هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
"على أبواب الأبدية".. إضافة جديدة إلى عالم فان جوخ السينمائي

"على أبواب الأبدية".. إضافة جديدة إلى عالم فان جوخ السينمائي

رحمة حداد

محرر فن
  • ض
  • ض

"عندما تجمع حصاد أرضك، لن تتمكّن من حصاد أطراف حقلك البعيدة أو تجمع كل ما يمكن التقاطه من حصادك، سوف تتركها في النهاية للمحتاجين والغرباء"1


في مشهد من فيلم "على أبواب الأبدية"، يحادث فينسينت فان جوخ قسا في المصحة العقلية، يكلمه عن أنه ربما أخطأ إلهه في توقيت خلقه، لأنه أعطاه موهبة كبيرة يصعب على أناس وقته فهمها، هي هديته للعالم من بعده، لكنه لن يعيش ليتمتع بحصاد مجهوده من نجاح وشهرة وحب، سوف يحدث ذلك بعد سنوات من مماته، لوحاته في كل مكان، على الملابس والمنتجات، مطبوعة ومعلقة في البيوت ومنشورة في جنبات الإنترنت أكثر من أي فنان آخر قديم أو حديث، بالإضافة إلى عشرات الأفلام التي ستتناول سيرته، سيرة فنه وحياته المضنية وآخرها "على أبواب الأبدية" للمخرج والفنان جوليان شنابل.


يحدث أن نجد كل عدة أعوام فيلما جديدا عن حياة فينسنت فان جوخ الفنان الهولندي الأشهر، لكن لدينا فيلمان متتابعان في آخر عامين، "مع حبي فينسنت"، فيلم الرسوم المتحركة الشهير المحتفى به في 2017، و"على أبواب الأبدية" في 2018، لكن ما الذي يميز "على أبواب الأبدية" عن أي فيلم سيرة ذاتية آخر؟ وهل من الممكن وضع كون جوليان شنابيل فنانا بصريا في الاعتبار؟

فنان يحكي عن فنان
 ليست تلك المرة الأولى التي يتناول فيها شنابل مشروعا عن فنان، بدأ شنابل مسيرته كفنان تشكيلي، أرسى مكانته وبيعت لوحاته واشتهر برسم أعمال ذات أحجام عملاقة تتحرك عليها الألوان بحرية، ربما أشهرها هي مجموعته المصنوعة من أطباق سيراميكية مهشمة، متراصة مثل الفسيفساء بجانب بعضها البعض، حتى تكمل الشكل النهائي سواء كان صورة شخصية أو غيرها.
    

   
إذن لا عجب أنه عندما قرر أن يحول مسيرته نحو السينما بدأ بفيلم عن الفنان الفرنسي باسكيا، سيرة ذاتية عن فنان متمرد، ثم أتبعه بسيرة الكاتب الكوبي رينالدو أريناس في فيلمه "قبل أن يهبط الليل"، لن يمر طويلا حتى يصنع فيلمه الأشهر والأكثر نجاحا نقديا وجماهيريا "قناع الغوص والفراشة" عن كاتب آخر لكنه يواجه صعوبات من نوع خاص.


يمكن اعتبار على أبواب الأبدية مشروع شنابل الأثير حسب كلامه، لكن يوجد عاملان مهمان أدّيا إلى صنعه أخيرا، أولهما فيلمه "قناع الغوص والفراشة"، وثانيهما خلفيته الفنية.

التصوير كأداة للحكي
 "لم نرد أبدا للفيلم أن يبدو كلوحة لفان جوخ"

عادة ما يتم اختزال الفنان في أسلوب معين اشتهر به في أعماله، نجد في معظم الأفلام التي تناولت فان جوخ إشارات متعددة للوحاته خلال الفيلم، بشكل مباشر للغاية وكأنها لعبة للتخمين، مرة حانة ذات طاولة بلياردو، وأخرى غرفة صفراء ذات سرير من الخوص، وصل ذلك لذروته مع فيلم "مع حبي فينسنت" حيث تم تحريك اللوحات ذاتها، لكن شنابل ومدير تصويره بينوا ديلوم كان لهما رأي آخر، يقول ديلوم، إن فان جوخ مثلنا يعيش في عالم طبيعي، نرى أسلوبه فقط عندما يرسم شيئا ما، لكن عندما كنا نصور أتت الألوان المقترنة به أمامنا بشكل غير واعٍ، مثل درجات الأزرق والأصفر.(1)

      

 
عادة ما تكون أفلام قصص السيرة الذاتية متشابهة، فإذا استبدلت ذلك الفنان بآخر لن تجد فارقا كبيرا، قصة صعود ونجاح ثم نهاية مأساوية، أو بداية متعثرة ثم تكليل بنجاح عظيم، لكن في "على أبواب الأبدية" تحرر شنابل من تلك القيود، واستعار جماليات فيلمه الأشهر "قناع الغوص والفراشة" ليطبقها في فيلمه عن فان جوخ ويجعلنا نمشي في حذائه وننظر بعينيه.

   

يحكي "قناع الغوص والفراشة" عن محرر أزياء فرنسي يُدعى جان دومينيك بوبي، أصيب بما يشبه الشلل الدماغي فأصبح حبيسا داخل جسده، لا يتخذ الفيلم الطريق السهل للأفلام المشابهة لكنه يأخذ منحى تجريبيا نادرا، يفتتح الفيلم وكأننا داخل عقل بوبي، الكاميرا هي عينه اليسرى، الجهاز الوحيد العامل في جسمه المتخشب، نرى معه ونسمع أفكاره ونتحرك كما يتحرك، ما علاقة تلك التفاصيل بفيلم عن فان جوخ على أي حال؟
    

   

ينتهج شنابل الشيء نفسه عند قص حكاية فينسنت، لكن بدلا من أنه حبيس الجسد هو حبيس العقل، نرى مشهدا افتتاحيا من وجهة نظر الفنان بشكل كامل، كأنه هو من يحمل الكاميرا، نقترب حين يقترب ونتوقف حين يتوقف، فتصبح المشاهدة أقرب لتجربة ثلاثية الأبعاد.

  

تلك التقنية ليست وليدة الألفية، إذ يمكننا إرجاعها لفيلم "سيدة في البحيرة" 1946 حيث تم تصويره بالكامل من وجهة نظر الشخص الأول حيث لا نرى البطل أبدا ولكننا نرى ما يراه، لكن شنابل طوّر لغته البصرية وإمكاناته التصويرية وأساليبه السردية، فأنتج صورة شعرية باهرة لكيف يمكن أن تكون داخل عقل مضطرب كعقل فان جوخ؟
   

يستخدم شنابل بمساعدة مدير تصويره عدسات واسعة للغاية تجعلنا نتشرب كل جزء من المناظر الطبيعية التي جعلت فان جوخ ما هو عليه، أراد أن يرسم ضوء الشمس فها نحن ذا نرى معه أكثر مما يمكن للعين البشرية أن ترى، رؤية مقعرة بانورامية لكل عنصر بألوان نابضة بالحياة كما كان يراها، ولزيادة ذلك التأثير يقابله مشاهد أخرى بألوان قاتمة وكاميرا مهتزة مضطربة تعكس الحالة الذهنية لفينسنت وكيف شعر أنه يفقد عقله ورغبته في الحياة التي يحبها كثيرا.

    


كما رأينا بوبي ينظر بعين واحدة لواقع مموه ومنقوص، نرى بعين فان جوخ الصورة الغائمة عمدا التي تشير إلى شكل لوحاته المتحركة الديناميكية، كما تشير أيضا إلى لحظات اضطراب عقله المشتعل بالنشاط، ذلك التشويه المتعمد للواقع الذي لا يزيده قبحا ولكن يحلله لألوانه الأساسية بعضها بجانب بعض، يمكن تحليله برؤية شنابل الفنان الذي صُنّف كفنان تأثيري جديد، للفنان الذي اعتُبر ما بعد تأثيري، أي يقع بين المدرسة التأثيرية وبين رؤيته الخاصة للعالم الذي أراد للجميع أن يشاركه فيها.


كل ذلك التلاعب الذكي والحساس بالصورة وتقنيات الكاميرا واستخدام الألوان لم يكن ليكمل بورتريه الفنان لولا اختيار ممثل ذي وجه تعبيري، قاسٍ لكنه هش، يسهل التعاطف معه والخوف منه في الوقت ذاته، هو ويليم ديفو ذو الملامح المميزة والإمكانيات التمثيلية الهائلة.

اختيار فان جوخ جديد
 "عندما تنظر إلى شجرة، أنت لا تنظر إلى مجرد شجرة، أنت ترى اللون، ترى الضوء، ترى الأشكال، علّمني جوليان أن أرسم الضوء، أن أرى ما بداخله ولا أقفز سريعا لتصور جاهز عما أراه، يفتح ذلك حساسيتك تجاه ماهية الأشياء وهذا شيء عميق جدا، يصبح المحرك الحقيقي لفهم ما كان يحاول فعله، وهذا يتعلق بكلامه عن أنه لا يخترع الصورة ولكنها موجودة سابقا في الطبيعة، كان عليه فقط أن يحررها"


قام العديد من الممثلين بلعب دور فان جوخ، ربما أشهرهم كيرك دوجلاس في أوج شبابه ووسامته في الخمسينيات، أو النحيف ذو الملامح الشابة جان دوترونك في 1991، أو تيم روث في 1990 في فيلم عن فينسنت وأخيه ثيو، لكن عندما اختار شنابل بطله ليقوم بدور الفنان الذي مات في الثامنة والثلاثين من عمره، اختار ويليم ديفو صاحب الثلاثة والستين عاما، ربما يبدو اختيارا غير ملائم نظرا للتجاعيد التي تغطي وجه ديفو وعدم ملاءمة فئته العمرية، لكن يصعب أن تشعر أثناء مشاهدتك له أنه ليس في مكانه، بل يبدو أنه خلق من أجل هذا الدور.


ملامح ديفو المتغضنة والجميلة في آن تشبه صور فينسنت الشخصية التي رسمها لنفسه، تشبهها في نظرتها المتحدية وهشاشتها التي لا تخلو من قوة، يزداد الخيار تأثيرا في مقابلة الممثلين الذي يؤدون الأدوار الأخرى مثل أوسكار إيزاك في دور الفنان الذي عاصر فان جوخ وعاش معه بول جوجان، فملامحه الفتية المنبسطة تصنع تباينا مؤثرا مع ملامح ويليم ديفو الأكثر ضعفا.
   


تعلم ديفو الرسم من أجل الفيلم، فقد كان له جوليان خير معلم، وجد أن تلك طريقته لفهم أعمق للشخصية حتى وإن لم يكن هو من يرسم فعلا في كل المشاهد على الشاشة.(2)


فان جوخ فنان وجد شهرة متأخرة وتغطية فنية كبيرة أصبحت أشبه بالظاهرة، ويبقى لغز كيفية موته يؤرق الجميع، وتحليل مرضه وكيف أثّر على فنه والإرث الذي تركه، هل كان حقا اضطراب ثنائي القطب، أم كان مصابا بالصرع؟


أسئلة كثيرة يحاول كل صانع أفلام أن يحلل من وجهة نظره ومن خطابات فان جوخ والتحقيقات حوله، كيف توفي؟ هل تم إطلاق النار عليه؟ أم أطلقها هو على نفسه لإسكات الأصوات في عقله؟ هل كان شخصا روحانيا أعلى من معاصريه أم كان شخصا مزعجا لجيرانه يعتدي عليهم في نوبات مرضه يتبنّى كل منهم نظريته الخاصة حسب ما يوافق رؤيته ورغبته في تقديم الشخصية، لكن كل ذلك لا يهم كثيرا، وليس هو ما يبقى، لا يسأل أحد كيف عاش مايكلانجلو2 حياته، بل يتذكرون تمثال دافيد وسقف السيستين، كما لا تدور التكهنات حول المرض العقلي الذي أصاب فراشسكو جويا3 في نهاية حياته، بل ننظر بافتتان لظلال لوحاته القاتمة التي لا تخلو من جمال.


يرى شنابل أنه صنع فيلما عن كل شيء وليس فقط عن حياة فان جوخ، ويعتبر الفيلم تجربة شخصية للغاية بالنسبة له، لكن ربما حان الوقت للتمهل وأخذ هدنة من التكهن حول من كان فان جوخ وكيف رحل عن العالم وننظر الى إرثه المتوهج دون أحكام.

____________________________________________

الهوامش:
1- سفر اللاويين، العهد القديم.

2- فنان إيطالي من عصر النهضة.

3- فنان إسباني واقعي.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار