اغلاق
آخر تحديث: 2018/4/24 الساعة 17:31 (مكة المكرمة) الموافق 1439/8/9 هـ

انضم إلينا
إنسبشن.. من أين أتت عوالم كريستوفر نولان المستحيلة؟

إنسبشن.. من أين أتت عوالم كريستوفر نولان المستحيلة؟

هند مسعد

محررة فنية
  • ض
  • ض
يقف في عالم مفارق، يُفكك نسيج الذاكرة على طبقات، حلم داخل حلم داخل حلم إلخ، ليلج إلى عمق عالم اللاشعور ويغرس فيه بخفة ما شاء من أفكار، ليلتقط الحالم الطُعم ويستوعبه حتى يشكل كامل كيانه ويُغيّر مسار حياته للأبد. ومن خلال قوة خيال الحالمين، والمُقتحمين خيالهم عنوة، تظهر القدرات الخلاقة وغير المتناهية للعقل البشري. فينصهر المنظور ويذوب المنطق ويختفي الواقع، لتظهر عوالم مفارقة تتحدى مبادئ الجاذبية والمنطق في آن.

       
"لقد ألهمتني مطبوعات ماك إيشر للغاية، بخاصة الربط المثير أو محو الحدود بين الفن والعلوم والفن والرياضيات".[1]
            

هذا ما جاء على لسان مُخرج "استهلال"، وثلاثية "فارس الظلام" الشهيرة و"بين النجوم" وأفلام عدة، الإنجليزي - الأميركي كريستوفر نولان، صاحب أكثر الأفلام نجاحا على المستوى التجاري والنقدي منذ مطلع القرن العشرين، والذي رُشح للأوسكار 26 مرة وفاز بسبع منها.[2]
  
الذاكرة، والعقل، وطبيعة النفس البشرية، هذا عادة ما تدور في أفقه أفلام نولان؛ مناقشة تلك المواضيع في إطار حبكة فلسفية اجتماعية يُفنّد من خلالها حقيقة الإنسان والزمن والهوية بصبغة تخلط بين الفن والرياضيّات والخيال العلمي.[3] ومن خلال أفلامه، يثبت نولان بما لا شك فيه أنه يصبو إلى قلب وعي المشاهد رأسا على عقب، من خلال مشاهد صادمة وتتميز ببصمة بصرية اتسمت بها معظم أفلامه، هذه البصمة هي "المُفارقة" (Paradox).[4]  والتي استوحى مُعظمها، خاصة في فيلمه "استهلال" (Inception)، من أعمال الرسّام الهولندي موريتس كورنيليس إيشر، بالإنجليزية: (M. C. Escher)، والمعروف بماك إيشر، 1898 - 1972، والذي تميزت أعماله بالتراكيب المعمارية المستحيلة والمفارقات الرياضية اللانهائية.[5]

          
"بالنسبة لي، يظلّ السؤال مفتوحا حول ما إذا كان العمل يتعلق بمجال الرياضيات أم بعالم الفن"[6]

(ماك إيشر)
           

كان إيشر مفتونا بالأفكار المتناقضة والتصاميم المستحيلة منذ بواكير مشواره الفني. ويظهر في عمله "النسبية" Relativity)، 1953)، عالم لا تنطبق عليه قوانين الجاذبية العادية. فنرى بناء معماريا يمضي فيه كل شخص نحو عمله بشكل طبيعي جدا لكن البناء نفسه مستحيل معماريا.[7]

       


     

في مبنى نسبي تماما لدرجة الاستحالة واقعيا نجد عددا من الأشخاص يمضي كُلٌّ مِنهم إلى سبيله دون أن يكون للعالم المفارق الذي يتحرك فيه أي تأثير عكسي أو سلبي عليه. فالعمل ككل يصوّر عالما غير واقعي، لكن الأشخاص في العمل يدورون في أفق عالمهم الخاص المنطقي والواقعي بالنسبة لهم وبشكل نسبي تماما. ونرى في هذا العالم غير الواقعي أن إيشر رسم الدرج والأرضيات في كل اتجاه، أعلى وأسفل ويمين ويسار، فإذا ما تتبع الرائي منظورَ واحدٍ من الشخصيات وجده واقعيا ومنطقيا لكن مقارنة ببقية المناظير هو مفارقة رياضية معمارية بحتة.

       

ما الواقع؟ ما الحقيقة؟

يظهر في هذا الواقع الغريب أن الشخصيات لا رغبة لديهم في تغيير تلك المفارقات الرياضية، أو بالأحرى هم لا يلاحظون وجود مفارقات أساسا. ونرى أن إيشر في "النسبية" يقول شيئا مهما عن الطبيعة البشرية: وهي أن الإنسان يمشي ويأكل ويشرب ويقرأ ويمضي في حياته الطبيعية، بالنسبة له، في إطار عالم مشوه بمنتهى الأريحيّة. وفي واقعه الوهمي، أو في وهمه الواقعي، يعيش الإنسان حياته مهما كانت سخيفة وغير منطقية ولا يعير أي اهتمام لأي حقيقة، خارج اهتماماته الشخصية والخاصة جدا، مهما بدت حياته لا معنى لها من الناحية العملية.
     
المبحث الفلسفي/الفني/الرياضي نفسه قدمه نولان في فيلم "استهلال"، 2010، والذي يظهر في أحد مشاهده بطل الفيلم ليوناردو ديكابريو والذي قام بدور "كوب" (Cobb)، مع ألين بيدج والتي قامت بدور "أريادن" (Ariadne).[8) ففيما يجلس الاثنان، كوب وأريادن، على أحد المقاهي في باريس، في منتصف حلم، تقوم أريادن بجولة في شوارع المدينة لتطوي المدينة رأسا على عقب، تماما كلوحة النسبية لإيشر، فيصير الأعلى أسفل والأسفل أعلى والشمال يمينا واليمين شمالا.
     
     

  
"لقد أعجبتني فكرة: ماذا لو كان بإمكانك الولوج إلى حلم شخص ما أو إلى عقله الباطن، كيف ستستخدم ذلك، ما الذي يمكنك فعله بهذه الفكرة؟"[9]

(كريس نولان)

     

مفارقة أن تنزل صعودا وتصعد هبوطا

في رسمته "تصاعدي وتنازلي" (Ascending and Descending)، 1960)، يُصور إيشر مبنى كبيرا مسقوفا بدرج لا ينتهي، بحيث يكون الصعود نزولا بشكل ما والنزول صعودا من ناحية أخرى وهكذا، مفارقة مغلقة لا بداية لها ولا نهاية. ويظهر على الدرج غير الواقعي هذا خطان من الرجال الذين يرتدون الزي نفسه، واحد يصعد والآخر يهبط إلى ما لا نهاية ودون توقف، يراهم المشاهد من منظور بصري علوي وكأنه يطّلع على عالم مفارق لا ينتمي إليه الإنسان الطبيعي.
        
ويعزز إيشر من تلك الفكرة باستخدام أشخاص يرتدون زيًّا معينا وكأنهم ينتمون إلى طائفة دينية معينة أو فئة طبقية خاصة، فهم إما يحرسون قصر وإما يمارسون شعيرة دينية ما، في دائرة مغلقة لا نهاية لها ولا يجب أن ينتهي لها الإنسان العادي. ويعزو بعض النُقاد رسمة إيشر إلى الرهبان والعمال وكل من يعملون في بيئة قسرية تفرض عليهم نشاطا متكررا وطويلا لا طائل من ورائه. وبالتالي، يصبح عالم أولئك الرهبان/العمال غير ذي جدوى وغير ذي معنى.[10]
           

   

المفارقة نفسها نراها في فيلم "استهلال"، لنولان، حين يقف آرثر، والذي يلعب دوره الممثل جوزيف جوردون - لوفيت، مع أريادن في أحد الأحلام على درج، لا بداية له ولا نهاية، صعوده نزول ونزوله صعود، وهو الدرج نفسه الموجود في عمل إيشر.
         
وبالحديث عن الأحلام، فإن نولان في لقاء آخر، للنيويورك تايمز، يقول: "إن إمكانيّات العقل البشري لا حصر لها. وبنهاية الفيلم، يجب أن تشعر أنك تستطيع الذهاب إلى أي مكان، ويجب أن ينتشر هذا الإحساس على أوسع نطاق".[11] ووفقا لعالمة الرياضيات الأميركية دوريس شاتشنايدر، ليست السينما فقط التي انتفعت بأعمال إيشر المستحيلة رياضيا ومعماريا، فإن أكثر من 11 بحثا علميا، سواء على مستوى الرياضيات أو العلوم الطبيعية، مستوحى بشكل مباشر من أعمال إيشر الفنية.[12]
           

   

بين التجريد والتمثيل، بين الحقيقة والخيال، بين النظام والفوضى، عالم واسع من المفارقات حاول الفنانون على مر التاريخ استكشافه. وهذا العالم هو ما يؤسس لتحول فكري وثقافي قائم على روح تحترم تعدد الجوانب واختلاف المعايير والثقافات. و"استهلال" (Inception)، يعني بداية أو تأسيسا جديدا لعالم، وفقا لنولان، ومستلهما من إيشر، ينقلب على قوانين الجاذبية والمنطق.
     
"الأفلام مسألة شخصية، قد تحب بعضها وتكره بعضها، لكن بالنسبة لي الأمر الوحيد العام هو فكرة أنني في كل مرة أذهب إلى السينما وأدفع من مالي وأجلس وأشاهد فيلما يعرض على الشاشة، أريد أن أشعر أن الناس الذين صنعوا الفيلم يعتقدون أنه أفضل فيلم في العالم، وأنهم صبوا ما لديهم فيه وأحبوه حقا. سواء اتفقت مع ما فعلوه أم لا، أريد ذلك المجهود على الشاشة، أريد ذلك الإخلاص. وعندما لا تشعر به، ذلك هو الوقت الوحيد الذي أشعر أنني أضيع وقتي في السينما".[13] (كريس نولان مُتحدثا عن فيلم "استهلال" (Inception)

أكثر الأفلام ترشيحا للأوسكار

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار