اغلاق
آخر تحديث: 2018/2/8 الساعة 15:33 (مكة المكرمة) الموافق 1439/5/23 هـ

انضم إلينا
واشتعل الرأس شيبا.. أفلام تروي حيــاة الشيخوخـة

واشتعل الرأس شيبا.. أفلام تروي حيــاة الشيخوخـة

  • ض
  • ض

في الفترة ما بين عام 1950 حتى عام 2010، تغيرت التركيبة السكـانية بشكل جذري. بحسب الأمم المتحدة؛ ارتفع متوسط الأعمار العام للإنسـان من 46 عاما إلى 68 عاما مع تقدم الخدمات الصحية الأساسية في كافة أنحاء العالم. ويوجد الآن ما يربو عن 700 مليون نسمة حول العالم تجاوزت أعمـارهم 60 عاما، تتجاوز أعداد النساء منهم أعداد الرجال؛ سواء الذين تجاوزوا 60 أو 80 عاما أو الذين عمّـروا للمائة عام.

     

بحلول العام 2050 (أي في منتصف القرن الحالي) سيرتفع عدد المسنين الذين تزيد أعمارهم عن 60 عاما حول العالم من 700 مليون نسمة إلى ما يقارب مليـاري نسمة، وهو ما سيزيد عن 20% من تعداد العالم وقتئذ، ما يعني -للمرة الأولى في تاريخ البشـر- أن عدد المسنين سيتجاوز عدد الأطفال في العالم في هذا التاريخ. ومن المتوقع أيضا أن يرتفع متوسط الأعمار العام ليصل إلى 81 عاما بنهاية القــرن الحالي. ( 1 )

     

يبدو واضحا من هذه الأرقام أن الشيخوخة في هذا القرن لن تصبح مجرد ظاهـرة إنسانية عادية، وإنما أيضا ظاهرة شائعة بشكل كبيـر بين سكان العالم؛ مما سوف يتطلب خططا شاملة لمراكز الرعاية والتأهيل ومساندة المسنين الذين سيرتفع عددهم ليشمل خُمس سكـان الأرض تقريبا. وهو ما جعلها -الشيخوخة- محل تركيز كبير سواء من الأبحاث العلمية والطبية من ناحية، أو من الأدب والسينما والأفلام الوثائقية والمحاضرات التوعوية من ناحية أخرى.

    

في هذا التقرير، نستعرض مجموعة من المحاضرات والأفلام المتنوعة التي تسلط الضوء على جوانب مختلفة من حياة الشيخوخة التي ربما تمثل واحدة من أعمق وأهم المراحل الإنسـانية في حياة كل من استطال به العمر ليصل إليها.

     

كيف أصبحت رائد أعمال في عمر السادسة والستين؟

     

"ومعلومة عن التمويل، أنا أعيش وأعمل في سان فرانسيسكو.. وإذا كنتم تبحثون عن التمويل لشركتكم الناشئة، فإنكم ستتنافسون عادة مع عدد من الشباب صغار السن الذين يعملون في قطاع التكنولوجيا المتطورة، ويمكن لهذا أن يكون مثبطا ومخيفا إلى حد كبير بالنسبة لي.. إنني رجل كبير السن أملك أحذية عمرها أكبر من معظم هؤلاء الشباب"

    

عندما اقتحم بول تازنر عالم الستينيات من العمر، ومع وصوله إلى أرفع المناصب في شـركته بعد عمله لصالحها لأكثر من 40 عاما، ذهب بشكل دوري ليحضـر إحدى الاجتماعات السنـوية ليفاجأ باسمه من ضمن المستبعدين من العمل في الشركة. كان خبرا صادما للرجل الذي لم يستوعب بعد كيف يمكن لشركته التي خدمها على مدار عقود طويلة أن تستغني عنه بكل خبراته ونضجه وقدرته على تسيير الأمور، بحجة أنه كبيـر في السن ويجب إحالته للتقاعد.

    

كان الطريق البديهي الوحيد الذي وجده بول أمامه هو أن يقضي أياما طويلة أمام التلفاز مع زوجته، أو قضاء بعض الوقت مع أحفاده، وربما زراعة بعض المزروعات وتربية بعض الحيوانات. الحياة الهادئة التي تؤول لها حياة المسنين عادة، والتي تعتبر في حد ذاتها جحيما مستمرا من انتظار لحظة الموت.

    

ولكن بول لم يسمح لنفسه بدخول هذا الطريق واختار طريقا آخر. في عمر السادسة والستين أطلق شركته الناشئة مستغلا خبرته الطويلة في مجال الشركات، لتتحول شركته إلى واحدة من أهم الشركات الأميـركية الناشئة التي تهتم بتدوير المخلفات وحماية البيئة من آثارها الضارة. بمعنى آخر، قرر بول أن يقضي أيامه الأخيرة في الحياة في ذروة الاجتماعات والإدارات، وتسجيل براءات الاختراع، وضم الموظفين، بدلا من قضائها على الفراش في انتظار الموت.

    

محاضـرة شيقة ألقيت على مسرح تيد في يونيو/حزيران 2017، وحققت مشاهدات تلامس المليون ونصف المليون مشاهدة، وتعتبر من أبرز المحاضرات المُلهمة التي ألقيت على مسرح تيد في الشهور الأخيرة، والتي تنفي تماما الفكرة السائدة أن ريادة الأعمال دائما مرتبطة بالشباب، وتنفي أيضا الفكرة السائدة أن سن التقاعد هو سن انتظار الموت، بل يكون أحيانا سن انطلاق الحياة الحقيقية.

     

الشبــاب.. هل هو ممكــن بعد الثمـانين؟

     

فريد بالينجـر هو ملحن وقائد أوركسترا عالمي شهيـر أحيل للتقاعد منذ فتـرة، ويقضي نهاية عمـره في أحد المنتجعات السويسـرية الفاخرة. حياة رتيبة مملة روتينيـة لرجل تجاوز الثمانينيات ويقضي نهاية أيامه رفقة أصدقائه المسنين بدورهم في منتجع سويسـري فاخر، ومع ذلك، يبدو على الجميع أنهم غير مستمتعين بروعة المنتجع بقدر استمتاعهم بأبسط الإشارات على أن لديهم وظائف صحية طبيعيـة؛ مثل القدرة على قضاء الحاجة بشكل طبيعي أو استخدام حمام السباحة.

     

ذكـريات طويلة يتجرعها بالينجـر طوال فترة إقامته في المنتجع السويسري الفاخر، بدءا من الأخطاء التي ارتكبها في حق عائلته، مرورا بذكـريات شبابه. هذه الذكـريات تجعله يصمم على رفض عرض مغر من العائلة المالكة البريطانيـة أن يقوم بتلحين معزوفته العالمية الشهيرة في حضور الملكة، لأن "السوبرانو" أو مغنية الأوبرا التي ستغني أمام الملكة شخصية أخرى غير زوجته التي لطالما لحن لها أداءاتها. زوجته الآن امرأة طاعنة في السن تقبع في أحد المستشفيات الإيطالية شبه ذاهلة عن كل شيء.

     

فيلم "الشبـاب" (Youth) هو فيلم من إنتاج إيطـالي ناطق بالإنجليزية عام 2015، بطولة النجم البريطاني الأشهر سير مايكل كين والنجمة رايتشل وايز. الفيلم من أشهر الأفلام الحديثة التي تناقش قضيـة الشيخوخة، وتسلط الضوء عليها في محاولة ربط العمر المتقدم جدا بإمكـانية الاستمرارية في الإنتاج، حيث أظهـر كبار السن الذين يقطنون أفخر منتجع في العالم لديهم أزمـات في اجترار الذكـريات المؤلمة التي تجتمع مع المشاكل الصحية. المكان الفاخر لم يشفع لهم بالراحة، بقدر ما سمح لهم بالتذكـر والحزن بشكل أكبر.

    

إيقاع الفيلم رتيب بطيء يناسب تماما فيلما يتحدث عن الشيخوخة وأعراضها من ناحية، ثم هو إيقاع سريع مرح يناسب الشباب من ناحية أخرى، وهو ما جعله حلقة وصل بين الشيخوخة والشباب، المستقبل والماضي، الحياة والموت. الفيلم ترشّح لعدد كبير من الجوائز، حصد 16 منها في مهرجانات سينمائية مختلفة، كما حقق إيرادات جيدة وصلت إلى 24 مليون دولار، وهي ضعف الميزانية التي أعدت له تقريبا. ( 2 ، 3 )

      

الحالة المحيّرة لبينجامين باتون.. عكس عقارب السـاعة

           

عندما لاحظ ملجأ الأيتام الفقيــر -في تلك الفترة من عشرينيات القرن العشرين- الملفوفة الصغيرة على باب الدار، اكتشفوا أنه طفل صغير يبكي تركـه شخص مجهول ومضى. هو إذا طفل آخر يتيم تخلى عنه أهله، إلا أنه بتأمل ملامح وجهه بدا واضحا أن هذا الطفل بالتحديد مختلف عن أي طفل في الدنيا؛ فهو طفـل رضيع بملامح شيخ طاعن في السن.

         

يقضي الطفل حياته في الملجأ وهو بملامح رجل طاعن في السن، ثم يبدأ في النمو ليكتشف الجميع أنه يصغر في السن عكس جميع الناس. اسمه "بنجامين باتون"، بدأ حياته كشيخ طاعن في السن كلما تقدم به العمــر كلما صغـرت ملامحه وظهـر أكثر شبابا. وفي هذه الرحلة -رغم غرابتها- الكثير من الآلام والأحزان والفراق والمشاكل، خصوصا أنه يسير عكس الزمن، فيرى أحباءه يتقدمون في السن ويشيبون، بينما هو يزداد شبابا بمرور الوقت. حتى لحظـة مغادرته للحيـاة جاءت مختلفة تماما عن بقية البشر.

            

فيلم "الحالة المحيّـرة لبينجامين باتون" (The Curious Case of Benjamin Button) هو واحد من أشهر الأفلام الهوليودية على الإطلاق التي تم إنتاجها عام 2008، من بطولة النجم الأميـركي براد بيت في واحد من أروع أدوراه التمثيلية برفقة النجمة كيت بلانشيت. الفيلم ترشح لعدد هائل من الجوائز في مهرجانات عالمية وصل إلى 155 ترشيحا، واستطاع الفوز بـ77 جائزة دولية، من بينها 3 جوائز أوسكـار. كما حقق إيرادات كبيـرة في شباك التذاكر وصلت إلى 334 مليون دولار انطلاقا من ميزانية ضخمة بدورها قدرت بـ167 مليون دولار.

       

على الرغم من أن فكـرته الأساسية يغلب عليها الخيال، إلا أن التوظيف الدرامي للفيلم ركز بشكل كامل على مفهوم الشيخوخة والشباب في مراحلهما المختلفة، بدءا من تغير الأشكال والطاقة والنفسيات، مرورا لآلام الفراق وأزمات الحيـاة. هو فيلم درامي شديد العمق قائم على فكـرة خياليـة زادت من عمقه وأضفت تأثيرا ممتازا لتوضيح فكـرته. ( 4 ، 5 )

        

عمــر أدالين.. شابـة عمـرها 100 عام

            

فكرة الاستطالة في العمــر والحياة لأطول وقت ممكن بجسد صحيح وبملامح شابة هي حتما واحدة من أهم الأفكار التي يسعى لها البشر منذ بدء وعيهم بتقدمهم في الزمن. الإصرار الدائم على الشباب والرغبة في الخلود كانت هي الأساس الذي كتبت عليه آلاف الروايات الخيالية، وحالة تحدث عنها الفلاسفة والأطباء والعلماء في كل الأزمنة، الشباب الدائم والعمر الطويل.

            

هذه الحالة بالضبط هي التي تجسدها لنا "أدالين" في الفيلم الأميـركي "عمــر أدالين" (The Age Of Adaline) الذي أنتج عام 2015. كانت أدالين فتاة حسناء عادية، تعرضت في عمر الـ29 إلى حادث سيارة كاد يودي بحياتها لولا أن هبطت عليها صاعقة جعلتها تفيق مرة أخرى وتنجو من الموت، لتكتشف أنها منذ تلك اللحظة لا تتقدم في العمر مطلقا، الكل يشيب وينمو ويموت وهي مستمرة في الحياة بنفس الملامح والشباب، حتى تواردت عليها عقود وأجيال مختلفة وهي لا تتغير إطلاقا، رغم أن عمـرها -حسابيا- وصل إلى 107 سنوات.

         

الفيلم من بطولة بليك ليفلي وهاريسون فورد ومكيل هاوسمان، وحقق نجاحا تجاريا جيدا بإيرادات 65 مليونا مقابل ميزانية إنتاج بلغت 25 مليون دولار. كما حاز تقييما إيجابيا على مواقع تقييم الأفلام المختلفة، وترشح لـ9 جوائز عالمية استطاع الفوز بواحدة.  ( 6 ، 7 )

       

عن شميــدت.. عن اكتشاف الحيـاة متأخرا

         

بعد أربعين عاما من قضاء عمل روتيني تماما كمندوب لإحدى شركات التأمين، عاش وارين شميدت حيـاة بسيطة كما يحياها أي مواطن أميـركي؛ تزوج بعد التخرج، عمل في الوظيفة، أنجب ابنة جميلة، وعند وصوله لسن 66 عاما أحيل إلى التقاعد.

           

ومع ألمه من إحالته للتقاعد إلا أنه يقرر أن يستمتع ببقية حياته مع زوجته هيلين، ليجد نفسه تائها في عالم جديد تماما. تقترح عليه هيلين أن يشتري مقطورة تمكنهما من التجوال والسفر عبر الولايات المتحدة بالكامل، والاستمتاع بآخر أيامهما، لتتركه فجأة بعد إصابتها بجلطة وتتوفى تاركة إياه وحيدا تماما برفقة ابنتـه المشاكسة التي تسعى للزواج بشاب لا يرضى به بتاتا، ولا يجده مناسبا لما أفنى عمـره عليها. تتصاعد المشاكل بينهما، فيضطـر أن يوجه وجهه شطـر حياته الشخصية، ليتأمل الحيـاة عبر رحلته في الولايات المتحدة، وعبر تذكـر الحسنات التي صنعها في حياته بما في ذلك كفالة طفل تنزاني فقير.

         

فيلم "عن شميدت" (About Schmidt) هو فيلم أميـركي من إنتاج العام 2002، بطولة النجم المخضـرم جاك نيكلسون في واحد من أفضـل أدواره التي جسدها على الشاشة. الفيلم حقق نجاحا نقديا هائلا انعكس على إيراداته التي تجاوزت الـ100 مليون دولار مقابل ميزانية إنتاج بلغت 30 مليونا، واعتبر من أشهر وأفضل الأفلام التي تجسد مرحلة الشيخوخة والتقاعد بكل تفاصيلها. ترشح الفيلم لعدد كبيـر من الجوائز بما فيها جائزتان للأوسكار، وحصد 25 جائزة دولية.

        

الفيلم مزيج من معاناة الوحدة التي يعانيها كبير السن بمفرده، والمشاكل الاجتماعية التي يكتشفها في أسرته بعد التقاعد، فضلا عن الاكتئاب الذي يشعر به بعد شعـوره أن قطـار الحياة قد مضى بالفعل دون أن يترك الأثر الذي كان يتمناه على نفسه وأسرته والمحيطين به. قصة الفيلم وعمقها وتأثيرها وتنوعها ما بين الدراما الكئيبة والكوميديا جعلته واحدا من أفضل الأفلام التي تم إنتاجها هذا العام. (8، 9)

             

الحب.. رحلة ملحميـة من الوفاء

           

واحد من أهم وأشهر الأفلام التي تناقش موضوع الشيخــوخة في أفضل إطاراتها الدرامية والرومانسية، فيلم "الحب" (Amour) هو فيلم فرنسي من إنتاج العام 2012، حقق شهـرة عالمية كبيـرة تجاوزت حدود فرنسـا بكثير، ليطوف العالم أجمع كواحد من أفضل الأفلام الرومانسيـة التي تتناول كبر السن بكافة تفاصيله تقريبا، بدءا بالأمراض مرورا بالوحدة، وليس انتهاء بالحب المتبادل بين زوجين لم تعد تجمعهما سوى الرحمة والتعاطف بأنقى صورهما.

            

الأيام الأخيـرة في حياة الزوجين المسنين اللذين يعانيان من شيخوخة متقدمة. جورج وآنا، متزوجان من فترة طويلة جدا، بلغا من العمـر عتيا، ومع ذلك يقضيان كل يوم من أيام حياتهما متحابين. تصاب الزوجة آنا بسكتـة دماغية تؤثر على صحتها تماما وأسلوب حركتها وحديثها ووعيها، فيقوم زوجها الوفي جورج برعايتها وإحاطتها بحبه في كل لحظة، متمنيا أن تعود زوجته إلى عافيتها. حب هائل لم تبدده التجاعيد على الوجوه، بل ربما زادته عما يمكن تخيله في الأفلام الرومانسية للشباب والمراهقين في العديد من الجوانب.

           

حقق الفيلم انتشارا هائلا على المستوى العالمي، حيث ترشح لـ103 جوائز عالمية في كافة المهرجانات الدولية، حصد منها 77 جائزة في قطاعات مختلفة، كما حاز على جائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي لعام 2013. الفيلم لاقى أيضا تقييما نقديا إيجابيا مرتفعا للغاية في مواقع تقييمات ونقد الأفلام، وحقق إيرادات كبيـرة -بالنسبة لهذا التصنيف من الأفلام- وصلت إلى 30 مليون دولار مقابل ميزانية إنتـاج 9 ملايين فقط. ( 10 ، 11 )

 

    

بالقطع، لا يمكن حصـر كافة الأفلام والمحاضرات التي تناولت الشيخوخة كفكــرة أساسية، إلا أنه يمكن القول بالمجمل إن من أهم ما قامت به السينما هو أنها جسدت جوانب مختلفة عما هو سائد عن الشيخوخة دائما؛ أنها مرادفة للألم والمعاناة والعجز، حيث أظهرت أيضا جوانب مختلفة من الأمل والكوميديا والخبرة والقدرة على الإنجـاز، ربما من الصعب أن يحصل عليها الشباب والمراهقون في حياتهم اليوم. 

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار