انضم إلينا
اغلاق
التمثيل والمرض النفسي.. هل الفنانون أكثر عرضة للاكتئاب؟

التمثيل والمرض النفسي.. هل الفنانون أكثر عرضة للاكتئاب؟

حسام فهمي

محرر سينما
  • ض
  • ض
استمع للتقرير

  

تمنحنا السينما القدرة على معاينة حيوات أخرى غير التي نحياها، هذه القدرة السحرية على التنقل بين حكايات نعرفها وحكايات لشعوب وبلاد لم نرها هي ما تمثل عنصر الإبهار الأهم لنا كمشاهدين.

 

ولكن ماذا عن صناع هذه الرحلة السحرية، الممثلين على وجه التحديد، الذين يعيشون حياة مختلفة مع كل شخصية جديدة يؤدونها، هل تتلبسهم الشخصيات في بعض الأحيان، هل يؤثر هذا على إدراكهم لذاتهم وواقعهم، كيف يتعامل العقل مع جسد تتغير هويته مع كل فيلم جديد، أفكار ومشاعر وسلوكيات مختلفة في كل مرة، هل قد يدفعهم هذا التحول الدائم إلى الذبول، أو الجنون؟ اليوم نتجول معكم في رحلة نبحث فيها عن العلاقة بين التمثيل والمرض النفسي.

  

روبن ويليامز: الإرهاب العقلي يُنهي ما بدأه الإدمان

    

في صباح يوم 11 أغسطس/آب من عام 2014 فارق روبن ويليامز الحياة بعد أن انتحر عن طريق شنق نفسه في منزله بولاية كاليفورنيا. الجميع يعرف ويليامز كنجم كوميدي يكفي حضوره دون حتى أن يتحدث لانتزاع الضحكات. كيف يمكن أن يسكن الاكتئاب جنبا إلى جنب مع كل هذه الكوميديا!

  

في حقيقة الأمر إن تقرير الطب الشرعي الذي فحص جسد ويليامز قد استنتج في النهاية أنه كان يعاني من مرض جسم لوي (lewy body disease) وهو مرض تتشابه أعراضه مع مرض باركنسون، حيث يعاني المريض من أعراض حركية بالإضافة إلى خلل في وظائفه الإدراكية والحسية. (1)

 

عانى ويليامز إذن من خليط من الاكتئاب، القلق، ضلالات التشكك، بالإضافة إلى خلل في الذاكرة ورعشة في الأطراف. كتبت د. سوزان شنايدر في تقرير مطول عن حالة ويليامز عقب عامين من وفاته: "روبن كان يفقد عقله، وقد كان واعيا بهذا، كان يقول فقط أريد أن أوقف دماغي عن العمل ثم أعيد تشغيله". (2)

    

   

بالتأكيد كان المرض قاسيا على ويليامز، تخيل أن يحدث ما يشبه إعصارا من الاكتئاب والقلق والشك داخل عقلك دون أن تدري سببا لكل هذا، ولكن قبل كل هذا عانى ويليام أيضا من أشياء يبدو سببها الآن واضحا. لطالما طارد الإدمان روبن ويليامز، إدمان الكوكايين كان البداية، ولكن وفاة الممثل الكوميدي جون بيلوتشي إثر جرعة زائدة كان جرس إنذار أبعده عن الكوكايين بقية حياته، خصوصا أن بيلوتشي قد توفي عقب ساعات من احتفاله برفقة ويليامز وتعاطيهما الكوكايين معا. (3)

 

رحل الكوكايين إذن وبقي الإدمان على الخمور الذي ظل يطارد روبن ويليامز لفترات طويلة دخل على إثرها لمصحات لعلاج الإدمان أكثر من مرة. ما الذي يدفع شخصا ناجحا ومحبوبا وصاحب حضور طاغٍ كروبن ويليامز للهرب دائما من الحياة، أو قل من إدراك الحياة، عن طريق جرعات ضخمة من الخمور أو المخدرات؟ هل كان لطبيعة عمله كممثل ومؤدٍّ كوميدي دور في هذا؟

 

د. الديكو تابوري، أحد أشهر المعالجين النفسيين المهتمين بالممثلين في أميركا، تعتقد أن الممثلين الكوميديين معرضين بشكل أكبر من غيرهم للإصابة بالمرض النفسي، كما أنها ترى أن طريقة حياة المؤدين الكوميديين يمكنها أن تولّد الاكتئاب كما تزيد من سوء الإضرابات النفسية الأخرى بالإضافة إلى الإدمان. "يمكننا اعتبار الأداء الكوميدي الفردي بين أصعب الأدوار التمثيلية عموما، إن لم يكن أصعبها، لديك ميكروفون ومسرح وأنت فقط وقدرتك على جذب الانتباه بالإضافة إلى إمكانية تعرضك للأذى، وعقب كل هذا يتنقل المؤدي الكوميدي وحيدا، وتحت وطأة الشد العصبي والوحدة عادة ما يلجأ للخمور أو المخدرات"، تضيف د. تابوري أيضا: "يعتقد معظم الممثلين الكوميديين أن الكوميديا قادرة على شفائهم، ولكن هذا غير صحيح، قد تكون الكوميديا ذات فائدة علاجية، لكنها بالتأكيد ليست علاجا كافيا للاكتئاب أو الإدمان". (4)

  

جيم كاري: متلازمة أنا لست جيم كاري

   

في إحدى حفلات الجولدن جلوب صعد روبن ويليامز لاستلام جائزة عن مجمل أعماله، حينها شكر رابطة هوليوود للصحفيين الأجانب التي تمنح الجائزة على تقديرها واعترافها بالكوميديا، وعقب ذلك وجّه كلامه لجيم كاري قائلا: نعلم أننا كممثلين كوميديين ينظر إلينا الجميع على أننا بشر من نوع خاص، جيم يعلم هذا. (5) ضحك جيم كاري حينها وبعدها ببضع سنوات انتحر روبن ويليامز، وعلى جانب آخر دخل جيم كاري في نوبة جديدة من الاكتئاب عقب انتحار حبيبته.

 

في الفيلم الوثائقي "Jim and Andy" الذي تدور أحداثه عن فترة تقمص جيم كاري لشخصية أندي كوفمان أثناء تصوير فيلم "man on the moon"، يخبرنا جيم كاري عن رحلته في عالم الكوميديا، وكيف أنه عايش أثناء طفولته كيف تخلى والده عن شغفه بالفن في مقابل أن يصبح محاسبا في وظيفة ثابتة تُمكّنه من الإنفاق على عائلته، شعر جيم بموهبته في الكوميديا فتوحد مع هذا الجانب في شخصيته أمام العائلة والأصدقاء، وأدرك أن الفرصة عندما ستأتي يمكنها أن تضيع إذا شعر الجمهور بالملل لدقيقة واحدة، فحينما أتته الفرصة انطلق كإعصار من الكوميديا على المسارح، في النوادي الليلية، برامج التليفزيون، وأخيرا في السينما، حتى ظن الناس أن هذه الشخصية التي يؤديها طوال الوقت هي شخصيته الحقيقية.

 

صرّح جيم كاري بأنه عانى من الاكتئاب لفترات طويلة، وواظب أثناء ذلك على تناول عقار البروزاك المضاد للاكتئاب، على الرغم من ذلك استمر الجمهور وشركات الإنتاج في مطالبته في تأدية دور الإعصار الكوميدي المسمى بجيم كاري، وحينها فاجأ الجميع بتصريحه الشهير، أنا لست جيم كاري، جيم كاري قد مات. (6)

 

بالإضافة إلى معاناة جيم كاري مع الصورة المعروفة لشخصيته التمثيلية الكوميدية، القناع الذي يشاهده الجمهور على الشاشة أو ما يسميه محبو السينما "persona"، والذي يختلف كليا مع جانب جيم كاري الآخر كإنسان مرت حياته بأحداث مأساوية، وفنان يمتلك جانبا دراميا مذهلا، فإنه قد تأثر أيضا وبلا شك بطريقته في أداء أدواره من خلال تقمصها بشكل مكتمل داخل وخارج مواقع التصوير، أو ما يُعرف بطريقة التمثيل المنهجي (method acting) التي عادة ما تُنسب لأستاذ التمثيل لي ستراسبرج.

  

هل يمكن إذن أن يؤدي تقمص الممثل المكتمل لأدواره إلى اضطراب هويته الشخصية، هل تختلط المشاعر والأفكار والسلوكيات الشخصية حينها مع تلك المستوحاة من دور تمثيلي قد يكون مضطربا وغير سوي؟

 

هيث ليدجر: تجسيد مكتمل أم مهرب من مأساة شخصية؟   

  

يعرفه الجميع تقريبا بتجسيده الأيقوني لشخصية الجوكر في فيلم "The dark knight"، الفنان الأسترالي صاحب جائزة الأوسكار الوحيدة في فئة التمثيل في أفلام الأبطال الخارقين، والذي لولا رحيله بجرعة زائدة من المسكنات ومضادات الأرق عن عمر لم يتخط الثامنة والعشرين، لحسده الجميع على ماله ونجاحه ووسامته وموهبته، ما الذي يدفع شابا كهيث ليدجر إلى القلق والاكتئاب؟

 

عانى ليدجر أيضا من الخلط بين شخصيته التمثيلية وشخصيته الحقيقية في بداية ظهوره في هوليوود، خاصة عندما حصره المخرجون وشركات الإنتاج في الأدوار التي لا ترى فيه أكثر من وجه وسيم، ولكنه نجح قبيل رحيله في كسر هذه الصورة النمطية عنه وذلك من خلال اختياره لأدوار بعيدة تماما عن نمط الشاب الوسيم خفيف الظل.

  

لكن رحلة ليدجر لإثبات نفسه كممثل جيد كلفته الكثير، ففي إحدى المقابلات الصحفية صرّح ليدجر بأنه كان يصاب بنوبات قلق حينما رأى صورته على الإعلانات الضخمة لفيلم "a knight's tale" الذي مَثّل بطولته الأولى في فيلم تجاري كبير بهوليوود. كان يستأذن في بعض الأوقات أثناء التصوير ويذهب للحمام لينفجر في البكاء. (7)

  

استمر ليدجر يكافح ليتمالك زمام حياته في سنين عمره التي تمثل بداية الشباب، وحينما ثار أخيرا على صورته النمطية انطلق من خلال دور أيقوني آخر هو دوره ككاوبوي مثلي في فيلم "Brokeback mountain"، والذي ضمن له الترشح للأوسكار للمرة الأولى.

    

   

تعرف هيث ليدجر في هذا التوقيت على ميشيل ويليامز، وقعا في الحب من النظرة الأولى، رتبا لزواجهما أثناء تصوير الفيلم، حملت ميشيل في طفلهما الأول، ورزقا بماتيلدا مع بداية عرض الفيلم. كان ليدجر وقتها سعيدا كونه استطاع أنه ينقل نفسه لخانة الممثلين الجديين، كما شعر بالرضا عن حياته الشخصية أخيرا بوجوده مع ميشيل وابنتهما، صرح ليدجر حينها أن زوجته وابنته هما كل ما يمتلكه في الدنيا. (8)

  

الأمل شيء خطير، والآمال العالية دائما ما تنتهي بمأساة، انفصل ليدجر عن ميشيل وفقد كل شيء، ولكي يثبت لنفسه أنه لم يفقد بريقه كممثل انطلق في شيء يشبه السعار لتأدية أدوار جديدة صعبة ومركبة.

 

حبس نفسه في غرفة فندق ليستدعي روح الجوكر، أخبر أحد الصحفيين في لقاء تم أثناء تصوير الفيلم أن متوسط ساعات نومه طوال شهر ونصف لم يتجاوز الساعتين يوميا، "لم أستطع التوقف عن التفكير، كان جسدي منهكا ولكن عقلي كان ما زال يعمل!" هكذا قال. (9)

 

واظب ليدجر في هذه الأثناء على تناول عقار أمبين لعلاج الأرق، وهو واحد من أكثر العقاقير المستخدمة في حالات الانتحار. "في إحدى الليالي أثناء تصوير فيلم "فارس الظلام" حاولت أن أنام، تناولت قرصا من الأمبين، لم يفلح الأمر، تناولت قرصا آخر، شعرت بنفسي منهكا جدا، وتائها، وجدت نفسي مستيقظا عقب ذلك بساعة واحدة، كأن عقلي في سباق لا يمكنني إيقافه". جسد ليدجر دور الجوكر كأفضل ما يكون، ولكنه لم يلحق بعرض الفيلم في دور السينما.

 

بين ضغوط مهنية وجدول مزدحم وساعات تصوير ممتدة بلا توقف ورغبة في إثبات الذات على جانب، وفقد شخصي للحبيبة والابنة وشعور بالوحدة على جانب آخر، استمر ليدجر في تناول المسكنات ومضادات الأرق حتى وجده رجال الإسعاف عاريا وبلا نبض في شقته بمدينة نيويورك بعد ظهر يوم 22 يناير/كانون الثاني في عام 2008.

 

عقل من هذا؟

   

في عام 2015 وعقب سبعة أعوام من وفاة الممثل الأسترالي هيث ليدجر، أعلنت جامعة سيدني عن نتيجة دراستها عن الصحة النفسية للممثلين الأستراليين والتي يمكننا الاستدلال بها بلا شك على مستوى أوسع. خرجت نتائج الدراسة لتخبرنا بأن العديد من الممثلين يعانون من مستويات عالية من القلق والشد العصبي نتيجة عدم اطمئنانهم لوجود عمل يكفيهم بشكل مستمر للإنفاق على حياتهم. (10)

 

النتيجة الأكثر إثارة للقلق لهذه الدراسة كانت هي أن الممثلين أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب المرضي بضعف نسبة احتمالية إصابة باقي البشر. تحدّث إذًا غالبية الممثلين عن حياة فنية مليئة بالقلق والتوتر بالإضافة إلى المضايقات والتحرش في بعض الأحيان. الكحول كان حاضرا وبقوة أيضا، حيث أثبتت الدراسة أن الممثلين عادة ما يلجأون لتناول كميات كبيرة من المشروبات الكحولية كطريقة لكسر حدة التوتر الذي يعانونه أثناء أداء أدوارهم، أو بعدها كطريقة للخروج من الدور.

 

على جانب آخر يتحدث الممثل الأميركي جيمس فرانكو في مقاله المنشور في موقع نيويورك تايمز عن تحليله للأفعال التي صدرت عن الممثل الأميركي شيا لابوف المعروف ببطولته لسلسلة أفلام "Transformers"، تجول لابوف في تلك الأثناء وهو يرتدي كيسا ورقيا على رأسه، كُتب على الكيس: "أنا لم أعد مشهورا"، حدث هذا وسط سلسلة أخرى من الأفعال الغريبة لشايا لابوف الذى بدأ مشواره التمثيلي منذ أن كان طفلا، كما أنه اعتمد على طريقة التمثيل المنهجي في معظم أدواره، فاستولت شخصيته التمثيلية على حياته بشكل كلي.

 

يقول جيمس فرانكو عن هذا: "كممثل تجد نفسك دائما في موقف غير مريح، فأنت تمثل الجزء الأكثر ظهورا، من المشروع الفني، بينما في حقيقة الأمر أنت لا تملك إلا أقل القليل فيما يخص ما يتضمنه من محتوى". (11)

  

في مقالها المعنون "عقل من هذا على أي حال؟"، تروي الكاتبة سارة رودلف القصة الشهيرة التي حدثت أثناء تصوير فيلم "Marathon man" من إنتاج عام 1979، حينها كان داستان هوفمان يحيا بشكل مكتمل داخل شخصيته التمثيلية، لدرجة أنه قد حرم نفسه من النوم لفترات طويلة ليظهر وهو يعاني جسديا ونفسيا أثناء التصوير، حينها خاطبه شريكه في بطولة الفيلم، الممثل الأميركي الكبير لورانس أولفييه قائلا: "فتاي العزيز، لماذا لا تجرب أن تمثل؟!".

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار