هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
"بركة يقابل بركة".. مطاردة حب في شوارع المملكة

"بركة يقابل بركة".. مطاردة حب في شوارع المملكة

مها فجال

محررة فنية
  • ض
  • ض

"أي تغبيش في هذا الفيلم هو فعل استباقي متعمد لمحاكاة خطاب الرقابة المحلي. يسعدنا أن نيسّر على الآخرين عملهم"

(محمود الصباغ)

  

بهذا العبارة، اختار محمود الصبّاغ مخرج ومؤلف "بركة يقابل بركة" أن يبدأ فيلمه. وفيها نجد الكثير من السخرية التي لا تخلو من لمحة مرارة كونها نابعة من جوف الواقع. وقد جاءت هذه الجملة البسيطة لتعكس الجو العام للفيلم، وكأن المخرج أراد بها أن يضبط للمشاهد توقعاته عما سيراه بعد قليل ويقول له: سُتشاهد ما يجعلك تضحك، لكن لا تجعل ضحكاتك تضيع في الفضاء بلا جدوى، بل حاول أن تجعل صداها يمس عقلك ويحملك على التفكير.
        

فضاء مختنق

رغم تصريح المُخرج في أحد اللقاءات أنه لم يصنع "بركة يقابل بركة" وفي نيته إطلاق فيلم كوميدي، إلا أن قصة الفيلم في ذاتها بدت كأرضٍ خصبة على استعداد أن تطرح الكثير من الضحكات إن ولّاها صاحبها العناية الكافية.(1) فيدور الخط الأساسي حول وقوع "بركة"، الموظف الحكومي الذي تجعله وظيفته يعيش حياة تقليدية يغلب عليها الملل ويسكن في منطقة متواضعة أقرب جيرانها إلى قلبه "سعدية الداية" وعمه "دعّاش"-العوّاد قديم مُدمن الأرجيلة الحالي، في حب "بيبي"، ابنة مالكة إحدى ماركات الأزياء الفاخرة والتي تعمل كعارضة أزياء -"فاشونستا"- على تطبيق الانستجرام حيث تملك مليون مُتابع وتسكن مع والديها فيللا فارهة. قد تبدو قصة الحب بين هذين الاثنين موعودة بالمفارقات المضحكة، لكن، أليست مكررة بعض الشيء؟

    

كانت قصة بركة وبيبي لتبدو كمجرد تنويع هزيل بنكهة سعودية على خط درامي مُعَاد مئات الآلاف من المرّات لو أن كاتبها قد اكتفى بجعل العقدة الأساسية فيها مُتمثلة في الفرق الطبقي، لكن المخرج اختار أن يُعرقل سيّر علاقة الاثنين واضعًا أمامهما عقبة هي حِكر على المجتمع السعودي وحده؛ ففي شوارع تنتشر في زوايها الهيئة ومقاهي يجب أن يكون معك ما يثبت أن من تجالسك هي زوجتك ومراكز ترفيه لا يُسمَح فيها بدخول شاب أعزب، يصبح السؤال الأساسي هو: أين يستطيع بركة مُقابلة بيبي؟

      

  

من خلال هذا السؤال، استطاع الصبّاغ أن ينفذ إلى عمق المشكلة التي أراد لفيلمه أن يطرحها وهي اختناق الفضاء العام في المملكة؛ فبوجود عشرات القواعد والقوانين التي تحول دون السماح للمساحات العامة بأن تكون منطقة آمنة يمارس فيها الفرد حريته بسلام، يصبح الكبت والتذمر من الوضع الحالي هو الشعور المسيطر على الأجواء. وقد قال الصبّاغ حوّل هذا: "فكرت أن أقدم فيلما عن الفضاء العام، والشارع والحياة العامة في السعودية، لأنها اختطفت على مدار الـ 30 سنة الأخيرة من تيار أحادي فرض رؤيته وقيمه المحافظة على جميع أطياف المجتمع، وإن كان الكثيرون يرون أن تناول فكرة الفضاء العام جافة ورتيبة فهذا ما اضطرني أن أستعير من كلاسيكيات السينما تيمة a boy meets a) (girl، شاب يقابل شابة ومن خلال رحلتهما في الفيلم نسلط الضوء على القضية".(2)

   

ولا يكتفي المخرج في "بركة يقابل بركة" بانتقاد خنق المساحات العامة، ففي خلال أحد خطوط الفيلم الأكثر بعثًا على الضحك، يقوم بركة بأداء دور "أوفيليا" حبيبة هاملت في عرض مسرحي يشترك فيه مع أحد أصدقائه في العمل. وبجانب دور هذا الخط كحدث مُحرك للكوميديا، نجد فيه انتقاد مُبطّن للمجتمع الذي يمنع المرأة من الظهور على خشبة المسرح ويجعل مما لا مفر منه أمام مخرج المسرحية أن يستعيض عنها برجل؛ وإذا ما عرفنا أن هذا بالضبط ما كان يحدث في زمان شكسبير حيث مُنعَت المرأة أيضًا من التمثيل على الملأ وقام بأداء دورها فتيان مراهقين(3)، يصير الأمر كله بمثابة سؤال ساخر يطرح نفسه ويقول: هل يا ترى وصل المجتمع السعودي لدرجة من الرجعية الحضارية صار معها متوقفًا عند مجتمعات القرن الخامس عشر غير مُختلف عنها في الشيء الكثير؟

      

السعودية vs السعودية  

في إحدى مُقابلاته، قال مخرج الفيلم محمود الصبّاغ: "إيماني الشخصي أن أفضل شيء هو مقارنة السعودية بنفسها. لا تقارن السعودية بمجتمع مجاور ولا تقارنها بالشرق أو الغرب. عندما تقارن السعودية بنفسها فأنت أمام واقع محرج". وهذا ما فعله في "بركة يقابل بركة"، حيث جعل منه مساحة مفتوحة للمقارنات التي تضمنت السعودية على كلا الطرفين وعلى أكثر من مُستوى. (4)

      

المخرج السعودي محمود الصباغ

مواقع التواصل
     

وفي أولى هذه المستويات وأكثرها مُباشرة جاءت المقارنة حول اختلاف سعودية الحاضر عن سعودية الماضي؛ ففي أحد المشاهد، يوجه بركة، المُصاب بالإحباط في إثر محاولة أخرى فاشلة للقاء بيبي، الحديث لأبيه ويقول: "جيلك عاش بالطول وبالعرض، ولمّا كبر خاف، وسلم، لكنه جنى على جيلنا". و كان المخرج قد عرض قبلها لقطات قارن فيها بين شكل الحياة العامة في السعودية وانفتاحها الكبير قبل ثلاثين عام مُقارنًا إياها مع انغلاقها الشديد في الزمن الحالي.

    

لكن الاختلاف الكبير بين السعودية والسعودية لا يتوقف عند الاختلاف الزمني، فهنالك أيضًا اختلاف مكاني عميق يظهر واضحًا بعد مشاهدة الفيلم السعودي الآخر "وجدة" الذي تدور أحداثه في مدينة الرياض، ومقارنة إياه مع "بركة يقابل بركة" حيث جدة هي مسرح الحدث. فقد جاء عالم وجدة أكثر تشددًا في تطبيق قوانينه عن الاختلاط وأقل تسامحًا حول خرقها، حتى قلّ فيه وبشدة ظهور مشاهد يتشارك فيها رجال ونساء نفس الكادر، وإن استثنينا منه المشاهد التي جمعت بين أزواج أو بين أطفال من الجنسين، فإن العدد يكاد ينعدم.

      

  

وعلى الناحية الأخرى، جاء فيلم "بركة يقابل بركة" بواقع مغاير تظهر فيه النساء في كثير من الأحيان مسيطرات تمامًا على المشهد، وقد خلعن عن أجسادهن العباءات السوداء الطويلة أو اكتفين بها فقط كرداء خارجي يظهر من تحته ملابس أكثر بهجة وتلوّن وأقوى تعبيرًا عن شخصياتهن. كما نرى فيه الاختلاط أكثر قبولًا من قِبل المجتمع ولا يهدده سوى الهيئة التي لاح وجودها في حواشي الحديث ككيان مخيف يجب تجنب اثارته لكن من الممكن التحايل عليه، وهذا ما حاول بركة وبيبي القيام به طوال الفيلم. وقد أثّر هذا الاختلاف الكبير بين مجتمعي الفيلمين على طابعهما اللوني، فسيطر الفلتر الأصفر وما يوحي به من طبيعة صحراوية جافة وغير متسامحة على "وجدة"، بينما عمّ فيلم "بركة يقابل بركة" الألوان النابضة والتي عكست روح جيلٍ يحتفي بالحياة.

     

أما على المستوى الأخير، فقد شكّل بطليّ الفيلم نموذجًا مُغايرًا تمامًا للصورة النمطية للرجل والمرأة في المجتمع السعودي. فتظهر "بيبي" بشخصية قوية تسيطر على حياتها دون أن تترك الزمام لأحد، وبخصلات شعر مصبوغة باللون الأصفر مُرتدية في كثير من الأحيان ملابس كاشفة، كما ترسم وشمًا على بطنها وترفع صورته على الانستغرام، وفي إحدى نوّبات غضبها حيال صعوبة لقاءها ببركة، تُصوّر نفسها في "لايف فيديو" وهي ترقص رافعة إصبعها الأوسط للجميع.

     

ويظهر بركة في هيئة الرجل المُتفتَح الذي ينجذب لشخصية بيبي القوية ومظهرها الجذّاب ولا يود أن يفعل كما تُلح عليه جارته "الداية سعدية" ويتزوج من امرأة تقليدية تقوم على خدمته. كما نراه في غير أوقات العمل الرسمية وقد خلع عنه الغترة ليظهر لنا شعره المعقود في تسريحة "مان بن" Man Bun، مُستبدلًا الجلباب الأبيض بتي شيرت "كاجوال" وسروال جينز.

     

     

ولا تقل حياة "هشام فقيه" و"فاطمة البنوي"، الممثلان اللذان قاما بدور بركة وبيبي، بُعدًا عن تلك الأنماط. فهشام حاصل على درجة الماجيستير في دراسات الشرق الأوسط من جامعة "نيويورك"، وهو من الشخصيات المعروفة في أوساط اليوتيوب السعودية، حيث انشأ قناة منذ ستة أعوام رفع عليها العديد من الفيديوهات الكوميدية، (5)وكان الفيديو الأشهر له هو تقليد ساخر لأغنية "No Woman, No Cry" لتصير "No Woman, No Drive" (لا يا امرأة لن تقودي).
       

 بينما تحمل فاطمة درجة الماجيستير في الدراسات الدينيّة متخصّصة في العالم الإسلامي من جامعة هارڤرد، ودرجة البكالريوس في علم النفس من جامعة عفّت، وتهتم بالمشاركة في النشاطات الاجتماعية التي جاء تمثيلها في "بركة يقابل بركة" كجزء منها. (6)

  

    

في النهاية، لا يزال الأفق مُشوّشًا كما يبدو أمام صناعة الأفلام السعودية، فالانتقال بالبلد الذي حُرم من كل دور السينما وأي نوع من أنواع الأنشطة الثقافية طوال عقود، لوجه آخر يصنع الفن ويصدره، فذلك لن يكون بالشيء اليسير. لكن يظل محمود الصبّاغ مُتمسكًا بالأمل ويقول: " أنا لست خائف لأن هذا الفيلم هو فن والفن هو نوعٌ من الحوار دائماً. إن صناعة الأفلام في أي مكانٍ في العالم تلاقيه الصعوبات وخصوصاً في السعودية حيث صناعة الأفلام ليست نشاط صناعي. في المراحل الأولى، سوف تفتقر للمنشآت الممولة والمؤسسات والمدارس والإطار القانوني ولكن الشغف هو ما يدفعنا".(7)

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار