اغلاق
آخر تحديث: 2018/2/3 الساعة 17:43 (مكة المكرمة) الموافق 1439/5/18 هـ

انضم إلينا
المخرج "دل تورو".. كيف أوصلته الوحوش التي أحبها للأوسكار؟

المخرج "دل تورو".. كيف أوصلته الوحوش التي أحبها للأوسكار؟

إسلام السقا

محرر سينما
  • ض
  • ض

"منذ طفولتي كنت وفيّا للوحوش"

(دل تورو)

في لوحة بعنوان الكابوس للرسّام هنري فوسيلي (1741- 1825)، تستلقي امرأة على ظهرها مستسلمة للنوم، يغطيها ثوبها الأبيض الحريري، يبدو المشهد حتى اللحظة عاديا، ولطيفا، حتى ننتبه إلى الكائن الرابض على صدرها، شيطان قبيح يجلس بهدوء فوق الفتاة دون حركة، ويحيط بهما ستار أحمر يظهر من ورائه رأس حصان أسود. لا يختلف مشهد لوحة الكابوس عن أفلام المخرج المكسيكي غييرمو دل تورو من حيث رؤيته للعالم من وراء الستار الأحمر للوحة بكل ما فيها من مزايا الجمال، وبكل عيوب القبح أيضا. (1)

    

يبرع دل تورو في تصوير الثنائيات، فعندما يتحدث عن الظلمة لا بد وأن يرينا النور أيضا، وإذا تكلّم عن الحزن وقسوته فلا بد للفرح ودفئه أن يكونا هناك، وإذا ظهر دل تورو متعاليا أحياناً فهذا لأنه متواضع أصلا! الأمر متعلق بشخصيته حتما، لهذا السبب كانت شخصيات دل تورو المفضلة هي الوحوش والكائنات الغريبة.

     

وحوش دل تورو تشبهه وتشبه أعماله إلى حد كبير، هذا التكامل في حضور الثنائيات كان منبعه الأساسي هو طبيعة "الوحوش" التي يحبها ويشعر معها بألفة. وحوشه بعيدة عن الموضوعية ولا بدّ أن هناك من ينتمون لعالم الوحوش الحقيقي يشتعلون غضبا لعدم مصداقية تمثيلهم في سينما دل تورو! فهو يدرك انّ قوّة الوحوش تكمن في بنيتها الجسدية الصلبة والمختلفة، مع ذلك فهو يعمد إلى تصويرهم دوما في أبهى حلّة ويضعهم في إطار بيئة حميمية قادرة على الانعكاس بحبّ شديد على المُتفرج مباشرة.

     

المخرج والروائي المكسيكي جييرمو دل تورو

مواقع التواصل
       

الوحش هو كائن ناقص في تكوينه، مرعب في شكله، ومن أجل الإبقاء على المواصفات المخيفة في ظل أجواء جمالية واضحة، يقوم دل تورو بالتعويض عن هذا النقص عبر التخفيف من الكآبة التي تحيط بهم.. فطبقات الرعب التي تحيط بأعماله من كل اتجاه لا تزال قادرة على البعث برسائل أمل وحياة وحب الاستكشاف والتجريب.

    

الاستئناس بالوحوش
يعتبر الكثيرون أن فيلم "متاهة بان" Pan's Labyrinth، إنتاج 2006، هو تحفة دل تورو الخالدة فهو الفيلم الذي يتحوّل فيه إلى مصمم عبقري قادر على خلق تحفة بصرية في عالم من الخيال قل نظيرها.(2) في هذا الفيلم يأخذنا المكسيكي صاحب فرصة التتويج بالأوسكار لأول مرة في تاريخه هذا العام، إلى عالم سفلي ساحر رغم معالم الرعب الواضحة فيه.

     

بعد فترة وجيزة من انتهاء الحرب الأهلية الإسبانية لم تتجاوز الخمس سنوات، تغادر الطفلة أوفيليا برفقة والدتها كارمن إلى منزل أحد الجنرالات العسكريين الفاشيين يدعى الكابتن فيدال. الرجل الذي يمثل وحشية النظام الذي بناه الجنرال فرانكو، المجرم والدكتاتور الإسباني المعروف، والذي بات يحكم البلاد بالحديد والنار بعد الحرب، يقضي فيدال وقته في مطاردة الثوار الذين يهاجمون نظام فرانكو من الغابات.

    

تحت الأرض كانت إحدى الجنّيات التي ظهرت فجأة لأوفيليا تقودها إلى متاهة مستترة حيث تقابل أحد الآلهة القدامى والذي يعتقد أنها الوريث الشرعي لمملكة باطن الأرض السحرية، ومن أجل تخليد روحها للأبد ونيل الحياة السرمدية يجب عليها أن تقوم بتنفيذ ثلاث مهام. تنجح أوفيليا بتنفيذ المهمة الأولى والثانية، وعندما تطلب الثالثة يمتنع "الوحش" عن الإجابة.

     

     

في تلك الأثناء وفوق الأرض كانت حكاية أخرى تجري أحداثها، والدة أوفيليا حالتها تزداد سوءا يوما بعد يوم قبل أن توافيها المنية. زوج والدتها الكابتن فيدال يقتل مزارعين محليين لاشتباهه بأنهم يساعدون خلايا المقاومة، أمّا في منزله فالخادمة تعمل أيضا جاسوسة لصالح المتمردين الذين انضم إليهم أخوها في وقت سابق. يبدأ فيدال باكتشف ذلك كله في الوقت الذي تموت فيه والدة أوفيليا أثناء إنجابها لطفلها بعد فترة حمل قاسية عليها.

     

تتحول الحياة الجديدة لأوفيليا في باطن الأرض تدريجيا إلى نقيض تلك التي تعيشها على سطح الأرض. رغم أن أي منظور طبيعي للأحداث سيرى بأنّ عالم الوحوش في مكان مظلم ومرعب في باطن الأرض سيكون أكثر قسوة من عالم البشر على سطح الأرض، ولكن ما يحدث هو العكس تماما وهو بالضبط طبيعة التباينات التي يخلقها دل تورو في ثنائياته التي لا تنضب، دافعا المتفرج إلى طرح المزيد من التأويلات ويضفي أجواء سيريالية أشبه بحلم على أحداث الفيلم. هل عالم أوفيليا السحري هو هروب من طفولة مستباحة أم أن السحر الذي يكمن تحت الأرض موجود بالفعل في عالم القصة؟

    

يكشف "متاهة بان" عن أسئلة هامة تتعلق بالفاشية واستخدام العنف، فالرحلة التي يأخذنا فيها دل تورو إلى باطن الأرض لا يمكن الاستنتاج من بعدها سوى أن الوحوش الحقيقيين هم أولئك الموجودون على سطح الأرض.. فرانكو وأتباعه الفاشيين. وهو ما يلخصه المشهد الختامي عندما تفتدي أوفيليا أخاها الصغير بدمها فيقتلها فيدال ويسرق الفتى، وعندما يحاصره المتمردون ويقضون عليه تُتوّج أوفيليا بلقب ملكة العالم السفلي لأنها نجحت في المهمة الثالثة وهي "الاستعداد للموت من أجل الآخرين" ليصبح الفيلم حتى هذا المستوى دعوة للمقاومة والموت في سبيل التحرير.

   

ليست المرة الأولى التي يستطيع فيها دل تورو المزج بين الخيال والسياسة. يعتبر الحضور السياسي في أفلامه سمة ظاهرة، يتعلق "متاهة بان" بفيلم سبقه بعنوان "العمود الفقري للشيطان" The Devil's Backbone، إنتاج 2001، تجري أحداثه هذه المرة في خضم الحرب الأهلية الإسبانية ولكن هذه المرة عبر قصّة أشباح مشحونة بشكل مكثف بالسياسة.

     

    

في المشهد السابق تحركت كاميرا دل تورو من الظلام، في واحد من أكثر المشاهد الافتتاحية رمزية في السينما المعاصرة، زوج من الأبواب يُفتحان لتسقط من خلالهما قنبلة حديدية ضخمة. زاوية التصوير الرأسية تسمح لنا برؤية المشهد من داخل الطائرة نفسها. أمّا القنبلة التي ودعناها للتو فهناك من سيقوم باستقبالها في الأسفل خلال ثانيتين على الأكثر. تُغلق الأبواب مجددا لنعود جميعا إلى وضعنا الأساسي.. في قلب الظلام.

    

تتعدى الرمزية في هذا المشهد مجرد الإشارة إلى الطريقة التي كان يعامل بها فرانكو الإسبانيين عبر قصفهم بالقنابل وهم آمنون في بيوتهم، فدل تورو يقدّم عبر هذا المشهد وعبر الفيلم بالمجمل قطعة فنيّة نادرة تدعو إلى تقبّل التروما أو الصدمة النفسية الناجمة عن الحرب في حالتنا هذه، فيُنهي فيلمه بنفس المشهد الذي ابتدأه به مع نفس التعليق الصوتي عليه وكأنه يقول "لا خلاص ولا أمل بمستقبل أفضل، هذه الدائرة المفرغة من كل شيء والمحشوة بالفزع هي كل ما يعبر عن نفسيّة الإسبان في هذه الحرب المهلكة.. هذه دورة حياتهم".

    

"ما هو الشبح؟ مأساة مُدانة بتكرار نفسها مرة بعد أخرى؟ لحظة مستمرة من الألم، أو ربما، شيء ميّت ولكنه يبدو كأنه حي. مشاعر علّقها الزمن على هيئة صورة ضبابية"

   

تجري أحداث فيلمه في السنة الأخيرة من الحرب الأهلية الإسبانية، أي عام 1939، عندما كان العالم يتجهّز لخوض حربه العالمية الثانية ومعها يبدأ الجنرال فرانكو سنوات حكمه فينتشر اسمه في طول وعرض البلاد كواحد من أكثر الزعامات اليمينية همجية وتوحشا.

      

استخدم دل تورو رمزية الأشباح هنا للتعبير عن ديمومة الحرب في أذهان الشعب الإسباني كما هو واضح في تعريفه للشبح في مقدمة الفيلم.(3) القنبلة التي تسقط على واحدة من البلدات تستقر في قلب دار للأيتام دون أن تنفجر، تاركة نصفها الخلفي ظاهرا فوق الأرض يراه الجميع. دونا عن كل الأماكن كانت القنبلة في دار أيتام، أكثر الأشخاص الذين يعيشون حالة الاغتراب في ظلّ الحرب الأهلية. أفراد يعيشون حالة تعلّق وانتظار لما قد يحدث وهو انتظار قد تكون نهايته أن تنفجر تلك القنبلة فتمحو على إثرها حلمهم بالنجاة.

             

دل تورو مع أحد وحوشه (مواقع التواصل)

        

قنبلة في فيلم وجهه دل تورو كنقبلة تسقط في الباحة الخلفية لوزارة التعليم ربما وقد كُتب عليها "قد أنفجر إن لم تتصالحوا مع حالة الصدمة التي خلفتها الحرب في نفوسنا". إنه خطاب دل تورو نحو كل من يدعو لتجاوز ذكرى الحرب بدلا من مواجهتها والكلام عنها. مع ذلك فهو ينجح في طرق عالمية الموضوع بدلاًمن التركيز على صدمة الحرب الأهلية الإسبانية.

      

حصّن الفيلم برموز تصلح للتعاطي معها على مستوى العالم كله فتجاوز بذلك "إسبانية" الحكاية. "فبدلا من التركيز على اليمينيين المتعصبين واليساريين الرحيمين نجده يتكلم عن طفولة معذّبة" (4) كتلك التي سيعود للكلام عنها بعد خمس سنوات في فيلم "متاهة بان". هؤلاء الأطفال الذين كبروا في عالم لم يملكوا أن يختاروه بهذه البشاعة والقسوة هو هاجس دل تورو المستمر الذي تتحقق فيه واحدة من ثنائياته التي يملأ أفلامه بها حين يظهر أحيانا كطفل رغم ضخامة جسده.

      

استطاع دل تورو التعبير عن موقفه من الحرب وقادتها والمنتفعين منها ومصير أطفالها عبر أنسنة الأشباح وشيطنة الإنسان. العالم مستمر في دوامة عنف ما لم نتعلم الجلوس مع ماضينا بشكل كاف. لم يبتعد دل تورو عن نهجه السياسي في فيلمه الأخير المرشح للأوسكار "شكل الماء" The Shape of Water، إنتاج 2017، والذي أخذ نصيب الأسد في عدد الترشيحات الممنوحة لفيلم واحد هذا العام برصيد 13 ترشيحا. أجواء الفيلم تعتمد بالأساس على الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. في ظلال هذه الحرب كانت "إليسا" الفتاة البكماء التي تعيش على هامش الحرب التي تؤثر على كل شيء يحيط بها حتى يصل أخيرا إلى عالمها الخاص ومكان عملها.

 

  

كان وحش هذا الفيلم كائنا أمازونيا استطاعت إليسا ترويضه بالحب والحب فقط، وهو ما تسترده بحب منه مما يؤدي إلى نشوء علاقة غرامية بين الاثنين قرب نهاية الفيلم، ولكن أحداث هذه القصة لم تكن لتحدث لولا اتخاذ الفتاة قرارا مصيريا بأن تكون جزءا من هذه الحرب، بأن تحمي هذا الوحش الذي تشترك معه بالكثير مما يجعلها تغرق في حب هذا المُهمّش المظلوم الذي تستخدمه الحرب كأداة للمزايدة أو كفأر تجارب. اتخذت إليسا قرار تهريب هذا الوحش وإنقاذه متحدية قوى البشر القاسية والعنيفة، انتصار آخر للمظلومين في زمن الحرب من خلال الفانتازيا كما يريدها دل تورو. إنه انتصار المواجهة على حساب الاستسلام.

     

"إننا نعيش أوقاتا تتغلغل فيها الكراهية والخوف.. كل ما أردته هو أن أجعل الجمهور يقع شيئا فشيء في حبّ الآخر"

(دل تورو) (5)

     

لم تكن جدة دل تورو في غوادالاخارا بالمكسيك على دراية بأن جلسة طرد الأرواح التي أعدتها له في محاولة يائسة منها لتخليصه من حبّ الوحوش ستكون الذكرى الأساسية له في أعماله السينمائية المتعددة والتي جعلته يحتل وصف "الماستر" في فئة أفلام الرعب.(6) لا يزال دل تورو قادرا على تقديم المزيد من الوحوش، طالما أنه يحلم بها ويغرّد عنها على حسابه الشخصي على تويتر ويقيم له متحف لوس انجلوس للفنون قسما خاصا لإعادة إحياء وحوشه التي خلقها،(7) ربما كل ما يخشى منه دل تورو اليوم هو أن يدبّر أحدهم جلسة طرد أرواح جديدة.. فهو على ما يبدو، لا يزال.. طفلا!

      

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار