هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
كيف تلاعب مخرج "غاد فاذر" بقواعد الإضاءة السينمائية فأدهشنا؟

كيف تلاعب مخرج "غاد فاذر" بقواعد الإضاءة السينمائية فأدهشنا؟

رحمة حداد

محرر فن
  • ض
  • ض
عرض في عام 1972 ما سيعتبره النقاد لاحقا أحد أفضل الأفلام على الإطلاق، "الأب الروحي-the godfather" لمخرجه فرانسيس فورد كوبولا، الفيلم الذي تأثر به المخرجون وأصبحت شخصياته أيقونات سينمائية، وتحولت مقاطع حواراته لاقتباسات يرددها الجميع. إلا أن أكثر ما ميز هذا الفيلم في وقته وصولا لزمننا هذا، صورته وجمالياته، والتي اعتمدت في أساساها على ما يمكن اعتباره خطأ، وفقا لقواعد الإضاءة والتصوير السينمائي.

  
تعمد المصور السينمائي جوردون ويليس إخفاء عيني شخصية دون كورليوني (مارلون براندو)، رغم أن القاعدة المتعارف عليها في إضاءة الشخصيات تتمثل في أن تكون العين مضاءة وبارزة. هذا الاختيار الذي خالف القواعد، فسره جوردون باعتباره ملائما لمكياج براندو، وأن إخفاء العينين في الظلمة يؤكد على غموض شخصية دون كورليوني وشره الخفي وتناقض نواياه.1



"أنا فقط أصور الأشياء وأتصورها بشكل مختلف، لا أقول هيا نفعل ذلك لأن أحدا لم يفعله من قبل، لكني أفعله ببساطة لأنه يعجبني"

(جوردون ويليس)
        

أطلق الناقد كونراد هال اسم "أمير الظلام" على جوردون ويليس لتحكمه في الظل والنور وإغراق أفلامه فى الظلام، صور "الأب الروحي" تحديدا بتقليل متعمد لامتصاص الضوء (underexposure) ويعني ذلك ضبط الكاميرا على امتصاص أقل كمية من الضوء، ليظهر المشهد مظلما بمعدل يتجاوز الحد المتعارف عليه عند المصورين في المشاهد الداخلية، وهو ما اعتبره البعض مخاطرة كبيرة، حتى أن شركة الإنتاج صعقت عندما رأت النتيجة، وتمثل اعتراضها في أن مشاهدي سينما السيارات لن يتمكنوا من الرؤية، إلا أن شكل الفيلم والأحاسيس التي تعكسها، أصبحا إلهاما للمصورين وصناع الأفلام في إظهار الغموض والطبقات المتعددة للشخصيات.

    

   
لم يكن "الأب الروحي" أول الأفلام التي تستخدم التباين الشديد بين الضوء والظل، فقد سبقته بالطبع التعبيرية الألمانية ثم الفيلم نوار، ولكن ويليس حقق ذلك التأثير في فيلم ملون، وهذا ما تسبب في تحطيم التوقعات المسبقة. فالأفلام الملونة حينما بدأت، جسدت الإضاءة فيها عنصرا مبالغا فيه من كل جانب، وذلك بهدف إظهار الألوان بوضوح، ليمثل هذا التباين في "الأب الروحي" تغييرا كبيرا عن السائد وعن شكل الأفلام الأميركية في ذلك الوقت. استخدم ويليس في هذا الفيلم أسلوبا يعرف بالـ"كياروسكورو-chiaroscuro" وهي كلمة إيطالية تعني حرفيا الظلام والنور وتستخدم للتعبير عن أسلوب في الرسم استخدم في فترة الباروك في القرن السابع عشر.
      

أصل النور والظلام (chiaroscuro)

"تشير كلمة باروك إلى ماهو غريب وخفي، وهناك اتجاهان يستطيع الفن عن طريقهما أن ينطلق من الطبيعة، أولهما هو طريق الفن الكلاسيكي وهو طريق المثالية، النسب المثالية، التناغم المثالي، وبكلمة واحدة الجمال المثالي، الاتجاه الآخر هو طريق الخيال الذي هو إنكار للحقيقة، تناقض مع كل قوانينها و منطق وجودها".2

(هيربرت ريد)

         
تبع عصر النهضة فى أوروبا عصر يسمى بالباروك من أوائل القرن السابع عشر وحتى أواخر القرن الثامن عشر،  حركة فنية تتميز بالمبالغات الدرامية والأسلوبية، جاءت تسمية الباروك من كلمة إيطالية تعني اللؤلؤة ذات الشكل غير المتناسق، فهذا يرمز لتمردها على القواعد والمثاليات المنسوبة لعصر النهضة، مشاهد لوحات الباروك تأتي دائما فى وسط الحدث والحركة والدراما، ويستخدم فيها "الكياروسكورو" وهي طريقة إغراق كل الخلفية في الظلام والتركيز بضوء مسرحي على الشخصيات المهمة والمشاعر المراد إظهارها، وينفذ ذلك عادة باستخدام مصدر واحد للإضاءة على كل عنصر، أهم ما يميز لوحة الباروك هو التلاعب بالظلال وتوجيه العين للأجزاء القليلة المضاءة، من أوائل من بدأوا هذا الأسلوب هو مايكل انجلو كارفاجيو، الذي اشتهر بلوحاته ذات التباين الضوئي واللوني الشديدين و ربما اتسمت بالعنف أحيانا، وصف البعض عنف كارفاجيو بالشاعري، وهو ما يمكن رؤيته في العنف المستخدم في "الأب الروحي" فإذا كنا أمام مشهد قتل وحشي تكون الألوان دافئة بدرجات صفراء بالإضافة إلى اللون الأحمر الذي يرمز في معظم استخداماته للعنف والدماء والغضب والانتقام.

    

إحدة لوحات الفنان كارفاجيو (مواقع التواصل)

 
واحدة من أشهر لوحات كارفاجيو مستخدم فيها أسلوب الكياروسكورو فتم اظلام الخلفية بشكل كامل و التركيز على الشخصيات فى المقدمة, و يظهر فيها أسلوبه العنيف الدموي مع استخدام الألوان الدافئة مثل الأحمر و الأصفر الذي تأثر به فنانون فى معظم الوسائط من بعده.
    
انصب معظم اهتمام فناني الباروك على طريقة إضاءة العنصر سواء باستخدام "الكياروسكورو" أو بطرق أخرى، مثل استغلال الضوء الطبيعي. هنا، ربما يتبادر إلى الأذهان حينما نذكر كلمة الإضاءة واحد من أهم فناني الباروك وأكثرهم تأثيرا في الثقافة البصرية بشكل عام "ريمبرانت فان راين". حيث اشتهر ريمبرانت بأسلوب إضاءة درامي أيضا، لكنه كان مختلفا عن أسلوب كارفاجيو، أضاء ريمبرانت أشخاصه بالاعتماد على مصدر إضاءة واحد مع استخدام عاكس لذلك المصدر، وتكون النتيجة في الأغلب وقوع نصف الوجه في الضوء ونصفه في الظلام، اقتبس هذا الأسلوب المصورون الفوتوغرافيون تحديدا في تصوير البورتريهات في الأستوديوهات وبعض مصوري السينما مثل جوردون ويليس وروجر ديكنس.

   

اشتهر الأسلوب كثيرا حتى أنه يسمى باسم بادئه "إضاءة ريمبرانت" يعطي هذا الأسلوب للعنصر شكل إضاءة دراميا مع مظهر يخرجه بإطار طبيعي غير مصطنع في نفس الوقت. في "الأب الروحي" يمكن رؤية ذلك التأثير ولكن بشكل أكثر تطرفا، ففي بورتريهات ريمبرانت يقع نصف الوجه في الظلام مع وجود بقعة من الضوء في النصف المظلم على شكل مثلث تحت العين، لكن في "الأب الروحي" تعمد المصور وضع نصف الوجه في الظلام بشكل كامل لكي يعبر بشكل بصري عن انزلاق الشخصية في الظلام المعنوي.

      

على اليمين بورترية لريمبرنت قلل الاضاءة على الجانب المظلم ليبرز الجزء المضاء بشكل أكبر, على اليسار مشهد من الأب الروحى مضاء بنفس الكيفية.

 

"الأب الروحي" فيلم يعنى بديناميكيات التعامل بين البشر عموما والعائلة خصوصا، قبل أن يكون فيلما عن العصابات أو أي شيء آخر، يعنى بمعان مثل الانتماء وتوابع الخيانة والخداع، تم التعبير عن تلك العلاقات والتفاعلات عن طريقة حركة الممثلين وموضعتهم في كل إطار للصورة أو ما يسمى بالـ "mise en scene" .
   

"mise en scene"

كلمة فرنسية تعني "الموضعة على المسرح" لكنها تستخدم في دراسات الأفلام بمعنى تنظيم كل شيء داخل الصورة السينمائية: وضع الشخصيات، الإضاءة، الملابس والحركة. يمكن إرجاع استخدام موضعة العناصر فى إطار ما إلى ما قبل المسرح والسينما في لوحات أساتذة الفن التصويري الأوائل في عصر النهضة ثم فى الباروك، وكمثال على ذلك لوحات ليوناردو دا فينشي مثل "لوحة العشاء الأخير" والتى تتناول اعتراف المسيح للحواريين بأن أحدهم سوف يخونه فيكون لكل منهم رد فعل مختلف، فعن طريق ترتيب الشخصيات ونظراتها وبعض الحركة المرسومة بدقة استطاع إيصال نوايا كل منهم.

  
كارفاجيو أو كما كان يسمى "الأب الروحي" للباروك اهتم أيضا بترتيب شخصيات لوحاته لشد عين المتلقي داخلها بالشكل الذي يريده وهو الآخر رسم عدة لوحات تحوي عشاء المسيح مع تابعيه، وهو ما تمت مقارنته بمشاهد العشاء في "الأب الروحي". يمكن بسهولة مقارنة المشاهد المحتوية على شخصيات عديدة بكثير من لوحات عصر النهضة والباروك حتى مع انعدام الرابط الموضوعي، هناك رابط شكلي و جمالي ملحوظ. مثل عشاءات دا فينشى وكارفاجيو تمثل مائدة العشاء في "الأب الروحي" دائما نقطة تحول أو اكتشاف، شيء جديد ستعلمه شخصية عن أخرى، خيانة محتملة حتى وسط أجواء تبدو احتفالية.

   

  

في هذا المشهد من "الأب الروحي" يجلس الإخوة منتظرين أباهم للاحتفال بعيد ميلاده، يأتي هذا المشهد فى نهاية الجزء الثاني على هيئة ذكرى لمايكل كورليوني"ال باتشينو" بعد تورطه بالكامل في شغل العائلة الاجرامي والذي خسر بسببه معظم أفراد أسرته، هنا يترأس المائدة سوني لأنه الأخ الأكبر ورب أسرة (لم يكن مايكل هنا الأب الروحي بعد فيجلس على جانب المائدة مثل بقية الإخوة)، مايكل يواجه فريدو الذي سوف يدبر لقتله في ما بعد، ولكن في تلك الذكرى كان فريدو هو الأخ الوحيد المشجع لأخيه على الانضمام للبحرية، فتيمة الخيانة المستترة هنا حاضرة.

    

في هذا المشهد يمكن التقاط معظم سمات الباروك: خلفية مظلمة، إضاءات دافئة على الأوجه وتكوين يشبه تكوينات عشاء في ايماوس عند كارفاجيو شكليا، ويلمح للخيانة في العشاء الأخير لدا فينشي.

    

استخدام الظلال للوصول إلى المعنى

استخدام جوردون ويليس مصور "الأب الروحي" التباين القاسي بين النور والظلام في عالم كورليوني غامض ليجسد بصريا المعركة بين الخير والشر داخل روح كل رجل وبالتحديد رجل واحد هو مايكل كورليوني (إل باتشينو)، خلق عالما من الثنائيات بين الجيد والسيء، بين البراءة والإجرام وظهر ذلك بشكل جلي في التباين بين كيفية استخدام الإضاءة في منزل آل كورليوني المظلم المتواري حيث يخفي الجميع حقيقته والإضاءة المشمسة المشبعة خارجه حيث الكل مكشوف.
   
تتم إنارة الشخصيات من الأعلى أو من جانب واحد بدون الضوء المالئ (fill light) الذي يستخدم عادة لإنارة بقية الوجه ويملأ فراغات الظل، فوقوع نصف الوجه في الظلام يؤكد وجود جانب غامض للشخصية، قال ويليس إن رؤيته لـ"الأب الروحي" مبنية على الشر، رأى أن التصوير المظلم يمثل انعكاسا لروح الفيلم منذ أول لقطة فيه، لقطة مقربة لوجة غارق في الظلام تتم إنارته بالتدريج، وتخبرنا اللقطة بأننا على وشك مشاهدة فيلم عن عمق الظلام الكامن في الروح الإنسانية، يتم إبعاد الكاميرا بالتدريج حتى نصل للقطة من فوق الكتف مظلمة تماما لشخص غامض لن نعرفه أبدا بوضوح، الأب الروحي نفسه فيتو كورليونى (مارلون براندو)، طوال مدة عرض الفيلم تتم إضاءة وجهه من الأعلى، بحيث لا نرى عينيه تأكيدا على غموضه وتناقضه، لا نستطيع النظر داخل نافذة روحه لأن الإضاءة تمنعنا.
      

    

وجه مايكل كورليوني (إل باتشينو) مضاء بشكل ساطع نسبيا في مشاهد الفيلم الأولى، ولكن حالما يتورط في أشغال عائلته المشكوك فيها يتوغل وجهه داخل الظلام وخارجه بالتناوب، كما لو أن براءته وجانبه الشرير يتصارعان، فقط في المشاهد الرومانسية في صقلية نرى وجهه مضاء بالكامل، وكل ما حوله أيضا من مناظر طبيعية مستحمة في شمس إيطالية ساطعة كتمثيل لحلم كامل لحياة رغدة بسيطة في تضاد واضح مع دواخل عالم العائلة الأسود، لكن عندما ينهار حلم السعادة والبراءة يسيطر الظلام على وجهه من جديد، فقد تغلب الجانب المظلم أخيرا، يقدم لنا كوبولا وويليس تحول مايكل المنتظر في صورة بالغة البراعة، فبعد أن اعتدى على مايكل بعض الرجال نرى وجهه المتورم المضاء من أعلى الذي يبدو تماما كوجه أبيه الطبيعي، بل ويبدو أكثر ظلمة، بعدها لم يبق شيء على ما هو عليه، فقد أصبح هو الأب الروحى. يمكن استخراج دواخل كل شخصية من الطريقة التي تمت بها إضاءتها، مما يشدد على أهمية الإضاءة كعنصر سينمائي، عندما يستخدم بحساسية حقيقية يمكن أن ينتج سحرا. 

      

   

معظم الأفلام والمسلسلات في السنوات الأخيرة لم تكن لتبدو كما هي عليه لو لم يكن جوردون ويليس وفرانسيس فورد كوبولا قد غامرا بالشكل المعتاد لإضاءة الأفلام وتصويرها وتجاهلا القواعد المتفق عليها، يمكن رؤية تأثير إضاءة "الأب الروحي" الباروكية في معظم الأعمال المعاصرة التي تتناول جوانب مظلمة من النفس البشرية أو مواضيع قاتمة أو حتى شكل أفلام العصابات، لم تتأثر السينما بعد "الأب الروحي" بالتباين بين الضوء والظلام، فحسب، بل اقتبست معظم الأفلام التي تقع أحداثها في فترة زمنية قديمة (period drama) تأثير الضوء الأصفر الدافئ الذي يغمر عالم الفيلم ويجعله يبدو كجزء من ذاكرة شخص ما، لذلك ولأسباب لا حصر لها فإن السينما والتليفزيون في آخر 40 عاما مدينان لأمير الظلام. 3

إيران في ميزان النخبة العربية

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار