اغلاق
آخر تحديث: 2018/3/17 الساعة 14:15 (مكة المكرمة) الموافق 1439/7/1 هـ

انضم إلينا
"الموقّر رومان إسرائيل".. جحيم التمسك بالمبادئ في الزمن الخاطئ

"الموقّر رومان إسرائيل".. جحيم التمسك بالمبادئ في الزمن الخاطئ

إسلام السقا

محرر سينما
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
     

لطالما كان المُخرج في هوليوود هو الخالق الحقيقي للعمل السينمائي وصاحب كلمة الفصل فيه ولكن هناك ما يشذ عن هذه القاعدة خصوصًا إذا كان العمل ضمن فيلم يشمل وجود أحد نجوم السينما الكبار من الممثلين والممثلات. لم يكتف دان جيلروي، المخرج وكاتب السيناريو الأمريكي، بوجود دنزل واشنطن معه كممثل في دور رئيسي حيث اضلع الأخير في كافة الأدوار الانتاجية أيضًا وكان رأيه حاضرًا فيما يتعلق بمراحل التصوير المختلفة.(1)

 

بعد فيلم "المُتسلل ليلا" Nightcrawler عام 2014 وتقديمه لوجه غير معهود عن الممثل المحبوب جيك جيلنهال، يُخرج جيلروي كاميرته من عتمة لوس أنجلوس إلى نهارها تقريبًا. كل شيء تحت أشعّة شمسها يبدو أكثر وضوحًا في مقابل مجهول وحيد وهو بطله المدعو رومان إسرائيل. دنزل واشنطن الذي يحمل الفيلم على كتفيه وينطلق به نحو اقتناص ترشيح مستحق لجائزة أفضل ممثل في الأوسكار ساعده أسلوب جيلروي الذي بدأ بالتبلور هنا أكثر من أي وقت مضى؛ أسلوب سردي مميز ساعد على إيضاح "أزمة الضمير" التي يعاني منها رومان إسرائيل دون انتقاص منها.(2)

  

قد يبدو من السهل ابتكار شخصيات ذات نمط معين متعارف عليه على حساب تلك التي تجتاحها الاسئلة من قلبها كبركان تغلى أحشاؤه، هل ما أفعله هو الصواب و هل أتغيّر نحو الأفضل؟ في الحقيقة إن اختيار واشنطن لهذا السيناريو وإكماله العمل مع جيلروي هو تحدّ واضح لنفسه و للنمط الهوليوودي المعتاد.

        

  

ولكنه اختاره لأن بطله رجل ذو مبادئ واضحة، قد تبدو قديمة ولكنه متمسك بها حتى الرمق الأخير، وعندما يكتشف أنه موجود في الزمان الخاطئ، خارج حسابات العالم، وأن أفكاره باتت أرشيفية أكثر منها ثورية، ينساب نحو خطأ جسيم سرعان ما يقوم بإصلاحه. واشنطن هنا لم يختر الشخصية الخطأ بل اختار ما يراه لنفسه أنسب صورة للظهور؛ رجل بمجرد أن يُخطئ يُعالج خطأه بسهولة وسرعة كبيرين ورغم ذلك يحصل على عقاب هو على النقيض تمامًا من اعتقاداته القانونية وممارسته له؛ الاغتيال وسط أحد الشوارع، مما يجعلنا في حالة تعاطف أيضًا وهو ما قد يدلل عليه المشهد الأخير في الفيلم.

  

رومان المُكافح يجد مُكافحون جدد من الشباب ذوي اعتقادات ومبادئ مختلفة، أشياء تحكمها اليوم النظرة النسوية للأمور ربما مع جدول أولويات مختلف. رجل مثل رومان لم يجد احترامه في مجتمع لا يجد لصوته فيه أهميّة بقدر أكبر من الآخرين فالصفات القيادية التي يتمتع بها باتت متوفرة لدى الجميع، وزمن الثوريين الفُرادى تلاشى وانصهر الجميع في حركة جماعية لا رمز فيها ولا مثلٌ أعلى.

  

"كُلّنا مجبولون على الضعف و الخطأ، دعونا نختلق الأعذار لحماقات بعضنا البعض.. هذا أول قانون في الطبيعة."

   

اسمه المُحامي رومان إسرائيل الموقّر، كما يلحق باسمه المطبوع على بطاقته الشخصية التي يوزعها في كلّ مكان. التوقير هو صفة تعلو قليلًا موضع الاحترام وتدنو بشيء بسيط من الفروسية. قضى سنوات لا بأس بها من عمره في محاولة لإيجاد صيغة مشروع محاسبة قضائية للنظام العدلي في أمريكا متخلّيًا بذلك عن اي فرصة لتكوين عائلة كأي أمريكي آخر. أفنى عمره في القانون ومن أجل العدالة رغم أنها تخلت عنه في مواضع عدّة.

     

   

قضى رومان حياته في الظل، فمن وراء الكواليس كان رومان هو العقل المُدبّر لبروفيسوره السابق في الكليّة عندما بدأ العمل معه في مكتب للمحاماة.  يستشيره الأخير في كل شيء و بإمكانياته العقلية المبهرة استطاع حفظ كافة مواد القانون المدني عن ظهر قلب ولكنه لم يمارسها في قاعة محكمة في يوم من الأيام. رجل مكتبي لا يظهر ولا يعرف أحدٌ أنه بالأهمية التي يعتقد هو أنه يستحقها.

 

بعد إصابة ربّ عمله بجلطة في القلب يبدأ رومان بإدراك أن وجوده في ذلك المكتب كان ظالمًا له لأنه بقي في الخفاء بينما كان هناك آخرون ممن استفادوا ماليًا جراء تعبه و بعد فشله في ملء الفراغ الي خلّفه مديره السابق ينفرط عقد الاتحاد بينهما لأن العائلة لم تعد تحتمل التكاليف.

 

يحاول البحث عن عمل جديد في مؤسسة معنية بحقوق الإنسان والحريات المدنية ولا ينجح في ذلك فبينما يبحث هو عن عمل دائم مدفوع الأجر كان العاملون هناك متطوعون بالأساس. يدرك رومان أهميته ويُقدّم نفسه على أنه الأفضل في خوض معارك الحرّيات المدنية ولكنه لا يُدرك أنها -تلك الأهمية والخبرة- كانت فارقة قبل اعتكافه في كهف بروفيسوره داخل الغرف المغلقة. كان العالم يتغيّر ويُعيد تعريف الأشياء من حوله في الوقت الذي كان رومان ينكب على الأوراق ويحاول تنظيم الأمور من داخل غرفة بنافذة واحدة.

     

   

الحلول الفردية لا تجدي نفعًا

لا يجد رومان من يؤمن به أكثر من جورج بيرس (كولن فاريل بدور مُساعد و ذو بُعد واحد)، الرجل الذي كان معولًا في هدم مكتب المحاماة بعد اصابة مؤسسه بالجلطة. تُحاصر جوابات الرفض حياة رومان ليضطر بعدها بقبول عرض بيرس للعمل في شركته الواسعة ذات الفروع الأربعة. فجأة يجد رومان نفسه على احتكاك مباشر مع الجمهور/الموكلين. مُطالب بفهم مخاوفهم وشرح كل شيء لهم والذهاب لمتابعة قضاياهم في المحاكم والسجون. كل هذا يقف على النقيض تمامًا من موقفه الاعتزالي السابق.

   

هذا الانقلاب في حياة الرجل يوازيه انقلاب آخر في مبادئه. بعدما كان مثلًا يُحتذى به أمام الآخرين، على الأقل أمام المديرة الشابة للمركز التطوعي لحماية حقوق الإنسان ليتحوّل رومان من داخله شيئًا فشيء بعدما حصل على مبلغ مالي كبير يصل إلى مئة ألف دولار أمريكي. تكمن المشكلة هنا في أمر بسيط فقط وهو حصوله على هذا المال بطريقة غير قانونية!

   

يبدأ رومان بالاقتناع بأنّ النقاء "لا يمكنه الصمود في هذا العالم" ممسكًا بشوكة وسكينة وفي مطعم فاخر يقدم عيّنات من أطعمة غريبة كوجبات للعشاء كان رومان في مرحلة التنظير عن جمال الحياة "المليئة بالأمور الرائعة" كما يقول لصديقته الجديدة. هي ذاتها المرأة التي تتخذه كمصدر للإلهام في عالم مادي. "أنا أتكلّم عن عبء النضال" تُخبره وهي تمسح دموعها، ليرد عليها "تمامًا". كان كلاهما في مرحلة تصالح مع الذات، ولكنهما أبعد ما يكونان عن بعضهما البعض، أحدهما قرر خيانة الآخر من بوّابة المبادئ التي ذرتها الرياح وأخذتها عواصف التيه.

       

  

كان الشعر الطويل لرومان المحامي الموقر، والمُصفف على هيئة مجعدة طويل كما كانت الموضة في السبعينيات، وكأنه تحفة انتقلت زمنيًا لا تحمل فقط أفكارًا قديمة، بل ملابس ومظهر وتصفيفة شعر لا تقلّ قدمًا - كان أوّل العلامات التي تغيّرت في مظهره. فجأة قرر رومان أن يكون بعد اليوم غيره. أن يقص شعره كأي شخص طبيعي وأن يرتدي ملابس أكثر عصرية وأن ينتقل للسكن في شقة فارهة ومتطورة. تخلّص من أفكاره وبدأ بالتفكير بحياته المهنية من منظور أكثر ماديّة.

   

لم تكن علاقته مع مديره الجديد إلا شراكة بعيدة المدى من منظور الأخير. أراده مُطلعًا على كل شيء وحاضرًا في كل حدث. آمن به وقرر أن يكون له شأن في شركته، وكيف يرد رومان الجميل؟ بأن يُحرجه. يسرق رومان مكافئة قدرها مئة ألف دولار بعد أن يُسلّم أحد المتهمين للسلطات، والظريف في هذا الحدث، وغير القانوني في الآن ذاته أنه هو المُحامي الذي يترافع عنه.

   

بعد أن يواجهه موكله هذا بأنه يعرف حقيقة تسليم رومان لمعلومات تختص بمكان تواجده للسلطات يقرر رومان فجأة التوبة عن كل ما مضى ولكن بعد فوات الأوان. رصاصة كانت كفيلة بانهاء هذا الشريط من حياة رومان ولكن نهاية الفيلم توحي باستمرار القتال من أجل قانون أفضل ونظام قضائي أكثر فاعلية عندما يحمل مديره شنطته وقد تأثّر برومان؛ بطباعه واخلاقياته ورؤيته للحياة من جهة ثورية، و قرر أن يكمل مسيرته حتى بعد وفاته.

    

  

فارس بلا سيف

كانت معركة رومان إسرائيل بادية منذ الثواني الأولى التي يبدأ فيها الفيلم، حين يعلو صوته وهو يتلو بيانًا يقوم بطباعته على حاسبه الشخصي قبل أن تنفح عين الكاميرا على شاشة الحاسب. "رومان إسرائيل يترافع ضد نفسه، ليس لكسره قوانين ولاية كاليفورنيا فحسب بل لكسره قوانين الإنسانية جمعاء" ثم يعود بنا الزمن لفترة تسبق تلك اللحظة بثلاثة أسابيع، تحديدًا في اللحظة التي تبدأ فيها حياة رومان بالانزلاق نحو الهاوية.

  

في موقف لاحق يتعرض للشتم والإهانة عندما يتم دعوته لإلقاء خطبة حماسية عن تاريخه النضالي أمام مجموعة من النشطاء الشباب. يلاحظ رومان وقوف فتاتين بسبب عدم وجود مقاعد، فيطلب من "الإخوة" إتاحة المجال لجلوس "الأخوات" بداعي الاحترام والأدب، ولكن كل ما يحصل وقتها أن الفتاتان تبدءان بشتمه ويبدأ الجميع بالسخرية منه "لو أردنا الجلوس لطلبنا ذلك بأنفسنا ثمّ أننا لسنا أخواتك."

 

يُصدم رومان ساعتها بعدّاد السنين الذي فاته والذي ضيّع معه كمّ التغييرات التي حصلت في مجال الحرّيات. كان رومان جي إسرائيل، الموقّر، رجل غير مثالي على الإطلاق وغير متوقّع وأحيانًا غريب الأطوار ولكنه "مُشبع بالضمير السياسي وهو أمر نادر الحدوث على الشاشة"(3) وقدّ أوفاه دنزل واشنطن حقّه كاملًا في واحد من أفضل أدواره في السنوات الأخيرة.

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار