شاوشنك.. فشل في شباك التذاكر لكنه أصبح أفضل فيلم في التاريخ

فيلم شاوشنك.. فشل في شباك التذاكر لكنه أصبح أفضل فيلم في التاريخ

مها فجال

محررة فنية
  • ض
  • ض

استمع للتقرير

  

"إن لم يعجبكما الفيلم، يمكنكما استرجاع ثمن التذكرة"

    

   

يائسان ومُحبطان، لم يجد فرانك داربونت مخرج ومؤلف فيلم "الخلاص من شاوشانك" وليز جلوتزر منتجته طريقة أفضل من هذه لاستجداء الجمهور لحضور الفيلم في ليلة عرضه الأولى. فبعد ساعات من الطواف بين دور العرض الخاوية، وقف المخُرج والمنتجة عند مَدخل إحدى السينمات محاولين إقناع فتاة وصديقتها بكل الطرق حتى يشاهدا فيلمهما. (1)

   

كان فرانك بالطبع قد توقع أن فيلمه لن يلقى نجاحا ساحقا في شباك التذاكر، لكن ألا يشاهده أحد تقريبا في ليلة العرض الأولى فذلك فاق أكثر كوابيسه سوداوية. حاصرته تلك المخاوف أكثر شيء في مرحلة الكتابة، لكن بعد أن انتهى من تحويل قصة "ريتا هيووارث والخلاص من شاوشانك" التي كتبها ستيفن كينج ونُشرَت في مجموعة "فصول مختلفة" لسيناريو باهر بشهادة الجميع، بدأت تلك المخاوف في الخفوت شيئا ما، وجاء عرض الفيلم الخاص الأول ليمحوها تماما. ففي تلك الليلة، خرج الجمهور من الصالات في حالة من النشوة، وأعجب الفيلم الكثير من النُقاد؛ لكنه، للأسف، لم يعجبهم كلهم. (2)

    

فقد كان أحد أسباب الإيرادات الكارثية التي حققها "الخلاص من شاوشانك" في شباك التذاكر هي المراجعة النقدية لكينيث تيوران، الناقد الشهير في صحيفة "لوس أنجلوس تايمز"، والتي جاءت سلبية لدرجة جعلت الجماهير تُعرض عن دخوله في السينمات، مُفضّلة إنفاق دولاراتها في مشاهدة فيلم آخر. وفي حالة "شاوشانك"، فقد كانت المنافسة حقا غير متكافئة بينه وبين سائر الأفلام المعروضة في الوقت نفسه تقريبا. (3)

  
المخرج فرانك داربونت (مواقع التواصل)

       

فبعد بضعة أسابيع من طرحه في السينمات، بدأ عرض فيلم "خيال رخيص" لكوانتن تارانتينو، والذي كان قد ظفر قبلها بشهور قليلة بسعفة كان الذهبية، ما أعطى للجماهير سببا أكثر من كافٍ لتتحمس لمشاهدته. وفي النطاق الزمني نفسه، بدأ عرض فيلم "فورست جامب" الذي استمر في حصد إيرادات عظيمة جعلت السينمات تتركه في برنامجها لأكثر من أربعين أسبوعا متواليا. هكذا، عُرِضت تلك الأفلام الثلاثة مع بعضها البعض، ليحقق "خيال رخيص" و"فورست جامب" نجاحا جماهيريا تاريخيا، ويفشل "الخلاص من شاوشانك" في تغطية كلفة إنتاجه حتى. (4)

 

لكن في فبراير/شباط من العالم التالي، 1995، بدا كما لو أن الحظ يبتسم أخيرا لفرانك. فقد أعلنت الأكاديمية عن ترشيحات الأوسكار، وحصل فيلمه على سبعة ترشيحات كاملة. ذهب فرانك وأبطال العمل إلى حفل الأوسكار والأمل يداعبهم في الحصول ولو على جائزة واحدة تغطي فشل الفيلم الجماهيري الذريع. كُشِف الستار عن النتائج الواحدة تلو الأخرى، وفي نهاية الليلة، لم يُنطَق اسم "الخلاص من شاوشانك" ولو مرة واحدة عند الإعلان عن الفائز. ذهب فرانك لبيته تلك الليلة، جارًّا خلفه أذيال الخيبة، حزينا على ضياع الفرصة الأخيرة التي كان ينتظرها حتى يشعر أن عناءه لم يذهب هباء، أن إيمانه بـإمكانات "الخلاص من شاوشانك" السينمائية منذ كان مجرد قصة مطبوعة بين صفحات كتاب كان في محله. لم يبق أمامه حينها سوى مواجهة هزيمته والاعتراف بالحقيقة المُرّة: لقد صُنع الفيلم للنسيان.(5)

لكن ما لم يتوقعه فرانك ولا أي شخص آخر أن فيلمه ذاك بعد أشهر قليلة سيتحول إلى واحد من أكثر الأفلام مُشاهدة وحبا بين الجماهير في العالم أجمع.

   

   

ميلاد السيناريو

لم تكن تفاصيل الحياة في أماكن مُكدّسة ومُقبضة كما رأيناها على الشاشة في "الخلاص من شاوشانك" بالغريبة على فرانك دارابونت. فقد فتح فرانك عينيه أول مرة على الوجود في مخيم لاجئين على حدود فرنسا. إلى هناك، كان أن سافر أبواه سيرا على الأقدام خوفا على حياتهما وحياة ابنهما الذي كان بعد جنينا من عواقب الثورة التي انفجرت في بلدهما المجر عام 1956. ظلت تلك التجربة محفورة في روحه، وأخذت تتجلى قبسات منها في الكثير من أفلامه التي اتخذت من القسوة الإنسانية ثيمتها الأساسية. يقول فرانك عن هذا: "لقد عشت في ظلال تلك الأيام طوال حياتي". (6)

 

وإن كانت الحياة قد قست عليه في البداية، فإنها سُرعان ما ستصبح ألطف شيئا ما فيما بعد. ربما أكثر لحظة شعر فيها فرانك أن الحظ يقف إلى جنبه أخيرا كانت عندما وافق ستيفن كينج، بطل طفولته، على أن يقوم بتحويل إحدى قصصه القصيرة إلى فيلم لقاء أقل ثمن ممكن: دولار واحد فقط.(7) فمنذ السبعينيات وكاتب روايات الرُعب الأشهر يُتيح لصُنّاع السينما النُشء اقتباس قصصه القصيرة تقريبا بالمجان على أن يلتزموا بعدم عرض الفيلم قبل أن يراه ويحوز على موافقته. (8) وهكذا، فتح كرم ستيفن كينج الاستثنائي ورغبته في مساعدة المبتدئين الطريق أمام فرانك لصناعة أول أفلامه. وسيصبح ذلك الفيلم نفسه فيما بعد نقطة الانطلاق لعلاقة إبداعية طويلة سيمثّل "الخلاص من شاوشانك" أبرز محطاتها. (9)

   

   

صوّر فرانك فيلم "المرأة في الغُرفة" المقتبس عن قصة كينج، وصنعه وهو تقريبا على حافة الإفلاس. لكن ستيفن كينج شاهد ذلك الفيلم وأحبه لدرجه وافق معها على بيع حقوق قصة "ريتا هيوارث والخلاص من شاوشانك" لفرانك الذي كان مولعا بها لقاء خمسة آلاف دولار فقط. لن يصرف ستيفن كينج المبلغ، وسيعيد الشيك لفرانك بعد عرض "الخلاص من شاوشانك" بعدّة سنوات، فقد كان الأثر الذي حققه الفيلم في الجماهير أثمن من أي شيء قد يُشترى أو يُباع بالمال. (10) لكنه لن يدرك هذا إلا لاحقا، حينما يبدأ فرانك بالفعل في العمل على الفيلم، أما في تلك اللحظة التي طلب فيها منه حقوق القصة، لم يعرف كينج حقا ما الذي جعل فرانك يرى في "ريتا هيوارث والخلاص من شاوشانك" قصة صالحة للتحول إلى فيلم أصلا. ولم يكن كينج وحده في هذا.

 

يروي دارابونت: "كثير من الناس كانوا يأتون إليّ ويقولون: يا إلهي، لم أكن لأختار تلك القصة أبدا وأجعل منها فيلما، إنها غير سينمائية على الإطلاق". ولم يُجانبهم الصواب حقا في هذا، فقصة كينج تتكون من مقاطع سردية طويلة تحكي فيها شخصية ريد عن صديقه آندي دوفراين، مُبرزا انطباعاته عنه وعن شخصيته، ما يجعلها غير مناسبة بشكل تام للصورة. لكن كان لفرانك رأي آخر: "بالنسبة إليّ كانت تلك القصة من أكثر القصص سينمائية على الإطلاق، ففي العمق منها نجد القلب الإنساني".(10)

 

لم يترك داربونت قصة كينج كما هي، بل أجرى عليها أكثر من تعديل لم يمس الخط السردي الأساسي لها، لكنه ساهم في خروج الفيلم مشحونا بتلك العواطف الحارة التي رأينها على الشاشة. فالعجوز بروك الذي ينتحر في الفيلم نتيجة لعجزه عن التأقلم مع العالم الخارجي، يموت بشكل طبيعي في دار مُسنين في القصة الأصلية، وتومي الذي تخترق جسده الشاب رصاصة مدير السجن وترديه قتيلا، يقرر في القصة الأصلية أن يبيع صمته لقاء الانتقال إلى سجن ظروفه أفضل. أما ذلك المشهد الأيقوني الذي يُغلق فيه آندي باب مكتب مدير السجن دونه ويُشغل الموسيقى ليسمعها النُزلاء جميعا، فلم يكن موجودا في النص الأصلي من الأساس.(11)

    

   

يقول فرانك عن هذا: "في قصة كينج -وأنا لا أنتقدها على الإطلاق لأني أرى فيها واحدة من القصص التي تكاد لا تشوبها شائبة- هنالك بعض الغموض والالتباس، وهو شيء طبيعي تماما بالنسبة لنص أدبي. أما في الأفلام، فتحتاج إلى أن تضع نهاية قاطعة لكل نقاط الحبكة، لذا فقد كان عليّ أن أُحكم غلق كل الخيوط الدرامية بشكل تام".(12)

 

انتهى فرانك من السيناريو في فترة قصيرة، وكانت النتيجة باهرة للجميع. يقول ستيفن كينج: "بعدما قرأت السيناريو ، رأيت عملا رائعا، بديعا، مُذهلا بحق. لكن في الوقت نفسه، لم أكن واثقا أن أي أستوديو سيهتم بتحويله إلى فيلم".(13)

 

كانت شكوك كينج واقعية تماما، فأوائل التسعينيات كانت فترة احتلّت فيها أفلام بروس ويليس وأرنولد شوارزنجر التي تعتمد على الإثارة والأكشن شباك التذاكر. من كان ليريد حينها أن يصنع فيلما عاطفيا خاليا من اللكمات والمُطاردات وقائما بالكامل على التطور والنضج الداخلي لشخصياته، وفوق كل هذا تكاد لا توجد فيه شخصيات نسائية؟ كتب كينج في مقدمة نسخة مُطبوعة من السيناريو سيتم نشرها فيما بعد يقول: "هذا كان واحدا من السيناريوهات التي كان من الصعب تخيّل أن أحدا سيسمح بتحويله إلى فيلم. فقد كان قائما على موضوعات بلا رواج جماهيري، مليئا بأكليشيهات سينمائية ظننت أنه لم يكن مقدرا لها أن تنجح". لكن رغم كل هذا، يبدو أن قوى الحظ كانت تقف في صف فرانك، فجعلت له في "كاسل روك"، أول أستوديو يعرض عليه سيناريو الفيلم، ملاكا حارسا. (14)

 

كانت ليز كلوتزر، أحد منتجين أستوديو "كاسل روك"، مولعة بأفلام السجون، وإليها كانت تصل كل السيناريوهات من ذلك النوع. ولهذا السبب، أعطاها الأستوديو سيناريو "الخلاص من شاوشانك" لتقرأه وتقرر مصيره. تقول ليز: "كان هذا أفضل سيناريو قرأته في حياتي كلها. سأبدو أكثر ذكاء على الأرجح لو قلت إننا عندما قرأنا السيناريو حللناه وترددنا في اتخاذ قرار حياله، لأن ذلك ما كان من المُفترض أن يحدث، لكن في الواقع، كانت العاطفة القوية التي شعرنا بها حيال هذا النص وحدها ما يحركنا".(15)(16)

 

وحقا كان يجب عليهم أن يترددوا، فأفلام السجون لم تكن أبدا ضمن الخيارات مضمونة النجاح في شباك التذاكر، ما يجعل من إنتاجها مغامرة غير مضمونة العواقب. لكن ليز لم تترك لأحد المساحة لأن يتردد، فقد أعلنت أنه لو لم يتم صناعة هذا الفيلم، ستترك الأستوديو وتغادر.(17)

   

   

لم تضطر ليز للمغادرة قط، فقد اتخذ الأستوديو المُجازفة ووافق على صناعة الفيلم. ومن هنا، بدأت رحلة إعطاء السيناريو المكتوب جسدا سينمائيا، سيُسفر في النهاية عن "الخلاص من شاوشانك" الذي شاهدناه وأحببناه جميعا، لكن تلك الرحلة لم تكن بالسهلة أو البسيطة على الإطلاق.

  

بداية التصوير

إن كان دارابونت قد غيّر بعض العناصر في قصة ستيفن كينج، فإن هنالك شيئا قرر الحفاظ عليه كما هو تقريبا. أبقى فرانك على المقاطع الطويلة التي ينطلق فيها صوت ريد مُعلقا وساردا للأحداث. وقد خاف كثيرا وهو يفعل هذا، فترك مقاطع سردية سيتم تنفيذها بالفيلم عن طريق التعليق الصوتي يعتبر خرقا عظيما لواحدة من أهم قواعد السينما: "اجعل المشاهدين يرون ما يحدث، لا تخبرهم به بشكل مباشر".(18) لكنه لم يستسلم لخوفه وأفرد مساحة ليست بالقليلة في السيناريو لتلك المقاطع السردية، ونجح عبرها في الاحتفاظ بروح ستيفن كينج ونصه الأصلي ليترددا خلالها بوضوح. ولهذا، فقد كان لصوت من سيقوم بلعب شخصية ريد أهمية قصوى.(19)

 

في قصة ستيفن كينج، نجد أن ريد رجل أبيض من أصل أيرلندي شعره أحمر اللون. عاشت تلك الصورة طويلا في خيال فرانك، ما جعل كل الممثلين الذين خطروا على باله لتأدية الدور بيض البشرة. لكن عندما لم يجد أحدا من هؤلاء مُتاحا للعب الدور، أشارت عليه ليزا بشخص لم يخطر على باله قط: مورجان فريمان. فور سماعه الاسم والذي استدعى بالضرورة ملامح صاحبه الهادئة الموحية بالحكمة وصوته الرصين ذا الرنين الساحر، تعجّب فرانك أن فريمان لم يخطر على باله قط، وقام بالتواصل معه في الحال.(21)(20)

   

   

لم يخبر أحد فريمان وهو يقرأ السيناريو أي شخصية من المفترض أن يلعب، لكنه تحمّس له لدرجة كان مستعدا معها على الموافقة على أي دور مهما كان. يروي فريمان: "سيناريو "الخلاص من شاوشانك" كان ممتعا بكافة المقاييس، لهذا اتصلت بوكيل أعمالي وقلت له: "أنا لست مُهتما أي دور هو المعروض عليّ، أريد أن أشارك في هذا الفيلم بأي طريقة"، وعندما قال لي: "إنهم يريدونك أن تلعب دور ريد"، شعرت بالذهول، وقلت في نفسي: يا إلهي، سأتحكم أنا بالفيلم!".(22)

 

أما اختيار الممثل الذي سيلعب دور آندي، فلم يسر بتلك السهولة. عُرِض الدور على واحد من أكبر نجوم هوليوود وأكثرهم شعبية، توم كروز، وعندما علم كروز أن دارابونت ذا الخبرة الإخراجية القليلة سيقوم بإخراج الفيلم بنفسه، رفض في الحال، ليتكرر الموقف نفسه مجددا مع توم هانكس ونيكولاس كيدج.(23)

 

لم يكن سوى مورجان فريمان نفسه الذي اقترح اسم تيم روبنز، وتواصل معه شخصيا ليعرض عليه الدور. عندما قرأ روبنز، الذي سبق وحاز على جائزة أفضل ممثل في مهرجان كان، النص، وقع تحت تأثير سحره الذي سبق وأغوى كل من قرأوه ليوافق مباشرة على لعب الدور. وهكذا، تم الانتهاء من اختيار الممثلين اللذين سيقومان بتجسيد واحد من أشهر الثنائيات في تاريخ السينما الحديث. وبعد أن تم تسكين كل الأدوار والاتفاق على فريق العمل، لم يبق سوى اختيار المكان.(24)

   

   

لم يكن مضى سوى عامين فقط على إغلاق إصلاحية ولاية أوهايو المعروفة أيضا باسم "مانسفيلد"، لظروف معيشتها غير الآدمية،(25) عندما وقع اختيار مصممي الإنتاج عليها لتصير موقعا لتصوير "الخلاص من شاوشانك". بدا كما لو أن كل تلك الأرواح الشابة المعذبة التي سكنت هناك على مدار أكثر من مئة عام لم تغادر تماما، ففي فضاء الإصلاحية وغرفاتها الضيقة، يُخيّل إليك أنك ترى وجوههم المتألمة تلوح إليك في كل مكان.

 

لم تعرف إصلاحية مانسفيلد ضوء الشمس، فبالرغم من ارتفاع سقفها الشاهق الذي كان هدفه أن يجعل أعين المساجين تتجه صوب السماء -أو هكذا أراد مُصمم البناء ليفاي سكوفيلد المتأثر بالمعمار المسيحي عندما وضع رسم الإصلاحية عام (25)1886- فإن الأبواب والشبابيك الموصدة باستمرار حالت دون هذا، وبترت الأفق الواسع أمام ساكني مانسفيلد فلم تسبح أعينهم أغلب اليوم سوى في ظلام السجن المُقبض.

  

يمكننا أن نرى تلك العتمة بأنفسنا، فكل مشاهد فيلم "الخلاص من شاوشانك" الداخلية تقريبا يسيطر عليها غياب الضوء، أو اختراقه لساحات السجن لِمامًا على استحياء. في الواقع، فإن أول مشهد نجد فيه إضاءة ساطعة في الفيلم هو ذاك الذي يصعد فيه آندي ورفاقه إلى السطح لترميمه. عدا ذلك، يسيطر الظلام على كل شيء، ولم يكن ذلك الظلام نفسه سوى قبس من روح إصلاحية مانسفيلد القاتمة حيث دُفنت الكثير من الصرخات والآلام.

   

   

يقول الممثل بوب جانتون الذي قام بأداء شخصية مدير السجن: "إن مثلت مشهدا في ذلك المكان، فستشعر في ثناياك على الفور بثقله. كان كشخصية مستقلة تطفو فوق كل المَشاهد". ويستطرد مورجان فريمان الحديث: "قمنا بعمل جولة تفحصنا فيها الإصلاحية بالكامل قبل البدء في التصوير. دخلنا حتى إلى تلك الغرف المدمرة، تلك الأقفاص الخانقة حيث أبقوا على المساجين. في كل مرة تطأ قدمي فيها سجنا حقيقيا، يسيطر عليّ شعور مقبض أن الباب سيوصد دوني وسأبقى محبوسا هناك للأبد". ويروي تيم روبنز في السياق نفسه: "أتذكر أنني اصطحبت ابني إلى موقع التصوير ولم يكن عُمره حينها سوى ثلاث أو أربع سنوات، ولحظة دخولنا لأحد الزنازين أخذ يقول لي: "أبي، أنا لا أريد أن أكون في هذا المكان"، وعندما سألته لماذا، قال لي: "إنه مكان حزين للغاية". حتى هو استطاع أن يشعر بذلك الثِقل المهول للألم والمعاناة التي وقعت في ذلك السجن، ثقل حقيقي للغاية تكاد تلمسه بيديك".(26)

 

انتهى التصوير بعد ثلاثة أشهر طويلة اضطر فيها الفريق أن يعمل من خمس لثماني عشرة ساعة متواصلة ستة أيام في الأسبوع.(27) في مرحلة ما بعد الإنتاج، حُذفت بعض المشاهد لتقليل وقت العرض الذي كان طويلا للغاية؛ واحد من هذه المشاهد كان مشهد النهاية الشهير بعد إطلاق سراح ريد عندما ذهب ليقابل آندي على شاطئ المكسيك بابتسامة واسعة تنير وجهه من جنب إلى جنب. ففي الواقع، لم يكن ذلك المشهد أصلا في سيناريو دارابونت، حيث جعل الفيلم ينتهي وريد على متن الحافلة ينظر للأفق، آملا أن يحمل الغد له لقاء آخر مع صديقه. أما ذلك المشهد على الشاطئ، فقد كان فكرة ليز جلوتزر.(28) لم تعجب تلك الفكرة دارابونت في البداية، فقد رأى فيها "نهاية تجارية مُصطنعة"، لكنه اقتنع أخيرا برأي ليز التي أصرت بعناد على الفكرة، وقالت له: "إذا كان في نيتك أن تجعل آندي وريد يلتقيان، فلماذا تحرم الجمهور من مُتعة مشاهدة ذلك اللقاء؟"، وقد كان ما أرادت ليز.(29)

 

انتهت كل مراحل الإنتاج، ووُزّع الفيلم أخيرا على صالات العرض، لتكون ليلة عرضه الأولى كارثية على كل المقاييس. لكن ذلك كما أردفنا كان على وشك أن يتغيّر، ليحظى "الخلاص من شاوشانك" بعدها على انتشار لم يكن فرانك دارابونت ليتخيله حتى في أكثر أحلامه جموحا.

 

الخلاص من التهميش

لم تُنصِف السينما، ذات التاريخ الطويل في الغدر بأفلام عظيمة، "الخلاص من شاوشانك"؛ فقد أتى خلاص الفيلم الحقيقي عبر وسيلة عرض أقل تواضعا بكثير. جاءت الأوسكار بفائدة ما بعد كل شيء، فعند إعلان الترشيحات، تساءل الجميع عن ذاك الفيلم الذي لم يسمع به أحد تقريبا ومع ذلك نال سبعة ترشيحات كاملة. بدأ البعض يذهبون إلى متاجر الفيديو لتأجير الفيلم حتى يشاهدوه بدافع الفضول، وعندما شاهدوه بالفعل، وقعوا كلهم تقريبا في حُبه. وكما يحدث مع الأشياء التي يحبها المرء، حكوا للأهل والأصدقاء عنه، ونصحوهم بمشاهدته هم أيضا؛ وهكذا، انتشر اسم "الخلاص من شاوشانك"، ذلك الذي كان أحد الأسباب الرئيسية لفشل الفيلم في دور العرض، كالنار في الهشيم.(30)

   

   

يقول الممثل ويليام سادلر الذي قام بأداء دور هايوود عن رأيه في سبب إحجام الناس عن الفيلم أثناء عرضه الأول في السينما: "لا أحد يعرف ما هو "شاوشانك"، وكلمة "الخلاص" لها وقع ديني. بعدها تسمع أنه فيلم سجون، وأن مدته ساعتان ونصف، بالطبع لن تتحمس لمشاهداته". ويقول تيم روبنز في السياق نفسه: "البعض كان يأتي إليّ ويسألني عن ذلك الفيلم الذي قمت ببطولته مُؤخرا، يقولون لي: "ماذا كان اسم ذلك الفيلم مجددا؟ شينكشانك ريداكشن؟ شيمشانك ريأكشن؟"".

  

لكن عندما تخطى الجمهور تلك الانطباعات الأولى المُضللة، فإن ما حدث كان مُذهلا؛ ففي غضون أشهر قليلة، أصبح فيلم "الخلاص من شاوشانك" أعلى الأفلام تأجيرا في متاجر الفيديو طوال عام 1995. لكن الفيديو لم يكن الوسيط الوحيد الذي أعطى للفيلم قبلة الحياة مرة أخرى، فقد شاركته في هذا قنوات الكابل.

 

في أوائل التسعينيات، أراد قطب الإعلام ومالك السلسلة الضخمة من المحطات الفضائية، تيد ترنر، أن يُثري مكتبة قناة "TNT" التي كان قد أنشأها قبلها ببضعة أعوام بأفلام حديثة ممتعة، وقد وقع اختياره على "الخلاص من شاوشانك" لهذا الغرض. عُرِض الفيلم على شاشة "TNT" للمرة الأولى في يونيو/حزيران من عام 1997، ومنذ ذلك الحين، دأبت القناة على إعادة عرضه عددا لا نهائيا من المرات. يقول مورجان فريمان: "في أي يوم تفتح فيه التلفاز، ستجد "الخلاص من شاوشانك". لم يكن انتشار ذلك الفيلم مثل نمو الأعشاب -سريعا- بل كان أقرب لشجرة السنديان، تتفتح بطء".

 

هكذا، كان عبر التلفاز أن بدأت شهرة "الخلاص من شاوشانك" الحقيقية. وعندما شاهده الناس أخيرا، رأوا في السجن الذي أُلقي فيه آندي ظُلما وقضى فيه سنينا طويلة من عُمره مجازا؛ يتسع ذلك المجاز ليحوي داخله كل موقف قهري يجد الإنسان نفسه فيه ويبدو أمامه أن لا طريقة للفكاك. ولهذا، تماهى المشاهدون تماما مع آندي، ورأوا في انتصاره الأخير أملا لهم، صوتا يخبرهم أن هنالك دائما مهربا ما.

 

يقول تيم روبنز: "أعتقد أن أحد الأسباب التي جعلت الكثيرين يحبون "الخلاص من شاوشانك" هو لكونه، بطريقة ما، يضم حياتك بأكملها، ويقول لك: مهما كان شكل سجنك، سواء وظيفة تكرهها، أو علاقة سيئة تتعامل معها بصعوبة، ومهما كان شكل سجانك، مدير مريع أو زوجة أو زوج، فإن هنالك حرية داخلك لا تزال، وإنك، في نقطة ما في حياتك، ستصل إلى ذلك الشاطئ الدافئ أخيرا. قد يأخذ هذا وقتا، لكنك ستصل يوما ما".

   

   

بطريقة سحرية ربما، تعكس قصة صعود "الخلاص من شاوشانك" من هوة النسيان التي كان موعودا بها، إلى قمة النجاح والشهرة التي تجسدت أكثر ما تجسدت في تصدره شبه الدائم لقائمة "IMDb" لأفضل 250 في التاريخ منذ 1995 وإلى الآن، رسالة الأمل تلك التي يحملها الفيلم في ثناياه. فمن كان ليصدق حقا أن فيلما فشل حتى في تغطية إيراداته سيصل إلى مثل تلك المنزلة؟ لم يكن آندي دوفراين في ليلته الأولى في السجن، ولا فرانك دارابونت في صالة العرض الخالية يوم الافتتاح يتوقعان أن يحدث لهما أي من هذا. لكنهما تمسّكا بإيمان ما لم يفارقهما في أحلك الظروف، وآمنا أن الأمل، كما قالت إيمي ديكنسون في قصيدتها الشهيرة، كيان له أجنحة. 

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار