اغلاق
آخر تحديث: 2018/4/1 الساعة 18:35 (مكة المكرمة) الموافق 1439/7/16 هـ

انضم إلينا
شريف رزق الله.. حوار مع أهم نقاد السينما بمصر

شريف رزق الله.. حوار مع أهم نقاد السينما بمصر

رشا حسني

محررة فنية
  • ض
  • ض
  

يوسف شريف رزق الله هو بلا شك أحد عرَّابي مجال النقد السينمائي ورائد البرامج التلفزيونية ذات المحتوى السينمائي، فهو أحد أبرز المشاركين في تجربة "نادي سينما القاهرة" الذي كان له الفضل في تثقيف أجيال عديدة سينمائيا، وهو الذي أعد وشارك في تقديم أهم البرامج السينمائية على شاشة التلفزيون المصري مثل برامج "نادي السينما" و"أوسكار" و"ستار" وغيرها من البرامج التي شكلت وجدان أجيال أيضا، ولا أقصد الأجيال التي عاصرته فقط، بل والأجيال التي خلفت جيله بسنوات وسنوات.

 

مثّل رزق الله لقطاعات عديدة من الشعب المصرية النافذة التي نظروا من خلالها إلى سينما العالم سواء عن طريق الأفلام المتميزة التي كان يحرص أن يعرضها على شاشة التلفزيون المصري أو من خلال متابعاته وتغطياته الصحفية والتلفزيونية للسينما العالمية في أهم وأكبر المهرجانات السينمائية العالمية مثل مهرجانات "كان" و"برلين" و"كارلوفي فاري" و"موسكو" و"سان سباستيان".

       

    

عشق رزق الله للسينما وولعه هو كلمة السر في مسيرته المهنية، فهذا الولع هو ما كان يجعله يبحث ويجمع المعلومات عن الأفلام من كل حدب وصوب في زمن لم تكن فيه وسائل سهلة للبحث، فلم يكن إنترنت ولا محرك البحث جوجل ولا يوتيوب، وهذا الشغف أيضا هو ما جعله يبحث عن حلول عملية لتسهيل مهمته كمراسل تلفزيوني لتغطية مهرجان كان، فعقد اتفاقا مع أحد الشركات الفرنسية المسؤولة عن توفير الطواقم الفنية من مصورين ومخرجين وخلافه لتوفير طاقم فني يرافقه في التغطية، وبذلك وفر نفقات سفر وإقامة وتأشيرات الطاقم المصري وقام بعمله على نحو احترافي ومتميز.

 

كان وما زال هدف رزق الله وغايته الأساسية من العمل في المجال السينمائي هو تثقيف الناس سينمائيا، ويسعد سعادة بالغة حينما يشعر بأنه قد صنع تأثيرا ما على هذا الصعيد، لكل هذه الأسباب ولغيرها كان لنا هذا الحوار مع الأستاذ يوسف شريف رزق الله.

بدايتي مع السينما كانت في وسط البلد وغمرة وشارع الجيش 
  
في البداية نريد أن نتعرف على الشخصيات والعوامل التي أثرت في الأستاذ الذي أثر في أجيال كاملة وجعلها تتعلق وتعشق فن السينما؟
 كنت كأي طفل أو صبي في سن العاشرة، أذهب إلى السينما برفقة والدي ووالدتي، ثم بدأت في سن الرابعة أو الخامسة عشرة أعي أن خلف هذه السينما والأفلام صناعا منهم المخرج، فبدأت أتنبه إلى أسماء المخرجين، وبدأت البحث عن كل مخرج وأفلامه، وساعدني في ذلك أنه في هذه الفترة كانت تصدر في مصر مجلة "Radio Monde" كانت مختصة بالفنون مثل السينما والمسرح كما كانت تنشر برامج الإذاعة، وكان الناقد سمير نصري يكتب في هذه المجلة عن السينما والأفلام باللغة الفرنسية. كما كانت المجلة تنظم مسابقة أسبوعية عن السينما، وأذكر أنني فزت في إحدى المرات وكانت الجائزة زيارة إلى استوديو أثناء تصوير فيلم وكان فيلم "أنا حرة" للمخرج صلاح أبو سيف.

     

      

ومن خلال سمير نصري الذي أصبح صديقي فيما بعد بدأت التعرف على أهم الأفلام التي ستطرح في دور العرض خاصة وأن تلك الفترة -في نهاية الخمسينيات- كانت تستقبل مصر أفلاما من جنسيات أوروبية عديدة: الإيطالية، والفرنسية، واليونانية، إلى جانب أن تلك الفترة كانت تتسم بوجود عدد كبير من دور العرض الصيفية، فعلى سبيل المثال في شارع الألفي كان هناك دارا عرض "سان جايمس" و"ركس"، وسينما "الكورسال" في شارع عماد الدين وسينما "متروبول" التي تحولت إلى مسرح فيما بعد، بالإضافة إلى دور العرض بشبرا ومصر الجديدة، وكانت كل دار عرض تعرض فيلمين في نفس البرنامج، وكل دار عرض مختصة بعرض أفلام شركة بعينها، كأن تتخصص دار في عرض أفلام شركة "Warner Bros"، في حين تعرض دار عرض أخرى أفلام شركة "Metro-Goldwyn-Mayer"، وكان الفيلم يبدأ في السادسة والنصف ثم استراحة ثم يُعرض الفيلم الثاني، ثم يُعاد عرض الفيلم الأول مرة أخرى.

   

 وفي سن السادسة أو السابعة عشرة، عندما كنت أخرج برفقة والدي ووالدتي لزيارة الأقارب أو الأصدقاء، كنت أتركهم وأذهب أنا إلى السينما لمشاهدة الأفلام، وفي هذه الفترة إلى جانب دور العرض الصيفية، كانت هناك دور عرض الدرجة الثانية، شارع عماد الدين مثلا كان به أربع دور عرض، والتي كان يميزها من وجهة نظري أن أسعارها تناسب قدرتي المالية في تلك الفترة، وتمكنت من خلال ترددي على دور العرض هذه من مشاهدة مجموعة كبيرة جدا من الأفلام، حتى إنني شاهدت بعض الأفلام عشر مرات من شدة إعجابي وتعلقي بها، وكنت أطاردها في أي مكان تعرض فيه سواء في منطقة وسط البلد أو في مصر الجديدة أو الزيتون، مثل فيلم "Vertigo" للمخرج Alfred Hitchcock وفيلم "Rio Bravo" للمخرج Howard Hawks والذي كان ينتمي إلى نوعية أفلام "Western" أو الغرب الأميركي، وأتذكر أن موضوعه كان عن قيمة الصداقة بين الرجال.

       

وما الذي كان يجعلك تتعلق بفيلم ما وترغب في مشاهدته أكثر من مرة؟
أكثر ما كان يجذبني للفيلم هو حبكته ثم الأداء التمثيلي وأسلوب المخرج، خاصة بعد اهتمامي بالمخرجين ومتابعتهم من خلال اشتراكي في بعض المجلات السينمائية المتخصصة التي كانت تصدر بالخارج باللغتين الفرنسية والإنجليزية.

   

 وعلى الرغم من مولدي في حي غمرة فإنني كنت كثير التردد على مصر الجديدة حيث يسكن معظم أقاربي لوالدي ووالدتي، ولذلك كنت دائم التردد على دور العرض الصيفية في مصر الجديدة والتي كانت تتميز بتغيير برنامج العروض مرتين في الأسبوع، مرة يوم الأحد ومرة يوم الخميس، ولهذا كنت أتمكن من مشاهدة الفيلم أكثر من مرة من خلال العرض الثاني والثالث، وفي منطقة غمرة أيضا كان هناك الكثير من دور عرض الدرجة الثانية ودور العرض الصيفية، وشارع الجيش أيضا كان به أكثر من دار عرض منها هوليوود ومصر، وكان فضولي يدفعني أحيانا إلى الذهاب إلى دور العرض لمعرفة برنامج عروض الأسبوع المُقبل كي أعد برنامجي الخاص وأحدد الأفلام التي سوف أشاهدها.

      

  

لماذا لم تدرس السينما؟

 في تلك الفترة عام 1958 كنت أستعد لأداء اختبارات الثانوية العامة التي انتهت عام 1961، ونظرا لتشبعي الشديد بالسينما وتعلقي بها فكرت في الالتحاق بمعهد السينما، وبالفعل وضعت معهد السينما على رأس اختياراتي باستمارة الرغبات، ولكن وبعد ظهور نتيجة الثانوية العامة فوجئت بتفوقي وحصولي على مجموع كبير صنفني الخامس على الجمهورية، وأتذكر اليوم الذي قرأت فيه اسمي ثلاثيا في الصفحة الأولى لصحيفة "المساء" عندما نُشرت أسماء العشرة الأوائل على الجمهورية.

 

 وضعني تفوقي ومجموعي الكبير في مأزق، خاصة مع عدم تخرج دفعة أولى من معهد السينما، وعدم معرفة ما إذا كانت الدولة ستعترف بخريجي المعهد وتوفر لهم فرصا للعمل كما تفعل القوى العاملة مع خريجي باقي الجامعات والكليات، فاضطررت إلى الالتحاق بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية التي كانت حديثة بعض الشيء، وبالفعل تخرجت منها وجاء تعييني في هيئة الاستعلامات التابعة لوزارة الإرشاد القومي عام 1967. في هذه الفترة، ونظرا لاختلاف الخلفيات الدراسية للمُعينين، نظّم معهد الإرشاد القومي دورة تأهيلية لهم وذلك لتعريفهم ببعض المواد الخاصة بمجال السياسة مثل القانون الدولي وغيرها من المواد التي كنت درستها سابقا في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وهو الأمر الذي أهّلني للتفوق مرة أخرى.

 

وكيف تغير مسارك وعملت في التلفزيون؟

 حتى هذا الوقت لم أكن قد تسلمت مهام عملي في هيئة الاستعلامات، وكنت لا أرغب في العمل بها خاصة وأن في تلك الفترة -بعد 1967- كانوا يقومون بإرسال قوافل إلى المحافظات، وأنا لم أكن أرغب في البعد عن القاهرة حيث السينما والأفلام وترددي المستمر على دور العرض، ومن حُسن حظي أنه كانت هناك زميلة جاء تعيينها في التلفزيون وكانت تفضل العمل في هيئة الاستعلامات فقمنا بعمل تبادل للأماكن، وفي التلفزيون بدأت عملي في قطاع الأخبار.

      

      

قبل الحديث عن مرحلة عملك بالتلفزيون والتي امتدت لعقود، نعود للحديث عن الكتابة فقد مارست معظم، إن لم يكن كل، أشكال الكتابة عن السينما والأفلام بداية من المقال النقدي والدراسة النقدية ثم المراجعات والرسائل الصحفية لتغطية المهرجانات، فما أقرب تلك الأشكال المتنوعة إليك للكتابة عن السينما والأفلام؟
     

 بدأت الكتابة بعد حضوري مهرجان "برلين" السينمائي الدولي لأول مرة عام 1969، وكان أول مهرجان سافرت لتغطيته، وهناك قمت بإجراء حوارات مع مخرجين كبار منهم المخرج الهندي الكبير Satyajit Ray والمخرج الأميركي Brian De Palma، وبعد انتهاء مهرجان برلين ذهبت إلى باريس، ومن خلال هيئة فرنسية تقوم بالترويج للأفلام الفرنسية طلبت إجراء حوارات مع بعض المخرجين، وبالفعل قمت بإجراء حوارات مع المخرج Jean-Pierre Melville والمخرج François Truffaut، ونُشرت هذه الحوارات على صفحات مجلة السينما التي كان يرأس تحريرها الكاتب سعد الدين وهبة وكنت أحد أعضاء هيئة تحريرها، بالإضافة إلى كتابتي عن أهم الأفلام التي شاهدتها في المهرجان، وكانت هذه بداية علاقتي بالمهرجانات وتغطيتي لها. ثم جاءت مرحلة "نادي سينما القاهرة" الذي أتاح فرصة الكتابة عن الأفلام لعدد كبير من النقاد في تلك الفترة، وذلك من خلال أشكال متنوعة من الكتابة النقدية بداية بتحليل الفيلم وحتى الدراسة النقدية، إلى جانب ترجمة حوارات مع مخرجين وكتاب سيناريو للأفلام التي يقوم النادي بعرضها.

 

 ولكني أفضّل كثيرا إجراء الحوارات، وهي عندي في المقام الأول، يليها تحليل الأفلام ثم الكتابة الصحفية الخاصة بتغطية مهرجانات مثل كان أو برلين أو كارلوفي فاري، وفي هذه الفترة كنت قد بدأت الكتابة في مجلة "صباح الخير" وأصبح لي بابا ثابتا عن السينما العالمية.

 

أنا والتلفزيون
عملت لسنوات طويلة في التلفزيون المصري وعاصرت قيادات كثيرة فيه، في البداية نود أن نعرف كيف بدأ مشوارك مع إعداد وتقديم البرامج السينمائية في التلفزيون المصري؟ وما الذي كان يميز التلفزيون قديما جعله يُنتج هذه البرامج خاصة مع عدم وجود برامج ذات محتوى سينمائي حاليا سواء على شاشات التلفزيون المصري أو من خلال القنوات الفضائية الخاصة؟ وما تفسيرك لهذا الغياب، حتى إن القنوات الخاصة على انتشارها وكثرتها لا تحتوي على برنامج سينمائي خاصة فيما يخص السينما العالمية؟
   

في هذه الفترة -بداية السبعينيات- كان هناك برنامج "السينما والحرب" كان يقوم بتقديمه المذيع الراحل "أحمد سمير"، وكان هدفه التعبئة للحرب، وكان يعرض أفلاما حربية، وبعد انتهاء الحرب وانتصارنا في حرب أكتوبر توقف البرنامج، وكان قد عُرف عني في التلفزيون اهتمامي بالسينما وعضويتي بجمعية الفيلم ونادي سينما القاهرة، ففكر مسؤولو التلفزيون في ذلك الوقت في أن أقوم بإعداد برنامج سينمائي، وبالفعل جاءت فكرة برنامج نادي السينما حيث يقوم البرنامج بعرض فيلم سينمائي ويقوم ضيف البرنامج بالتعليق ومناقشة الفيلم، ثم تم الاستقرار على اسم المذيعة "درية شرف الدين" لتقوم بتقديم البرنامج، وبالفعل انطلق البرنامج عام 1975.

        

   

 قبل انطلاق البرنامج ومن خلال عضويتي في لجنة المسلسلات والأفلام الأجنبية في التلفزيون التي كانت تضم أيضا رئيسة القناة الثانية وبعض المسؤولين في التلفزيون، قمت بتحضير قائمة بالأفلام التي أريد أن أعرضها في البرنامج، وقمت بالتواصل مع وكلاء شركات الإنتاج المختلفة في مصر للحصول على نسخ الأفلام الخاصة بالعرض التلفزيوني، وبالفعل جمعت مجموعة جيدة من الأفلام وأصبح البرنامج جاهزا للعرض، وكان البرنامج يستضيف الضيف على حسب الفيلم المعروض، فإذا كان الفيلم استعراضيا مثلا نقوم باستضافة مؤسس فرقة رضا الراقص "علي رضا" أو الفنانة "فريدة فهمي"، وإذا كان الفيلم مقتبسا عن مسرحية نقوم باستضافة كاتب مسرحي، وهكذا. حقق البرنامج نجاحا كبيرا، وفي عام 1980 طُلب مني إعداد برنامج "أوسكار" لعرض الأفلام التي تحصل على      جوائز وقامت بتقديمه المذيعة "سناء منصور"، وهذه كانت بداية البرامج التلفزيونية في التلفزيون.

    

أما عن عدم وجود مثل هذه البرامج الآن، فأنا أعتقد -وليس غرورا أبدا- أنه كان من حُسن حظ التلفزيون المصري في تلك الفترة أنني كنت أعمل فيه، فمعظم أجهزة التلفزيون كانت تتعاقد مع صحفيين أو نقاد من الخارج لتقديم محتوى سينمائي مُشابه ولكني كنت موجودا وكنت مؤهلا لإعداد وتقديم مثل هذه النوعية من البرامج دون اللجوء إلى أحد من الخارج، ولا أعرف إذا لم أكن موجودا في التلفزيون في هذا الوقت، هل كانت الفكرة ستطرأ على أذهان المسؤولين في التلفزيون أم لا؟ أم إنهم فكروا في هذه الفكرة نتيجة لوجودي؟، ولكني أعتقد أن وجودي كان أحد أسباب إقدام قيادات التلفزيون في هذه الفترة على التفكير في تقديم برامج ذات محتوى سينمائي.

   

إلى جانب أنني في تلك الفترة قد وجدت تشجيعا كبيرا من قيادات التلفزيون، على سبيل المثال السيدة "همت مصطفى" رئيسة التلفزيون والإعلامية "تُماضر توفيق" والسيدة "سامية صادق"، وكانت معظم القيادات تتمتع بخلفية ثقافية واسعة وفهم حقيقي وواعٍ لدور وتأثير الثقافة على المجتمع، وهو ما أعتقد أنه غير موجود الآن، هذا إلى جانب أن ميزانية التلفزيون حاليا لا تُمكّنه من الحصول على حقوق عرض الأفلام الأجنبية، ولهذا يصعُب تقديم برنامج يعتمد على عرض الأفلام مثل برنامج نادي السينما.

     

ولكن هذا فيما يخص التلفزيون المصري ومحدودية إمكانياته، فماذا عن القنوات الفضائية الكثيرة ذات الميزانيات الإنتاجية المرتفعة والإمكانيات التقنية التي تصلح لتقديم برامج ذات محتوى سينمائي ثقافي؟

حقيقة لا أعرف السبب الحقيقي، فأنا نفسي أتساءل عن أسباب هذا الغياب، هل لأن لا أحد من الرؤساء أو المسؤولين عن هذه القنوات يحب السينما، وتعجبت كثيرا حينما قرأت مؤخرا أن مجموعة قنوات "dmc" ستُطلق قناة خاصة بالمسرح، فلماذا لم تعطِ الأولوية للسينما؟ أو على أقل تقدير أن تكون هناك قناة خاصة بالسينما وقناة للمسرح، خاصة وأن قناة المسرح ستعرض مسرحيات أغلبها كوميدية تم عرضها عشرات بل ومئات المرات، والأمر لا يتعلق بغياب عرض البرامج الخاصة بالسينما العالمية ولكن أيضا بغياب البرامج التي تخص السينما المصرية، أذكر أنه في السنة نفسها التي انطلق فيها برنامج "أوسكار" طُلب مني أن أقوم بإعداد وتقديم برنامج عن السينما المصرية وتاريخها وروادها، وبالفعل قمت بتقديم برنامج "نجوم وأفلام" وحاولت أن ألتقي من خلاله برواد السينما المصرية من مخرجين وكتاب سيناريو ومديرين تصوير ومنتجين، وأذكر أن بعض الشخصيات امتد الحوار معها لأكثر من حلقة، فوصل عدد حلقات المخرج يوسف شاهين إلى ثلاث حلقات، كذلك المخرج صلاح أبو سيف، كما أذكر أننا ذهبنا لتصوير جزء من حلقة مدير التصوير عبد العزيز فهمي في معهد السينما، إلى أن فوجئت بتوقف البرنامج بعد عام واحد بحجة استنفاد البرنامج لغرضه على الرغم من وجود العديد من الشخصيات الرائدة والفنانين المتميزين الذين كنا نود أن نستضيفهم من خلال البرنامج.

       

  

 بالطبع هناك قنوات كثيرة لعرض الأفلام ولكني ما زلت أتصور أن أحد أهداف عرض الأفلام هي مناقشتها وتحليلها، وأن يتم هذا العرض وفق منطق، كتخصيص أسبوع لعرض أفلام مخرج أو كاتب سيناريو معين والوقوف على أهم ملامح تميز هذا الكاتب أو المخرج.

   

من بين كل البرامج التلفزيونية التي قمت بإعدادها أو تقديمها، ما أقرب هذه البرامج إليك؟ ولماذا؟

 طبعا "نادي السينما" باعتباره أول برنامج قمت بإعداده، وأيضا لأنه تمتع بشعبية كبيرة جدا وكان الناس ينتظرونه أسبوعيا، وكنت أتلقى ردود فعل مباشرة من الجمهور والمتابعين، خاصة بعد أن أصبح وجهي معروفا للناس من خلال تقديمي لعدد من البرامج ورسائل المهرجانات، فكنت عندما أقابل الناس في الشارع أسمع منهم آراءهم حول حلقة الأسبوع بالسلب أو بالإيجاب، كما كان يطلب البعض منهم أفلاما من نوعية معينة مثل أفلام الحركة أو أفلام "Cowboy".

  

 ثم يأتي برنامج "نجوم وأفلام" الذي كنت أعتبر نفسي من خلاله أساهم في تكوين أرشيف للتلفزيون المصري، كما أنه غيّر الفكرة التي كانت تكونت عني من أني أهتم بالسينما العالمية فقط، ولم يكن أحد يتخيل أنني من الممكن أن أعد وأقدم برنامجا عن السينما المصرية وتاريخها وتاريخ نجومها، كما شاركني في تقديم بعض فقرات هذا البرنامج صديقي الناقد الراحل سامي السلاموني.

  

ثم برنامج "Star" الذي كنت أقوم بإعداده بالتعاون مع المركز الثقافي الأميركي بالقاهرة، وكنا نستضيف من خلاله نجوما ومخرجين أجانب يحاورهم عدد من الفنانين المصريين، وكان هذا هو عامل تميز البرنامج، حيث يرى المشاهد المصري نجومه يقومون بمحاورة نجوم عالميين فيشعر بشيء من الزهو والفخر، وفي هذا الوقت لم يكن هناك قمر صناعي، فكنا نقوم بتسجيل الحلقة والأسئلة في المركز الثقافي الأميركي عن طريق الاتصال التليفوني، ثم ننتظر الشريط الذي يحمل أجوبة النجم الأجنبي ونقوم هنا بعمل المونتاج والترجمة، نعرض فيلما لضيف البرنامج بعد عرض الحوار، وبطبيعة الحال لم يكن البرنامج منتظما، حيث يرتبط تسجيل الحلقة بموافقة الضيف الذي أطلب إجراء حوار معه، ولم أكن أتعجب من رفض بعض الفنانين، كما كنت أعجب من موافقة بعض النجوم مثل Meryl Streep وJulia Roberts وJack Lemmon وKirk Douglas.

    

في الفترة التي تزامنت مع بداية عملك في التلفزيون كان هناك بعض التوترات السياسية، إلى جانب أن التلفزيون كمؤسسة حكومية كان يتسم بالبيروقراطية، فكيف كنت تتغلب على هذه المعوقات وعلى غيرها مثل الرقابة على سبيل المثال؟

 معركتي الأساسية كانت مع الرقابة، فكنت أدافع عن الأفلام التي أجدها مهمة، وفي الوقت نفسه لم أكن أقتنع بأسباب الرقابة في رفض عرض تلك الأفلام، وأجدها أسبابا غير مقنعة بالمرة، فأذكر أنني دافعت عن فيلم "Z" للمخرج Costa Gavras وفيلم "Missing" للمخرج نفسه، كما دافعت عن فيلم "Born on the Fourth of July" للمخرج Oliver Stone، ودخلت في نقاشات عديدة مع مديرة الرقابة في ذلك الوقت ونائب رئيس التلفزيون، ولكن كانت هناك أمور لم أكن أستطيع مناقشتها مع الرقابة، وهي الأمور المتعلقة بمشاهد الجنس على سبيل المثال، فكانت الرقابة تقوم بقص هذه المشاهد أو أجزاء منها، ولكني كنت أهتم وأتصدى للأفلام التي كان يتم رفضها لأسباب سياسية أو لأسباب أمنية، وانتصرت في معاركي مع الرقابة فيما يخص الأفلام السابق ذكرها وعُرضت جميعها على شاشة التلفزيون.

   

كيف كنت تشعر عند استبعادك من إعداد أو تقديم أحد البرامج التي ابتكرتها أو عند وقف أحد هذه البرامج خاصة وأنها كانت برامج متنوعة ولا تشبه بعضها؟ وكيف كنت تقرر المواصلة على ابتكار برامج أخرى جديدة ومواصلة العمل؟

أعتقد أن الآن هناك فرصا أكثر بكثير من الفرص التي كانت متاحة لجيلنا لأنه -باستثناء فترة نشرات نادي سينما القاهرة- لم تكن هناك مساحات كافية لنشر النقد السينمائي، على عكس الوضع الآن

 حدث فعلا أن تم إيقاف برنامج "تلي سينما"، البرنامج الذي قدمته بناء على طلب السيدة "شيرويت شافعي" كنوع من التعويض لي عن إيقاف برنامج "نجوم وأفلام"، وكنت أقدم البرنامج كل يوم جمعة وأعرض من خلاله الأفلام الأجنبية التي سيتم عرضها على مدار الأسبوع، واستمر البرنامج في الوقت نفسه الذي كنت أعمل فيه في برامج "نادي السينما" و"أوسكار" و"ستار"، وفي أوائل التسعينيات فوجئت وأنا خارج مصر لتغطية مهرجان كان بأن رئيسة التلفزيون في ذلك الوقت السيدة "سهير الأتربي" قد أصدرت قرارا بوقف البرنامج بحجة أنني أعمل في أكثر من برنامج وأنه يجب إتاحة الفرصة لمعدين آخرين، فتوقف البرنامج وتم تسميته باسم "أيام وليالي"، وأصبح يختص بعرض الأفلام العربية والأجنبية التي ستُعرض خلال الأسبوع وليس الأفلام الأجنبية فقط، وبعد أن تولى الأستاذ "عبد السلام النادي" رئاسة التلفزيون خلفا للأتربي تقدمت بفكرة برنامج جديد هو "سينما في سينما" وبالفعل تمت الموافقة عليه وبدأت في تقديمه.

   

النقد السينمائي الآن

كيف ترى وضع النقد السينمائي حاليا خاصة بعد عصر السماوات المفتوحة وسهولة مشاهدة والحصول على الأفلام؟ ولماذا لم يعد النقد السينمائي مؤثرا مثلما كان في جيلكم؟
   

أعتقد أن الآن هناك فرصا أكثر بكثير من الفرص التي كانت متاحة لجيلنا لأنه -باستثناء فترة نشرات نادي سينما القاهرة- لم تكن هناك مساحات كافية لنشر النقد السينمائي، على عكس الوضع الآن خاصة مع انتشار المواقع الإلكترونية والمدونات التي سمحت بظهور جيل جديد من النقاد أتابع منهم على سبيل المثال "نرمين يُسر" في جريدة المقال و"أندرو محسن" و"أمل ممدوح" الذين دعوتهم للاشتراك في لجنة مشاهدة أفلام مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، وهناك بعض الإصدارات التي تحاول أن تلعب دورا على صعيد توفير مساحات للنقد السينمائي مثل مجلة "فرجة"، وكانت هناك تجربة مهمة جدا في هذا السياق وهي تجربة مجلة "الفن السابع" للفنان محمود حميدة التي لم تستمر للأسف الشديد، ولكني أتمنى أن تهتم الصحف المستقلة مثل "الشروق" و"الوطن" بتخصيص مساحات أكبر على صفحاتها للسينما وللكتابات النقدية، حيث أجدهم يميلون أكثر إلى الحوارات والأخبار ولكني أتمنى أن يتيحوا فرصا أكبر لشباب النقاد.

    

 وإن كنت أعزو تراجع تأثير الكتابات النقدية على جمهور السينما بشكل عام، لتراجع إقبال جمهور ومحبي السينما عن القراءة ومتابعة جديد السينما بشكل عام، فلا أعلم تحديدا هل ما زال هناك من لا يزال مهتما بشراء جريدة الجمهورية كل يوم أربعاء على سبيل المثال لقراءة الصفحة الخاصة بالسينما؟، ولكني أرى طاقات متميزة من الكتاب يحتاجون من وجهة نظري مزيدا من الفرص.

    

تعتقد أن جيلك من النقاد كان يهتم أكثر بالكتابات النقدية المنهجية خاصة مع وجود نشرات نادي السينما المتخصصة والتي كانت تفرد مساحات للكتابة عن الأفلام بدءا من تفريغ الفيلم لقطة لقطة وصولا إلى المقال النقدي والدراسة النقدية أم أن معظم هذه الكتابات كانت انطباعية تدور في حيز الاجتهادات الشخصية؟

أظن أن نوعي الكتابة سواء الكتابة المنهجية أو الكتابة الانطباعية كانا موجودين، وأعتقد أن هذا التنوع كان يصب في مصلحة القارئ، فهناك من كان لديهم منهج في الكتابة مثل "صبحي شفيق" و"سمير فريد" و"كمال رمزي" و"علي أبو شادي"، فكل منهم كان له منهج وكان له أسلوب في الكتابة عن الأفلام وتحليلها، ولهذا فأنا حزين جدا لتوقف أسماء مثل "كمال رمزي" و"علي أبو شادي" عن الكتابة، وهو ما أعتبره خسارة كبيرة للنقد السينمائي خاصة وأنهم ما زال لديهم ما يقدمونه للقراء.

    

أنا وسينما العالم والمهرجانات

ننتقل إلى المهرجانات، من وجهة نظرك ما الذي يمكن أن يضيفه حضور مهرجانات دولية وربما المشاركة في أحد لجان تحكيمها للناقد السينمائي؟

أول مزية لحضور أي مهرجان دولي هي إتاحة الفرصة لمشاهدة أفلام من جنسيات مختلفة على مستوى العالم لن تكون هناك فرصة لمشاهدتها في مصر إلا من خلال مهرجان سينمائي كأن يعرضها مهرجان القاهرة مثلا، وعلى مدار أكثر من أربعين عاما أتيحت لي فرصة مشاهدة أفلام لم أكن لأشاهدها إلا عن طريق حضور المهرجانات السينمائية المختلفة، وبالرغم من تعدد وسائل الحصول على الأفلام الآن فإنني ما زلت أعتقد أن مشاهدة الفيلم في قاعة السينما على شاشة عملاقة مع الجمهور والتأثر بالفيلم بشكل جماعي سواء بالضحك أو بالبكاء له متعة أكبر.

  

 شاركت في عدة لجان تحكيم ببعض المهرجانات، وأعتبرها فرصة جيدة لمناقشة الأفلام مع نقاد آخرين من خلفيات ثقافية مختلفة، وأعتبر أن المهرجانات مفيدة بشكل كبير سواء على صعيد المحترفين مثل النقاد والصحفيين ومراسلي التلفزيونات، أو على صعيد الجمهور حيث تتيح الفرصة للتعرف على أحدث إنتاجات السينما العالمية.

     

   

على ذكر المهرجانات.. ما الذي يميز مهرجانا كبيرا وعريقا مثل مهرجان برلين عن مهرجان آخر في نفس حجمه مثل مهرجان كان أو مهرجان فينيسيا؟ وأي من هذه المهرجانات لا تزال حريصا على حضورها ومتابعتها؟

أولا يتميز مهرجان برلين عن مهرجاني كان وفينيسيا أن الجمهور العادي يتمكن من حضور فعاليات المهرجان ومشاهدة أفلامه، أي إنه غير مقصور على المختصين والمحترفين فقط مثل كان وفينيسيا. حضرت مهرجان فينيسيا مرة واحدة، وبرلين كنت أحضره بانتظام وقت أن كان يُعقد صيفا في شهر يوليو/تموز، ولكن منذ انعقاده في الشتاء في شهر فبراير/شباط أصبحت تجربة حضوره تجربة صعبة للغاية، أما مهرجاني المفضل هو مهرجان كان، نظرا لعرض الأفلام في أماكن قريبة من بعضها، فلا توجد معاناة في التنقل ومشاهدة الأفلام، كما إني أحب جدا مهرجان "كارلوفي فاري" لأن ميعاده محدد ومناسب بالنسبة لي، ولأنه يتميز بمزية غير موجودة في مهرجانات كان وبرلين على سبيل المثال، وهو إتاحة مشاهدة الأفلام من خلال المكتبة الفيلمية، والتي أتمكن من خلالها من مشاهدة الأفلام التي لم يتح لي فرصة مشاهدتها في السينما، وهي متاحة طوال أيام المهرجان من التاسعة صباحا وحتى التاسعة مساء.

    

لاحظت في عدد من تغطياتك الصحفية لمهرجانَي برلين وكان تحديدا التركيز على وضع السينما الإسرائيلية وأفلامها المعروضة في المهرجان منها ما نشر في العدد 11 من مجلة السينما أكتوبر/تشرين الأول 1969، هل دافع هذا الاهتمام كان من منطلق الظروف السياسية التي تعيشها مصر في تلك الفترة أم بدافع شخصي من داخلك ربما شعورك بأنه أحد أدوارك كناقد التنبيه إلى حضور إسرائيل في تلك المحافل ورصد لغياب مصر عنها على الجانب الآخر؟

كما ذكرتِ، كان هذا التنبيه هو هدفي الأساسي، خاصة وأني كنت أشعر بالغيرة الشديدة لوجود السينما الإسرائيلية والترويج لها داخل سوق المهرجان في ظل غياب السينما المصرية، وكان من الممكن أن توجد السينما الإسرائيلية من خلال مسابقة في أحد المهرجانات لاعتبارات غير فنية كرغبة هذا المهرجان في دعم السينما الإسرائيلية أو لدعم مخرج إسرائيلي معين وكان هذا وارد الحدوث، كما أن غياب الفيلم المصري كان في بعض الأحيان نتيجة عدم رغبة بعض المهرجانات في وجود فيلم مصري على الرغم من مشاركة بعض الأفلام في بعض المهرجانات في تلك الفترة، ولكن كانت نسبة المشاركة ضعيفة جدا، وما زال الوضع لا يختلف كثيرا عما سبق، ولولا وجود شركة مثل "MAD Solutions" واهتمامها ودعمها للأفلام العربية لغاب الفيلم المصري والعربي عن كثير من المحافل الدولية.

    

بمناسبة تفضيلك لإجراء الحوارات، ما أكثر حوار استمتعت به أثناء إجرائك له من بين كل الحوارات التي قمت بإجرائها؟ وما الحوار الذي تعتبره نقلة في حياتك المهنية؟

 سؤال صعب جدا، ولكن أعتز جدا بأول حوار أجريته، خاصة وأنه كان مع مخرج كبير في حجم Satyajit Ray، وأعتبر هذا الحوار نقطة مهمة في مجال عملي، بالإضافة إلى حواري مع Jean-Pierre Melville، خاصة وأنني عرفت فيما بعد أنه قليل الحوارات ولا أعرف حتى الآن لماذا وافق على أن يجري حوارا معي، ومن أهم الحوارات التي أجريتها كان حواري مع المخرج Howard Hawks أثناء حضوري مهرجان "سان سباستيان" لأول مرة، وكان حوارا ممتعا جدا.

     

عن السينما المصرية

من وجهة نظرك، كيف لمصر البلد صاحبة المئة عام وأكثر من صناعة السينما أن تغيب بهذا الشكل عن المهرجانات العالمية في حين تحضر أفلام من بلدان حديثة نسبيا على صعيد صناعة السينما كل عام ومن خلال مهرجانات عالمية مهمة؟

السينما المصرية من السينمات القليلة غير المدعومة من الدولة، وأزعم أن هناك الكثير من السيناريوهات الجيدة والجاهزة للتنفيذ ولكنها تنتظر فقط فرصة إنتاج، وبالنظر إلى خريطة السينما العالمية الآن نجد أنه لا يكاد يوجد فيلم لا تشترك أكثر من جهة أو دولة في تمويله وإنتاجه، ولكن في مصر لا الدولة تخصص مبلغا يكفي لإنتاج الأفلام، ولا مسألة الدعم استمرت، فدعم وزارة الثقافة أسفر في السنة الأولى عن إنتاج فيلم "فتاة المصنع" لمحمد خان وفيلم "رسائل البحر" ثم تعثر الدعم، ودون دعم الدولة ومساعدتها سيظل الحال على ما هو عليه، ولا أقصد هنا أن تقوم الدولة نفسها بإنتاج الأفلام، ولكن هناك أشكال عديدة للدعم منها ما يحدث في فرنسا على سبيل المثال، فيتمثل دعم الدولة في تخصيص جزء من ثمن تذكرة دار العرض يذهب لدعم مركز السينما الوطنية الذي بدوره يضخ الأموال في إنتاج الأفلام، ولكن في مصر البحث عن مصادر للتمويل ودعم الأفلام قائم على مجهودات فردية وشخصية من صناع الأفلام أنفسهم، وأنا حزين جدا على معاناة كثير من المبدعين والموهوبين المصريين لانتظارهم لسنوات طويلة لإنجاز مشروعاتهم الفنية.

      

   
كيف ترى وضع السينما المستقلة في مصر في ظل عدم دعم الدولة لها ولصناعها على الرغم من أن الأفلام التي تنتمي إلى هذا التيار هي الأفلام الحاضرة فعلا لتمثيل السينما المصرية في المهرجانات والمحافل الدولية وهي التي تحصل على جوائز، وهل تعتقد أن السينما المستقلة في مصر يمكن أن نقارنها في يوم من الأيام بمثيلاتها في بلدان أخرى أثبتت وجودها فيها بالفعل أم أنها ستظل محاولات فردية؟

المشكلة في رأيي أن عدد دور العرض في مصر قليل جدا جدا جدا بالنسبة لعدد المواطنين، ومعظم أصحاب دور العرض يبحثون عن الأفلام التي تُدر عليهم أكبر هامش من الربح، وهو ما لا تحققه معظم الأفلام التجارية، ولذلك لا يتحمس أصحاب دور العرض لعرض تلك الأفلام أو الاكتفاء بعرضها لمدة أسبوع على أقصى تقدير، ولا أجد حلا لهذه المشكلة إلا إذا وفرت الدولة عددا ثابتا من دور العرض لعرض هذه النوعية من الأفلام وفقط، سواء أفلام مصرية أو عربية أو عالمية، مثل تجربة سينما "زاوية" التي أجدها مهمة وجيدة ولكنها ليست كافية، وبالرجوع للحديث عن النموذج الفرنسي فنجد أن دور عرض "الفن والتجربة" التي تعرض أفلاما مستقلة ولا تستقطب قاعدة جماهيرية كبيرة تتلقى دعما من الدولة يذهب جزء منه لدعم صاحب الفيلم، في حين يذهب الجزء الآخر لدعم صاحب دار العرض كي تشجعه على عرض مثل هذه النوعية من الأفلام.

 

من وجهة نظرك ومن بعد جماعة السينما الجديدة والواقعية الجديدة، لماذا توقفت صناعة السينما المصرية عن إفراز مثل هذه التيارات في الأجيال اللاحقة لهذه التيارات؟

أعتقد أن هناك الآن منتجين مثل محمد حفظي وبعض المنتجين القلائل ينحتون في الصخر كي يقدموا أفلاما مختلفة، ويحاولون الحصول على منح إنتاجية خارجية لدعم أفلامهم، لكني لا أرى هذا التعاون بين المخرجين وبعضهم البعض، حيث إني أعتقد أن تشكيل مثل هذا النوع من التيارات قائم بالأساس على المخرجين، ففي الفترة التي تكونت فيها جماعة السينما الجديدة، اتفق مجموعة من المخرجين على رغبتهم في صناعة سينما مغايرة للسينما السائدة، ثم قاموا بصناعة فيلمين أو ثلاثة أفلام حققوا من خلالها رؤيتهم للسينما التي أرادوا تقديمها، وأجد تجربة "محمد دياب" واشتراكه مع إخوته في كتابة بعض سيناريوهات أفلامه تجربة جيدة، كما أجد تجربة عمرو سلامة كمخرج أيضا تجربة مختلفة ولكنها تظل في آخر الأمر تجارب فردية، كما يرجع هذا أيضا إلى عدم وجود عدد أكبر من المنتجين المؤمنين بإنتاج مشروعات معينة وبفكر معين غالبا ما يكون عكس السائد، فأنا حزين جدا أن تضطر مخرجة موهوبة مثل "هالة خليل" إلى الانتظار كل هذه السنوات بين عمل وآخر للبحث عن منتج، وهي نموذج لكثيرين مثلها، فالمناخ بشكل عام لا يوفر فرصة جيدة للعمل والإبداع، هذا إلى جانب الموانع السياسية والرقابية التي تكبل المخرجين وتحدّ من مساحات إبداعهم.

    

في ظل معاصرتك لجزء كبير من تاريخ السينما منذ الستينيات وحتى اليوم، هل تعتقد أن الجهاز الرقابي الآن أصبح أكثر تشددا وتحفّظا من أي وقت مضى؟

نعم بالطبع، وذلك لأن المجتمع نفسه أصبح أكثر تشددا وتحفّظا، وأصبح يلفظ أشياء كثيرة في الأفلام، منها ما هو سياسي وما هو اجتماعي، والدليل على هذا القضايا التي تُرفع على الأفلام وصناعها، وآخرها القضية التي رُفعت على المخرج "عمرو سلامة" بسبب فيلمه "شيخ جاكسون" الذي أجازه جهاز الرقابة على المصنفات الفنية فتصدّت له الرقابة المجتمعية.

 

مهرجان القاهرة والجمعيات السينمائية

كيف بدأت علاقتك بمهرجان القاهرة السينمائي الدولي وكيف تطورت إلى أن أصبحت المدير الفني للمهرجان؟

علاقتي بالمهرجان بدأت مع انتقال رئاسته من الأستاذ "كمال الملاخ" إلى الأستاذ "سعد الدين وهبة"، وبعد أن دعتني الزميلة "ماري غضبان" لأعمل معها في المهرجان في منصب السكرتير الفني للمهرجان، وبعد أن حصل المهرجان على الصبغة الدولية تغير اسم المنصب من السكرتير الفني إلى المدير الفني، ومنذ ذلك الوقت وأنا في المنصب نفسه وأقوم بالدور نفسه.

 

كيف ترى تأثير الجمعيات السينمائية الآن مثل جمعية نقاد السينما المصريين وجمعية الفيلم، وهل استمرار وجودها مهم على الرغم من تأثيرها المحدود في مجال الثقافة السينمائية؟

 بالطبع وجودها مهم حتى وإن كان تأثيرها حاليا ليس كتأثيرها سابقا، فنادي سينما القاهرة كان له تأثير مهم وواسع جدا، حيث كان تجمعا أسبوعيا لمحبي وعشاق السينما، وكانت ظروف البلد بشكل عام تسمح وتشجع على الاشتراك في مراكز سينمائية وثقافية، وكانت الاشتراكات زهيدة، ثم تطور الأمر في جمعية الفيلم من مجرد عرض ومناقشة الأفلام مرة كل أسبوع إلى تنظيم مهرجان خاص بجمعية الفيلم يختص بالأفلام المصرية كل عام، وما زال مهرجانا ناجحا جدا حتى الآن تثق الناس في نزاهته وحياديته.

    

  

أما عن التأثير فأعتقد أن نوعية الأفلام التي كان يعرضها نادي سينما القاهرة لم تكن موجودة ومتاحة في أي مكان آخر في ذلك الوقت، على عكس الوضع الآن الذي أصبح الحصول على الأفلام فيه أمرا في منتهى السهولة، إلى جانب أن إيقاع الحياة اليومية أصبح مختلفا، فبات من الصعب على الفرد أن يتوجه هو وعائلته إلى وسط البلد، حيث مقر مركز الثقافة السينمائية الخاص بعروض جمعية نقاد السينما المصريين أو جمعية الفيلم، وسط الزحام والضجيج لمشاهدة فيلم من الممكن أن يشاهده في منزله على جهاز الكمبيوتر الخاص به أو على شبكة الإنترنت.

    

لماذا لم تتجه إلى كتابة السيناريو مثل عدد من نقاد جيلك ولم تهتم بالجزء الخاص بصناعة السينما وليس فقط النقد؟

في الحقيقة كانت لي تجربة واحدة دعاني لها صديقي الناقد الراحل الدكتور "رفيق الصبان" بعد تجربته مع المخرج "ممدوح شكري" من خلال فيلم "زائر الفجر"، وبالفعل قمنا بكتابة الفيلم ولكن انتهت التجربة بوفاة المخرج "ممدوح شكري" حيث لم يجد "الصبان" منتجا يتحمس لإنتاج الفيلم وانتهت التجربة بعدم إنتاج الفيلم، ولكني لم أركز في هذا الجانب من علاقتي بالسينما، وكنت أعتبر أنه إن كان لي دور في مجال السينما فإنه يتلخص في مساهمتي في تثقيف الناس سينمائيا من خلال الكتابة والبرامج التلفزيونية.

  

من وجهة نظرك، من هو المخرج المصري الذي لم تأخذ أعماله حقها من الدراسة والتحليل؟ ولماذا؟

هناك أكثر من مخرج، منهم مثلا سعيد مرزوق وعلي عبد الخالق، وأعتقد أن كمال الشيخ من المخرجين الذين يستحقون كتابة دراسة نقدية موسعة عنه وعن أفلامه نظرا لتنوع وجودة أعماله سواء السياسية أو غيرها، وقد بذل الناقد الراحل "محمد عبد الفتاح" جهدا كبيرا في إلقاء الضوء على بعض المخرجين الراحلين ولكنه لم يكمل مشروعه ليشمل مثل هؤلاء المخرجين، وفي تصوري كي تصدر مثل هذه الدراسات فلا بد أن تكون هناك مناسبة ما كتكريم ذكراهم في أحد المهرجانات مثلا وأن يُكلّف أحد النقاد من جهة ما بكتابة الدراسة.

  

من هو مخرجك المصري المفضل؟

 سؤال صعب، فلا يوجد مخرج كل أعماله جيدة ولا يخلو تاريخه من أعمال سيئة، ولكن إذا كان الاختيار من منطلق المخرج الذي شاهدت عددا كبيرا من أعماله وأعجبت بها فيمكن أن أقول إنه المخرج "صلاح أبو سيف"، وبالمناسبة فقد أجريت حوارا مطولا معه نُشر في أحد أعداد نادي سينما القاهرة توقفت فيه عند كل فيلم من أفلامه وناقشته فيه.

 

من هو مخرجك غير المصري المفضل؟

 لا أستطيع تحديد مخرج واحد، ولكن من بين عدد كبير من المخرجين المتميزين يمكن أن أذكر Alfred Hitchcock وFrançois Truffaut والمخرج الإيطالي Francesco Rosi وAkira Kurosawa وHoward Hawks.

  

ما أفضل فيلم مصري شاهدته مؤخرا؟ ولماذا؟

 فيلم "اشتباك" للمخرج "محمد دياب"، فهو تجربة مهمة على مستوى الموضوع، كما أنه تجربة مهمة على المستوى التقني، فهو فيلم ليس سهلا على صعيد الإخراج والتصوير والمونتاج، وأعتبر "محمد دياب" من أنضج مخرجي جيله ومن أكثرهم موهبة سواء فيما يخص تجربة "اشتباك" أو تجربة "678" الذي أعتبره فيلما جيدا جدا.

     

    
ما أفضل فيلم غير مصري شاهدته مؤخرا؟ ولماذا؟

"Wonder"، في حقيقة الأمر هو ليس فيلما عبقريا، ولكني أجده على قدر بساطته فيلما مهما جدا ومتميزا على صعيد شرحه وعرضه للعلاقات الأسرية والعلاقات بين الأطفال في المدارس والتسامح وقبول الآخر، فلقد تأثرت جدا بالفيلم وقيمه الإنسانية بغض النظر عن المستوى التقني للفيلم الذي أجده مقبولا بالمناسبة.

    

على اختلاف وتعدد الطرق التي تشاهد من خلالها الأفلام سواء عن طريق "DVD" أو عبر الإنترنت، فهل ما زالت تحرص على مشاهدة الأفلام في دار العرض على الشاشة العملاقة؟

 نعم بالطبع، فيوما الجمعة والسبت أخصصهم للذهاب إلى السينما لمشاهدة الأفلام الحديثة، وفي بعض الأوقات كنت أشاهد فيلمين في اليوم نفسه.

 

هل تقبل الآن فكرة العودة لإعداد أو تقديم برنامج تلفزيوني عن السينما والأفلام؟

أعتقد أن تقديم برنامج الآن أمر صعب بالنسبة لي، فلست متأكدا من أنه ما زالت لدي طاقة لتقديم برنامج بشكل أسبوعي، ولكني أرحب جدا بإعداد برنامج سينمائي طبعا، لأني أحب مجال الإعداد، خاصة فيما يخص السينما العالمية.

  

سؤال مُلح، لماذا لم تفكر حتى الآن في كتابة مذكّراتك أو تقوم بعمل أرشيف يضم كل كتاباتك والبرامج التلفزيونية التي قمت بإعدادها وتقديمها؟

 أطرح هذا السؤال على نفسي منذ عدة سنوات، خاصة وأن أكثر من شخص عرض عليّ أن يساعدني في جمع وتنظيم الأرشيف الخاص بي، وكان الراحل "سمير فريد" أكثر شخص يدفعني لإتمام هذه الخطوة، وكان يتعجب كثيرا من عدم قيامي بها ويقول لي: "كيف لا تجمع الأرشيف الخاص بك؟!" وكان يعرض عليّ أن يساعدني بأن يمدني بكتاباتي التي كان يحتفظ هو بها، ربما انشغالي بالعمل في مهرجان القاهرة هو ما يحول بيني وبين إتمام هذه الخطوة، ولكني أفكر جديا الآن في عدم تأجيلها أكثر من هذا.

  

 أما بالنسبة للأرشيف التلفزيوني فأنا لا أعرف عنه شيئا، أنا فقط كنت أسجل حلقات تغطية مهرجان كان ومهرجان القاهرة السينمائي على شرائط "VHS" ثم قمت بتحويلها إلى "DVD"، وعندما علمت أن المخرج سمير سيف قام بتسجيل كل حلقات برنامج ستار طلبت منه نسخة من حلقات البرنامج، وبالفعل حصلت منه على نسخة.

  

- ولا أعرف ما إذا كان التلفزيون ما زال يحتفظ بحلقات برنامج "نادي السينما" أم قام التقنيون بالتسجيل عليها مباريات كرة قدم أو حتى برامج أخرى، وكنت أتمنى أن يحتفظ التلفزيون بحلقات برنامج "نجوم وأفلام" بالتحديد، وكنت قد طلبت من مخرجي بعض هذه البرامج أن يمدوني بأرقام الشرائط الخاصة بهذه البرامج في مكتبة التلفزيون، واتفق معظمهم على أن حفظ هذه الشرائط يتم بطريقة عشوائية، حتى إن معظم الشرائط لا يوجد بداخلها كروت توضح محتواها. لذلك فلست متأكدا من احتفاظ التلفزيون بنسخ من هذه البرامج في مكتبته!

  

أخيرا، ما نصيحتك لشباب النقاد؟

- نصيحتي الأولى وربما الوحيدة هي ضرورة مشاهدة الأفلام، خاصة الجيد منها، ثم القراءة عن الأفلام، كما أدعوهم ألا يسمحوا للتلفزيون أن يأخذ من وقتهم على حساب السينما، فمشاهدة الأفلام بالأساس متعة ليست فقط للنقاد، ولكني أتمنى أن تكون كذلك لكل الناس.

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار