هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
الحب في "فانتوم ثريد".. لماذا نعشق من جعلونا نتألم؟

الحب في "فانتوم ثريد".. لماذا نعشق من جعلونا نتألم؟

إسلام السقا

محرر سينما
  • ض
  • ض

حقق ما لم يستطع أحد من قبله ولا من بعده أن يحققه، نال شرفا لم ينله في العالم غيره، وصل مجدا انعدم نظيره ثم قرر الاعتزال. وهل يملك المحبوب فعل ما بدا له بالمحب، دون وضع أي اعتبار لتداعيات الانسحاب أحادي الجانب هذا؟ عندما قرر الممثل الإنجليزي دانيال داي لويس الاعتزال الصيف الماضي، كتب الصحافيون والمتابعون حول العالم مرثياتهم "لماذا اعتزلت؟!".(1)

 

"لم أعرف عندما بدأنا العمل على هذا الفيلم أنه سيكون الأخير بالنسبة لي"(2) هذا ما قاله داي لويس عن عمله الأخير الذي يعيده إلى الواجهة مرة أخيرة، ليؤدي فيه واحدا من أبرز أدواره بحسب عدد من النقاد في فيلم "فانتوم ثريد" (Phantom Thread). مستبدّ جديد يلقي به المخرج الأميركي بول توماس أندرسون أمام أنظارنا.

  

لو اعتبرنا أن شخصية داي لويس في فيلم "ستكون هناك دماء" (There Will Be Blood) مُستبدة في العديد من جوانبها، وأن شخصية فيليب سيمور هوفمان في فيلم "السيد" (The Master) أيضا تحظى بنوع من النزوع للاستبداد من خلال انفصالها عن الواقع ووجودها في موقع قيادي، فإن شخصية داي لويس في فيلمه الأخير لا تقل استبدادا، وبذلك يحقق أندرسون ما يمكن أن نطلق عليه لقب ثلاثية الاستبداد. هؤلاء الذين بسبب وجودهم في موقع معين يسمحون لأنفسهم بالتصرف بفوقية المتسلط طيلة الوقت.

      

  

في "فانتوم ثريد" يعيش داي لويس (بدور رينولدز وودكوك) في ظلال أمّه المتوفاة؛ رغم رحيل جسدها ولكنها لا تغادر ذهنه، فتظهر صورتها أمامه كلما لجأ إلى عزلته "هل أنا الوحيد الذي يرى هذا؟" يتساءل مصمم الأزياء البرجوازي الشهير رينولدز وودكوك، أحد اللندنيين الذين ذاع صيتهم في الخمسينيات، حيث بدا كل شيء مرتبطا بالظهور بشكل حسن.

  

يعمل وودكوك مصمما للأزياء، بينما يترك لشقيقته سيسيل (ليزلي مانفيل المرشحة لجائزة أوسكار) مهمة إدارة أعماله وأوقاته وحتى وجبات طعامه. كان وودكوك المهووس بوضع رسائل خفية في قلب أزيائه التي يصممها على موعد مع تغيير شامل يحتل حياته.

   

في أحد المطاعم الريفية، كانت النادلة ألما (تؤدي دورها فيكي كريبس) هي الأخرى على نفس الموعد عندما يحل وودكوك ضيفا لديها، تحت رعايتها وكل ما يطلبه هو وجبة الإفطار. كان من المثير للانتباه أن يتعرفا على بعضهما البعض بسبب وجبة إفطار، فالعلاقة بين الفيلم والطعام علاقة وثيقة كما كانت العلاقة بين الفيلم والاشتهاء.

      

 

ممثلة بالكاد معروفة من لوكسمبورغ، كانت المرة الأولى التي ترى فيها دانيال داي لويس في الحقيقة هي المشهد الأول الذي يجمعهما في الفيلم. أصرّ داي لويس على أن تكون تلك لحظة اللقاء الحقيقية.(3) الخجل الذي تسبب في تورّد خدّيها كان حقيقيا للغاية، كريبس التي لا تقف على حدود جمالها ورقتها تتحول في النصف الثاني من الفيلم إلى كتلة من الغموض والإزعاج.

  

بحسب طبيعة الفيلم، فإن نصفه الأول يختلف كليا عن نصفه الثاني، هذا الاختلاف ينعكس على كافة عناصر الفيلم، حتى يبدو وكأنه قد انقلب لفيلم آخر تماما. أندرسون الذي يحرك الكاميرا كثيرا في النصف الأول من الفيلم متعارضا مع بطء الأحداث؛ يهدأ شيئا فشئا في نصفه الثاني حتى يصل إلى كادرات ثابتة كثيرة، وحركة بأقل درجات لفت الانتباه، متعارضا كذلك مع حرارة القصة المتصاعدة، و"ألما" التي كانت ودودة تتغير طريقة تعاملها مع وودكوك، فتتحول إلى كتلة من الغموض والإرباك، أما الأخير فبعدما كان نظاميا متأففا ومبدئيا إلى أبعد حد فيما يخص نمط معيشته، فإنه يبدأ بالتنازل خطوة بعد أخرى حتى يبتلع السم بكامل إرادته.

     

  

العلاقة المتوتر بين "ألما" و"وودكوك" تبدأ حين يقرر المصمم اللندني أن يجعل منها تحفته المتحركة، يعجبه جسدها (فهو يميل للنساء اللاتي يملكن بطنا صغيرة) فيقرر تصميم دستة من الملابس من أجلها، يصحبها معه أينما ذهب ويقدمها على أنها شريكته وإن لم ينطق بها لسانه. بالنسبة لألما فإنها كانت هناك من أجل مآرب أخرى، كل ما حصل هو أنها أحبته، وبعد خلاف بسيط حول طريقة تقديمها وطهيها للطعام، تكتشف ألما أن الرجل الذي تحبه قادر على التخلي عنها برمشة عين.

  

خطة غريبة تبدأ ألما في تنفيذها؛ تقوم بتسميم حبيبها بأحد أنواع المشروم الذي لا يميت، ولكنه يسبب الألم ويترك متناوله طريح الفراش. عندما تنجح ألما في ذلك تسير الأمور كما خططت لها تماما؛ تتخلص من الطبيب ويبدأ وودكوك بالتعامل معها على أنها المنقذ الوحيد، فهي التي ترعاه بحق. بعد أن يستفيق من ألمه، يطلب منها الزواج، تتردد ألما قليلا ثم توافق.

  

كل ما أرادته ألما أن يشعر نجمها الفنان بقليل من التوعك فقليل من الخوف ثم قليل من الضعف، فلا يجد أمامه أكثر منها ودّا معه، يقع في حبها (أو إنه ينتبه الآن فقط إلى حجم حبه لها). كل ما أرادته هو أن يشعر بالضعف قليلا قبل أن يرجع ليستمد قوته، والأدهى، أنه يعرف ذلك تماما بعد فترة قصيرة من الزمن، فيختار أن يتناول سمّها بيديه مقابل أن يجد منها الحب الذي يريد، إنه واحد من أغرب أشكال الحب، وأكثر العلاقات العاطفية غرابة على الشاشة.

     

  

إن الحب في أفلام أندرسون أشبه بمعجزة، لا يمكن الوصول إليه بسهولة، ولكنه مسعى للجميع. في "ماغنوليا" مشهد نهائي يتحدث في رايلي إلى ميلورا، لا يمكننا سماع ما تقوله ولكننا ندرك أنه يقبل بها كحبيبة، وهو حدث كفيل بتغيير حياتها. إن الخيبات التي تسيطر على الحياة والإهمال الذي نشعر به من ناحيتها لا يمكن مواجهته إلا بالتشكيك. وحده الحب، على منهج أندرسون، هو الذي يمنح "القلب الحامض فرصة للتنفس" كما يأتي على لسان وودكوك.

   

أثبت أندرسون عبر أفلامه السابقة قدرته على الحفر عميقا في قلب الأكاذيب التي تعيش عليها شخصياته، يقوّضها ويهدمها ويدعوها للتصالح مع الكذبة كونها مجرد كذبة. أن يواجهها كل منهم وأن يقبل ذاته كما هي. وفي "فانتوم ثريد"، كان أندرسون يدعو وودكوك للقبول بأنه لم يعش من الحياة إلا قشورها.

  

إن الشهرة والنجاح المالي بالنسبة لأندرسون هما مصدر من مصادر التشتيت عن طريق السعادة الحقيقي. تكمن السعادة في "فانتوم ثريد" كما في بقية أفلامه في التواصل مع الآخرين، في فتح القنوات لا في إغلاقها، في الانفتاح على إمكانيات الآخرين، وعلى حقهم باحتلال حيز مغاير في حياتنا عن ذلك الذي رسمناه لهم، عن حق الجميع بالحب دون حواجز ومهما كلّف الأمر.

   

كاميرا محمولة يسهل اهتزازها في النصف الأول من الفيلم هي كل ما يلزم للتعبير عن علاقة متوترة بين الطرفين، مشوبة بالكثير من القلق تجاه نظرة كل منهما نحو الآخر وتجاه نظرة الآخرين لهما. يختلفان على مذاق الطعام وينسيان أن وجبة إفطار هي التي عرفت كلا منهما على الآخر، وأن وجبة إفطار أخرى كادت لتفرق بينهما بعد انفعال غير مبرر يقوم به وودكوك الذي يكره أن يُفسد أحد صباحاته، فيما ترى ألما أنه مجرد "مُتململ".

     

   

تثبت الكاميرا في النصف الثاني من الفيلم وكأن ركيزة ما صبت بثقلها على حياتهما، عندما يبدأ غموض ألما وضعف وودكوك بالبروز أكثر على الشاشة، حتى الألوان تصبح داكنة أكثر. تتحول كل لقطة إلى لوحة زيتية يرسمها أندرسون بنفسه رغم غياب "مدير للتصوير" عن فيلمه هذا.(4)

   

رفيق دربه في ثلاثة من آخر أربعة أفلام أخرجها، المصور الأميركي الحائز على الأوسكار روبرت إلسويت، كان منشغلا بمشاريع أخرى، لذا لن يترشح "فانتوم ثريد" لجائزة التصوير السينمائي لأن أحدا لم يتول هذه المهمة إطلاقا، وأسند الأمر فيه إلى فريق العمل عموما.

   

تقول فيكي كريبس إن معظم التصوير تم داخل أحد البيوت وسط لندن بالفعل،(5) وأن العمل الجماعي جعل من الحياة داخل المنزل كأنها حقيقة لوهلة، مع كل تلك الأزياء والديكورات القديمة، بحيث بدا لها أن مشهد المارة من وراء النافذة، يرتدون الملابس التي يرتديها البشر في عام 2017، غريبا للغاية.

   

سجائر وقهوة ودانيال داي لويس

كما يبدأ أميركي عادي صباحه بشرب القهوة والسجائر في أماكن مخصصة لتقديم القهوة بدأ انتشارها ربما منذ مطلع التسعينيات، استهل بول توماس أندرسون أعماله الإخراجية بفيلم قصير بعنوان "سجائر وقهوة" (Cigarettes & Coffee) عام 1993 في واحد من تلك الأماكن، فيلم وضعه على أول عتبات المشاريع الكبرى بتوفير تذكرة لا تعوّض لحضور مختبر للمخرجين في مهرجان صندانس السنوي، نتج عنه تحويل هذا الفيلم القصير إلى فيلم روائي طويل بعنوان "الثمانية الصعبة" (Hard Eight) بعدها بثلاث سنوات.(6)

   

  

بعد عشرين سنة أصبح أندرسون، الأميركي المنتمي لسينما "متجر الفيديو"،(7) -وهو مصطلح يستخدمه البعض للإشارة لكل المخرجين الذين لمعوا في التسعينيات ولا يزالون حاضرين بقوّة حتى اليوم- واحدا من أهم المخرجين الأميركيين في قائمة تضم زملاءه مثل؛ ريتشارد لينكليتر، وجوس فان سانت، وديفيد فينشر، وكوينتن تارانتينو، وستيفن سودربرغ وغيرهم.

     

لم يكن أندرسون مجرد مخرج محترف ذي بصمة طاغية، ولكنه أيضا -وربما في الأساس- كاتب لا يشبه أحدا، وهو ما يثبته عدد المرات التي ترشح فيها لأوسكار أفضل سيناريو؛ 4 ترشيحات مقابل اثنين فقط في فئة الإخراج، منها ترشيح لا يقدر بثمن عن فيلمه "ليال عبثيّة" (Boogie Nights) ثاني أفلامه الطويلة، والذي صار من بعده اسما لا يجهله أحد.

     

 

عاد أندرسون عام 2017 من جديد للتعاون مع الممثل الأميركي "دانيال داي لويس" صاحب الرقم القياسي بحصوله على أوسكار أفضل ممثل لثلاث مرات، واحدة منها عن دوره في فيلم "سيكون هناك دماء" (There Will Be Bloo) عام 2007، والذي كان أول عمل يجمع بين الرجلين. وعلى الرغم من غياب داي لويس عن فيلم "ماغنوليا" (Magnolia) ولكنه الفيلم الذي صرّح بعده أندرسون "هناك شعور في داخلي بأنني سأصنع أفلاما كثيرة، بعضها قد ينجح والبعض الآخر قد يواجه الفشل، لكن سيبقى "ماغنوليا" أفضل أعمالي التي أخرجتها."(8)

    

داي لويس الذي تعلّم اللغة التشيكية من أجل دوره في فيلم "خفة الوجود غير المحتملة/ كائن لا تحتمل خفته" (The Unbearable Lightness Of Being) عام 1988، وأجبر نفسه على العيش من خلال كرسي متحرك من أجل دوره في "قدمي اليسرى" (My Left Foot) بعده بسنة، كان قد أعلن عن نيته لاعتزال التمثيل، بعد أن أتم ستين عاما، قضى أربعين منها في مجال الفن.(9)

   

يترشح داي لويس لأوسكار أفضل ممثل، كما ينال الفيلم 5 ترشيحات أخرى؛ منها أفضل فيلم وأفضل مخرج وأفضل ممثلة بدور مساعد. اعترف داي لويس في مقابلة أجريت مؤخرا معه،(10) أن العمل على فيلم "فانتوم ثريد" قد أصابه بغلاف من الحزن لا يمكن إنكاره، هذا الحزن الذي بدا واضحا عليه عندما ترك ألما لتخرج وحدها عشية العام الجديد، ذهب لمراقبتها من بعيد، مُعطيا ظهره للكاميرا حيث نجلس نحن، وعلى الرغم من غياب وجهه تماما، ولكننا نعرف أنه حزين ومنفعل، وهو أمر قد لا يستطيع سوى ممثل بحجم دانيال داي لويس أن يقوم به. 

إيران في ميزان النخبة العربية

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار