هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
باستر كيتون.. بطل الكوميديا الصامتة الذي لا يبتسم أبدا

باستر كيتون.. بطل الكوميديا الصامتة الذي لا يبتسم أبدا

آية طنطاوي

كاتبة
  • ض
  • ض

وجوه شاحبة قد تذكرونها من حقبة الأفلام الصامتة، كانوا أشبه بتماثيل الشمع

(فيلم Sunset Blvd 1950)

   

في مشهد من فيلم " Sunset Blvd" يجمع بين الممثلة جلوريا سوانسون و أصدقائها من نجوم السينما الصامتة، كانوا جميعًا قد كبروا في السن ووجوههم  يتخللها بريق يحاول ألا ينطفئ، اجتمعوا ليلعبوا القمار، والخسارة والانسحاب كان مصير كل منهم، كانت أحاديثهم قليلة كأن كثرة الكلام تزعجهم، أو فلنقل الأصوات. فهؤلاء الممثلون دمر دخول الصوت إلى السينما حياتهم إلى الأبد. كان من بين هؤلاء الأصدقاء النجم باستر كيتون.

     

    

لم تكن التقنيات السينمائية في السنوات الأولى من تاريخ السينما تفكر في دخول الصوت إلى الصورة، كانت الكاميرات ترصد فقط الأحداث ولم يكن الانتباه إلى الصوت واحد من الأمور التي فكروا فيها يومًا. كانت العروض السينمائية يصاحبها أشخاص يشرحون للجمهور المواقف التي يشاهدونها في الأفلام، وفكر أصحاب دور العرض في أن تصاحب العروض فرق موسيقية تعزف مباشرة على خلفية الأفلام.

 

ثم يمر تطوير الفكرة لتصنع موسيقى خاصة وتدمج مع الأفلام. العديد من الأفكار كانت تتوالد في البدايات لتطوير شكل الأفلام من أجل السعي لتقديم أفضل الأفكار للجمهور. كانت المرحلة الثانية هي ظهور اللوحات الداخلية التي يكتب عليها تفاصيل قصة الفيلم، ثم في لحظة فارقة في تاريخ السينما تم اكتشاف تقنية تمكن الصناع من إدماج الصوت مع الصورة، وأصبح بإمكان الممثلين الكلام أمام الكاميرا، والتمثيل ليس فقط بوجوههم بل بأصواتهم أيضًا. كان هذا رائعًا، لكنه كان كالجحيم بالنسبة لنجوم السينما الصامتة، ولباستر كيتون أيضًا.

 

الذي لا يبتسم أبدًا

"أنا لا أبتسم، ليس لأني أتعمد ذلك، ولكني تلقائيًا لا أبتسم"

(باستر كيتون)

  

  

وهو في الخامسة من عمره كان معتادًا على السير على الحبل، و"نجم الأكروبات" كان أول الألقاب التي حصل عليها كيتون في حياته، كان السيرك هو مكان عمل والديه، والمكان الأول الذي استوعب حيل كيتون وبهلوانيته.. كان خفيف الحركة وكان الضحك هو غايته الأولى، ومنذ صغره كان يفكر في الجمهور، وبدأ يراقب انطباعاتهم، ويسأل "ما الذي يجعل الجمهور يضحك في العروض التي أقدمها؟".

 

عندما كان يدحرجه أبوه في العرض كان كيتون يسقط ويضحك بشدة، هنا لاحظ أن الجمهور لا يضحك كثيرًا لضحكه، لكنه في مرة قرر ألا يضحك بعد السقوط وأن يبقى وجهه جامدًا بلا تعبيرات، عندها تعالت أصوات ضحك الجمهور، فكرر الأمر في أكثر من مرة في عروض مختلفة ووجد أن هذا أكثر إضحاكًا[1]، من وقتها أصبح وجه كيتون واحدًا، وأصبح لقبه الثاني هو "Stone Face" أو "الوجه الحجري" وهي التقنية التي تتميز بها كوميديا كيتون، والتي أضحت فنًّا يستلهمه عدد كبير من نجوم الكوميديا حتى وقتنا الحالي، مثل: بين ستيللر، ستيف كارل، آدم ساندلر، ستيف مارتن، والمخرج والممثل الفلسطيني إيليا سليمان.. وغيرهم ممن ساروا على درب باستر كيتون.

 

"وكما حال كيتون ابن السينما الصامتة بامتياز  وبكل معاني الكلمة، بالكاد يتكلم إيليا سليمان في أفلامه"

(الناقد إبراهيم العريس)

   

كيتون وشابلن.. نهجان مختلفان للكوميديا

    

كانت تجربة فيلم شارلي شابلن "مسيو فيردو" عام 1947 قاسية وصعبة، وقد تزامنت مع الحملة الشرسة التي تعرض لها شابلن من الجمهور الأمريكي والذي بدأ يتهمه بالشيوعية وكانت الصحافة ضده وتأزم الأمر وتم استدعاؤه من قِبل السلطات الفيدرالية للتحقيق معه بشأن ما يشاع عن كونه شيوعيًّا. بدأ شابلن يشعر بالخطر وبأنه يفقد جمهوره، وكانت الخطوة التالية له هي التفكير في فيلم "أضواء المسرح" والذي اختار أن يشاركه في التمثيل منافسه الأول في الكوميديا باستر كيتون[2].

     

لأن الضوء لم يسلّط إلا على البقعة التي يقف عليها شابلن وكيتون فقد غاب عن أنظارنا مؤسسو السينما الكوميدية؛ في حقيقة الأمر إن ساحة السينما في بداياتها كانت تشهد عددًا كبيرًا من أبطال الكوميديا أمثال: مابيل نورمان، روسكو آرباكل، فورد ستيرلينغ، فاي تينشر، والسيد والسيدة سيدني درو. وبحلول عام 1916 بدأ نجم شابلن يبرز في ساحة السينما، وبدأت شخصية الصعلوك التي خلقها تتشكل ملامحها وتلقى قبولاً من الجمهور، وتحول فجأة إلى أهم ممثل كوميدي في العالم، وهذا الصعلوك أصبح ملهمًا لعدد من الممثلين على مستوى العالم مثل أنور وجدي الذي استلهم هذه الشخصية منه وقدم أفلام مثل: دهب، ياسمين. من هنا تشكلت ملامح الفرادة في كوميديا شارلي شابلن الذي أضفى بُعدًا وجانبًا إنسانيًّا في شخصيته التي استطاعت رغم شقائها إضحاك الملايين.

  

  

"لا أريد أن ألقي النكات"

(باستر كيتون)

   

لم يهتم كيتون بأن يخلق لنفسه شخصية درامية مثل شابلن بقدر اهتمامه بمفهوم الإضحاك وتطوير أدواته في خلق مواقف غير معتادة تولد الضحك، فكانت تقنية "البانتومايم" و "السقوط" التي يوظفها في مواقف أفلامه هي أساليبه المميزة في إخراج مشهد كوميدي مضحك قائم على المفارقات، وما يميز كيتون أيضًا أنه يؤمن بأن كل إيماءة يقوم بها يجب أن تكون مميزة، كما أنه لا يكرر أبدًا موقف قدمه من قبل، لذلك فكل مشهد نراه له لن نشاهده مكررًا مرة أخرى وهذا يدل على ذهنيته الإبداعية التي تستطيع أن تبتكر العديد من المواقف الكوميدية.

 

كما ذكرنا كانت السينما الصامتة تعتمد على اللوحات الداخلية التي يكتب عليها أحداث قصة الفيلم عوضًا عن غياب الأصوات التي تحكي الحكاية وتعرفنا بالشخصيات، وكانت هذه الأداة تستخدم في أفلام شابلن، لكن كيتون كان يعمل بمفهوم "الكوميديا البصرية"، ولأن كيتون كان مخرج أفلامه أيضًا فإن عقله كان يفكر في المشاهد من زاوية التنفيذ والتمثيل معًا، وكانت اللوحات الداخلية بالنسبة له حيلة سهلة ولا يميل لاستخدامها، فكان حكي الحكاية من خلال الأفعال وردود الأفعال هو جوهر أفلامه، فهو لن يحتاج أن يكتب على الشاشة أن البطل خائب الحظ طالما أنه يستطيع أن يمثل ويظهر لنا هذه الخيبة.

  

  

أما من ناحية الوضع الجماهيري في فترة السينما الصامتة، يرى الكثيرون أن كيتون لم يكن المنافس الأول لشابلن في وقته، ربما يكون الممثل هارولد لويد هو الأقرب لمنافسة شابلن من ناحية الإيرادات وشباك التذاكر، لكن هناك تأثير ملحوظ للباحثين والنقاد في إعادة نظرهم في مرحلة السينما الصامتة ونجومها، وهذه النظرة التحليلية أكدت أن كيتون هو المنافس الأقوى لشابلن من جهة التنظير لمفهوم الكوميديا[3]. ربما أُغرم الناس بمشاعر التعاطف تجاه الصعلوك، في حين رأى الأخرون أن كيتون نخبوي بشكل أو بآخر، ولكن وصفه بالنخبوية لم يأتِ إلا في سياق مقارنته بشابلن ذي البنطال القصير والملابس الممزقة والحركات البهلوانية. كما أن إهتمام شابلن بالتفاعل مع الجمهور، وكتابة مقالات تشرح أساليبه التمثيلية في أفلامه كلها أمور ساعدت في اقترابه أكثر من الجمهور، بينما لم يفعل كيتون نفس الأمر مما تسبب في ابتعاده قليلاً عن جمهوره مقارنةً بشابلن.

   

استمر التنافس بينهما حتى بعد توقفهما عن التمثيل، في الاستفتاء الذي تجريه المجلة البريطانية Sight & sound كل عشر سنوات كان شابلن منذ عام 1952 يحتل مرتبة متقدمه فيه، ثم بدأ كيتون يتفوق عليه في الترتيب ما بين 1972 إلى عام 1982 أي بعد موته بحوالي ستة أعوام [4].

  

"الجنرال هو أفضل أفلامي"

(باستر كيتون)

  

يشيد دائمًا كيتون بفخره بفيلم The General وبأن أحداثه استلهمها من قصة حقيقية لواقعة تزامنت مع فترة الحرب الأهلية حيث تمت سرقة قاطرة من قبل الجنود في محطة بيج شانتي، ومن هنا استطاع كيتون أن يخلق عالم فيلمه في مزج مدهش ومستحدث في وقتها لمفهوم المطاردات، ليس بين الأشخاص، ولكن بين القاطرات وبعضها، ومن جهة أخرى أثبت براعة في التصميم الهندسي للقطارات والتي بدت حقيقية تمامًا لرغبته في الابتعاد عن الأجواء الكاريكاتورية مع اختلاق مواقف كوميدية تنبع من هذه الأجواء الواقعية، ومن هنا ينبع جوهر إبداع كيتون وأفكاره التي سبقت جيله[5].

  

    

الكوميديان والأديب

"إن سبر أغوار باستر كيتون أمر مستحيل، فله عقل كتوم كما له وجه كتوم"

(صامويل بيكيت)

كان "O" مرتعب جدًا من فكرة أن يكون مرئيًا من الآخرين، كان يقف أمام المرآة خائفًا كأنه حشرة تحاول الاختباء، والغريب أن "O" يعمل ممثلاً وبالتأكيد وجهه مسلط دائمًا أمام الكاميرا التي دائمًا ما تنظر إليه، والتي كانت الهاجس الذي يتبعه طول الوقت. كانت هذه هي الشخصية التي كتبها الأديب صامويل بيكيت لفيلم "فيلم" عام 1965 وهو أول وأخر سيناريو لفيلم قصير يكتبه بيكيت، وكان كيتون هو البطل الذي مثّل هذه الشخصية[6]. يحمل الفيلم فكرة فلسفية لبيكيت عن العين التي تُدرِك، وعن"المُدرِك" و "المدرَك" وصراعهما داخل المرء.[7] لم يكن هذا الفيلم هو المشروع الأول للتعاون بين كيتون وبيكيت، فقد عرض عليه الأخير من قبل أن يمثل دور "لاكي" في النسخة السينمائية الأمريكية "في انتظار جودو" المقتبسة من مسرحية بيكيت الشهيرة، لكن لم يتم التعاون بينهما ليكون "فيلم" هو التعاون الأول والأهم بينهما.

  

    

بعدها ببضعة أشهر مات كيتون وترك ميراثًا من الكوميديا ومنهجًا خاصًّا يميزه عن غيره من نجوم الكوميديا في عصره.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار