اغلاق
آخر تحديث: 2018/4/28 الساعة 10:24 (مكة المكرمة) الموافق 1439/8/13 هـ

انضم إلينا
الطفلة هايدي وكلاب الراكون.. قصة رسام الأنمي العالمي "تاكاهاتا"

الطفلة هايدي وكلاب الراكون.. قصة رسام الأنمي العالمي "تاكاهاتا"

رضا حريري

محرر فن
  • ض
  • ض
"في البداية استأجرنا مساحة من أستوديو آخر، وكان لدينا فريق يكفي للعمل بأي فيلم كنا نعمل عليه. كان ذلك في الوقت الذي كنت أعمل فيه على قبر اليرعات، قرابة العام 1988، فيما كان ميازاكي يعمل على جاري توتورو، لذا كان لدينا مساحتين في أستوديو لمشروعين مختلفين، في الضواحي الغربية لطوكيو. بالكاد كنّا نرى بعضنا البعض في تلك الفترة، لأنّنا كنّا نعمل على مشاريعنا الخاصة. الرجل الوحيد الذي كان يربط بيننا في تلك الفترة كان المنتج" (1).

  

هكذا يحكي المخرج الياباني الراحل إيساو تاكاهاتا عن المرحلة التأسيسية لأستوديو "جيبلي" الذي شارك في إنشاءه في العام 1985 مع هاياو ميازاكي وتوشيو سوزوكي. لم يتصوّر المؤسّسون الثلاثة أنّ هذا الأستوديو المتواضع سيصير مع نهاية عقد التسعينيات أكثر أستوديوهات الأنيمي شهرةً ونجاحاً في العالم.

   

طفولة في الحرب

في الخامس من نيسان الحالي توفيّ إيساو تاكاهاتا في إحدى مستشفيات طوكيو بعد إصابته بسرطان الرئة. ارتبطت طفولة الرجل المتوفّى عن اثنين وثمانين عاماً والمولود في العام 1935، بالحرب والموت، حاله في ذلك حال كلّ أبناء جيله المولودين في اليابان.

       

إيساو تاكاهاتا

مواقع التواصل

    

لم يكن عمر الصبي قد تخطّى الرابعة عند اندلاع الحرب العالمية الثانية في العام 1939، ولم يكن قد تجاوز التاسعة عندما نجا، هو وعائلته، من واحدة من الغارات الجويّة الأميركية الرئيسية على مدينة أوكاياما والتي أودت بحياة 1700 شخص. حفرت هذه الحادثة عميقاً في نفس تاكاهاتا الذي يصف ذلك: "لم أقدر أن أتوقّف عن الارتعاش، في مواجهة وضع كان يمكن أن أموت فيه في أي لحظة" (2). استمرت هذه الذكرى مع تاكاهاتا، وكانت واحداً من المحفّزات الأساسية لينجز فيلمه الروائي الشهير "قبر اليراعات"(1988) والذي يعتبر من أهمّ الأفلام التي تقف ضدّ الحرب.

     

واصل تاكاهاتا حياته بعد انتهاء الحرب، وتخرّج في العام 1959 بشهادة بالأدب الفرنسي من جامعة طوكيو. خلال فترة دراسته شاهد الشاب فيلم التحريك "الملك والعصفور" للفرنسي بول غريمو، وهو ما لعب دور رئيسياً في توجيهه نحو صناعة الأنيمي.

       


        

لاحقاً، تقدّم تاكاهاتا لوظيفة مخرج في أستوديو "توي" وحصل عليها. هناك عمل تاكاهاتا كمساعد مخرج في الأفلام والمسلسلات التي كانت تنتجها الشركة، والأهم من ذلك تعرّف على شريكه المستقبلي هاياو ميازاكي الذي كان يعمل كرسام (3).

 

بداية "فاشلة"

بعد أن عمل كمساعد له في سلسلة "كين الفتى الذئب" اقترح المخرج والرسام ياسوو أوتسوكا على تاكاهاتا ابن الثلاثة وثلاثين عاماً آنذاك أن يقوم بإخراج فيلمه الطويل الأوّل. بالفعل وافق تاكاهاتا على إنجاز المهمة ليظهر أول أفلامه "الرحلة العظيمة لهوروس، أمير الشمس" في العام 1968. مثّل هذا الفيلم أوّل تعاون بين تاكاهاتا وميازاكي الذي كان جزءاً من فريق الرسامين، فيما كان أوتسوكا مخرجاً للتحريك.

     

     

يستند الفيلم على عرض مسرح دمى كتبه كازوو فوكازاوا، والمستوحى بدوره من أسطورة شعب الأينو القديمة، لكنّ بدلاً من أن تدور الأحداث في شمال اليابان، اختار المنتج أن تدور في مملكة إسكندنافية قديمة، خوفاً من أن يكون الفيلم محليّاً أكثر من اللازم.

   

يحكي الفيلم عن الفتى هوروس الذي يستعين بسيفه الأسطوري ليحاول إنقاذ قريته من ساحر شرير يسعى، وأعوانه، لتدمير القرية والقضاء على سكانها. لكنّ الأمور لن تكون بهذه السهولة لهوروس، فعدوّه قوي وأهل القرية لا يثقون به تماماً، وتزيد علاقته المعقّدة والتي تمرّ بتحوّلات متعدّدة من صعوبة الأمر.

   

على العكس من بقية أفلامه الواقعية والمطعمة بشيء من السوريالية، كان "أمير الشمس" عملاً فانتازياً سحريّاً، يستند على أساطير محليّة. وهو إلى ذلك صار ينظر إليه من قبل الكثيرين اليوم عملاً مؤسّساً في تاريخ الأنيمي الياباني الحديث بفضل الإبهار البصري غير المعتاد في ذلك الوقت، والعمل على تفاصيل المشهد والاعتناء بأبعاده الخلفية. في الوقت نفسه لا يمكن فصل مفاهيم الفيلم عن المفاهيم الاجتماعية في ذلك الوقت، أهمها فكرة أنّ فرداً واحداً يمكن أن يكون مفيداً للمجتمع بأكمله (4).

   

لم يحظ الفيلم عند صدوره بهذا التقدير، إذ رافقت ظروف إنتاجه الكثير من المشاكل، خاصة مع إنعدام الثقّة بين رسّامي الأستوديو وإدارته. تجاوز إنجاز العمل الجدوّل الزمني المقرّر، ولم يعرض عند صدوره في الصالات سوى لعشرة أيام قبل سحبه (5).

      

   

فشل الفيلم فشلاً كبيراً في شبّاك التذاكر. أدّى ذلك إلى تخفيض رتبة تاكاهاتا في "توي" ولم ينجز أيّ عملٍ آخر للشركة ليستقيل لاحقاً في العام 1971 (6).

    

مساعدة من الطفلة هايدي

بعد تركه وظيفته في "توي" توطّدت علاقة تاكاهاتا بميازاكي، وعملا سوياً خلال هذه الفترة على إنجاز عدّة أفلام قصيرة وسلاسل أنيمي. في العام 1974 عرضت شركة "زويو" (التي صار اسمها اليوم "نيبون أنيميشن") على تاكاهاتا إخراج سلسلة أنيمي بعنوان "هايدي فتاة الألب"، المستوحى من كتاب "هايدي سنوات التجوّل والتعلم" للكاتبة السويسري يوهانا سبيري. وبالفعل وافق تاكاهاتا على القيام بالعمل، وأنجز مسلسلاً من 52 حلقة، بمشاركة ميازاكي الذي عمل كرسام ومصمّم للمشاهد.

      


  

تدور حلقات المسلسل حول رحلات الطفلة هايدي التي توفيّ أهلها بعد فترة قصيرة من ولادتها، فانتقلت للعيش مع جدّها في جبال الألب، ومن ثم رحلت إلى ألمانيا لتعيش مع فتاة مشلولة من عائلة أرستقراطية، قبل أن تعود رفقتها إلى الألب. حقّق العمل نجاحاً جماهيرياً باهراً، ودبلج إلى أكثر من عشرين لغة من بينها العربية، وصار من الأعمال الكلاسيكية اليوم في اليابان.

     

   

بين الإنتاج والإخراج

خلال الأعوام التالية عمل تاكاهاتا في شركات وفي مشاريع مختلفة، وصولاً إلى العام 1984 حيث لعب دوراً رئيسياً في إنجاز فيلم ميازاكي "ناوسيكا أميرة وادي الرياح"، إذ كان منتجاً للفيلم. انطلاقاً من النجاح الجماهيري الكبير الذي حازه الفيلم والعائدات الكبيرة التي حصلّها، طرح ميازاكي على شريكه فكرة تأسيس أستوديو "جيبلي". من هنا أخذت مسيرة تاكاهاتا الفنيّة منعطفاً جديداً وانتقل المخرج الذي صار متمكّناً من أدوات مهنته إلى مستوى آخر.

   

كان فيلم "قلعة في السماء" أوّل فيلم يتم إنتاجه رسمياً في أستوديوهات "جيبلي"، وذلك في العام 1986. أدّى تاكاهاتا هنا الدور نفسه الذي سبق وأدّاه في "ناوسيكا"، كمنتج للفيلم. لكنّه بعد ذلك تفرّغ للإخراج بشكل تام، ولم يعد للعمل كمنتج إلّا مرّة واحدة كانت خلال العقد الحالي حين كان من منتجي فيلم "السلحفاة الحمراء" للمخرج الهولندي ميكايل دودوك دي ويت، والذي رشّح للأوسكار عن فئة أحسن فيلم تحريك طويل في العام 2016.

  

         

رحلة "جيبلي"

أنجز تاكاهاتا خمسة أفلام بين العامين 1988 و2013، وكانت جميعها من إنتاج أستوديو "جيبلي"، بدءاً من "قبر اليراعات" (1988) وصولاً إلى "حكاية الأميرة كاغويا" (2013)، مروراً بـ"مطر الذكريات" (1991) و"بوم بوكو" (1994) و"جيراني من عائلة يامادا" (1999). وباستثناء "بوم بوكو" الذي يغلب عليه طابع فانتازي وخيالي تماماً، تأخذ الأفلام الأخرى مساراً أقرب للواقع دون أن يخلو من الفانتازيا. لكنّ الأكيد أنّ أفلام تاكاهاتا حافظت على خصوصية يابانيةٍ اجتماعية أو تراثية أكبر من أفلام ميازاكي، مقدمة صورة عن أحوال اليابان المعاصرة (7).

       

"لماذا على اليراعات أن تموت باكراً؟"

ينتمي "قبر اليرعات" إلى أنيمي الحرب العالمية الثانية الحاضر بشكل دائم في الإنتاج الياباني بسبب التأثير الكبير للهزيمة والتغييرات التي أحدثتها في المجتمع الياباني. يحكي الفيلم قصة المراهق سيتا وشقيقته الصغيرة ستسوكو خلال الحرب، ومحاولتهما الاستمرار بالحياة بعد دمار بيتهما ومقتل أمهما في غارة أميركية وانتقالهما للعيش مع خالتهما، كون الوالد جندي في سلاح البحرية. صعوبة ظروف الحياة، وعدم ترحيب الخالة الناجم عن ذلك يدفع الولدين لهجر بيتها والتنقل من مكانٍ إلى آخر.

       

    

يقدّم "قبر اليرعات" صورة شديدة القتامة والقسوة عمّا تسبّبه الحرب، وهو فيلم "يبعث على الأسى"، كما يصفه الناقد روجير ايبرت (8). يهيم سيتا وسيتسوكو دون وجهة محدّدة في أرضٍ خراب، وحين يجدان ملجئاً في كهف منزوي، يستخدم الأخ اليراعات لتنير المكان في الليل، لكنّ الفتاة تجدها ميّتة في الصباح ممّا يدفعها للتساؤل: "لماذا على اليرعات أن تموت باكراً؟".

     

قارن الناقد ارنست ريستر بين هذا العمل وفيلم ستيفن سبيلبرغ الشهير "قائمة شندلر"، معتبراً أنّه أعمق فيلم تحريك قد شاهده (9). ورغم اعتبار الكثيرين أنّه من أهم الأفلام المعادية للحرب، رفض تاكاهاتا وضعه ضمن هذا الإطار قائلاً: "ليس أبداً فيلماً ضد الحرب، وبالتأكيد لا يحوي رسالة كهذه"، معتبراً أنّه هدف إلى نقل صورة أخٍ وأخته يعانيان من حياة فاشلة وسيئة بسبب عزلتهما الاجتماعية (10).    

    

     

بكل الأحوال، حقّق الفيلم عند صدوره نجاحاً جماهيرياً ونقدياً كبيراً، وأدرج في العديد من القوائم المختلفة، وأنتجت منه نسخة حيّة للتلفاز في العام 2005. إلى ذلك كان هذا الفيلم الوحيد بين أفلام تاكاهاتا الذي دبلج إلى العربية وذلك في نسختين مختلفتين، حملت الأولى اسم "سيتا الحنون" أما الثانية فحملت اسم "نارا الصغيرة والطائرات المغيرة"، وإن كان التشويه قد لحق بالنسختين جرّاء التعديل في القصة والحذف منها.

     

        

"إذا كان اليوم سيئاً، فلديكِ الغد"

في فيلمه الثاني مع "جيبلي"، أي "مطر الذكريات" (1991)، ابتعد تاكاهاتا عن الحرب، لكنّه بقي محافظاً على الأسلوب والموضوع الواقعي. في إطار درامي يبدو شديد الاعتياد للوهلة الأولى يتتبّع تاكاهاتا إجازة الموظفة العشرينية تايكو في الريف في ضيافة أهل زوج شقيقتها. تعاني الفتاة التي عاشت كلّ حياتها في طوكيو من ضغوطات الناس حولها للزواج، وتبدأ في رحلة القطار إلى الريف باستعادة ذكريات طفولتها وعلاقتها بالعائلة وبالمدرسة، وهو ما يستمرّ معها خلال فترة بقاءها في القرية.

    

    

لكنّ تاكاهاتا نجح بتحويل هذا العمل، الغريب عن الأنيمي والأقرب إلى الاعمال الحيّة، إلى عملٍ فريد ومميّز، باعتماده أسلوباً شديد الشاعرية، إن كان من ناحية تقنيّة السرد أو من خلال الرسم والموسيقى، خالقاً عالماً ريفيّاً بديعاً. يتنقّل تاكاهاتا بين الماضي والحاضر، تتذكّر تايكو رغبتها الدائمة في الذهاب إلى الريف في عطلة الصيف أسوة بزملاءها في المدرسة الذين لا ينتمون للعاصمة، حبّها الأول، شجاراتها مع والدتها، وفي الوقت نفسه تكتشف بشكل تدريجي شكل الحياة في الريف وناسه واساليب عيشهم، وتلاحظ انجذاب قريبها توشيو إليها.

   

تمنح الرحلة "الفيزيائية" إلى الريف الفرصة لتايكو كي تخوض رحلة داخلية نفسية إلى أعماقها، تسمح لها بإعادة تركيب الأحداث واستعادتها (الجيّدة منها والسيئة على حدّ سواء) ممّا يساعدها على تفكيك شخصيتها وفهم الظروف التي جعلتها ما هي عليه في الحاضر. وبقدر ما تبدو هذه الاستعادة للماضي نوستالجيةً في بعض المواضع وميلانكولية في بعضها الآخر، إلّا أنّها تدفع تايكو للقيام بتغييرات جذرية تقلب حياتها تماماً.

     

   

حقّق الفيلم عند صدوره نجاحاً هائلاً في شبّاك التذاكر، ليكون أنجح أفلام العام 1991 جماهيرياً حاصداً قرابة مليار وتسعمئة مليون ين. إضافة إلى نجاحه في استقطاب عدد كبيرٍ من المشاهدين البالغين من الجنسين في اليابان تحديداً (11).

   

"لماذا تسقط كلاب الراكون عن الشجرة؟"

في "حرب كلاب الراكون" (1999)، المعروف باسم "بوم بوكو"، تخوض كلاب الراكون، التي تنسج حولها الكثير من القصص في التراث الياباني، معركةً مع البشر. بطبيعة الحال لا تخاض بالأسلحة الثقيلة ولا بالطائرات، وسببها الرئيسي يعود إلى رغبة البشر بتدمير الغابة التي يسكنها الراكون لإنشاء أبنية جديدة في طوكيو الأخذة بالتوسع في ستينيات القرن الماضي. تضع الراكونات خططاً متعدّدة، وتقوم بتحرّكات مختلفة على أمل أن تنجح في منع تدمير الغابة، لكنّ تبقى قدرتها على اتخاذ شكلٍ بشري أهمّ سلاحٍ لها.

        

   

يمزج تاكاهاتا في الفيلم بين التراث الياباني القديم وواقع اليابان الحالي، مظهراً التغيّرات الاجتماعية العميقة التي طرأت على اليابانيين الذين تخلّوا عن أساطير الأجداد وأعرافهم. في الوقت نفسه اعتبر جزء من النقّاد أنّ الفيلم مناصر للبيئة، وهو أمرٌ صحيح نسبياً، يتشارك فيه تاكاهاتا وميازاكي، لكنّ المسار الذي يتّخذه الفيلم والنهايات التي يصل إليها لا تحوي رسالة فجّة ضدّ التوسّع العمراني على حساب الطبيعة (12).

   

رغم المنحى الخرافي لـ"حرب كلاب الراكون"، إلّا أنّه يحافظ على أسلوبٍ في الرسم مماثل لذلك الموجود في أفلام تاكاهاتا السابقة، على العكس من فيلميه الأخيرين، "جيراني من عائلة يامادا" و"حكاية الأميرة كاغويا" الذي يختار فيهما أساليباً في الرسم بعيدة عن المعتاد في الأنيمي وأشكالاً سردية مختلفة أيضاً، حيث يظهر تأثره بأعمال الكندي فريدريك باك، مثل "كراك" و"الرجل الذي زرع الأشجار" ذات الأسلوب الانطباعي في الرسم (13).

 

"ضحكة سعيدة تكسر صمت ليلة شتائية"

لم يكرّر تاكاهاتا يوماً المواضيع التي يعالجها في أفلامه. يختار في "جيراني من عائلة يامادا" (1999) إنجاز كوميديا عائلية عن أسرة يابانية من الطبقة العاملة مؤلّفة من خمس أفراد: الزوج والزوجة وولديهما إضافة إلى الجدّة. يعمد تاكاهاتا إلى توصير يوميات العائلة، التي تشبه يوميات أيّ عائلة يابانية وأيضاً غير يابانية، لكنّ هذه اليوميات لا تقدّم بشكل متسلسل مترابط. على العكس يقسّم الفيلم إلى قرابة ثلاثين جزءاً صغيراً يعالج كلّ منها حدثاً محدّداً.

      

    

تساعد هذه التقنيّة السرديّة تاكاهاتا على حصر مواضيع هذه اليوميات وتكثيفها في وقت زمني ضيّق، فنتابع كيف نسي أفراد العائلة ابنتهم الصغيرة في المول لانشغالهم بمشترياتهم، فيما نشاهد في قصّة أخرى الصراع الأزلي بين الأب والأم على الريموت كونترول الخاص بالتلفاز. تأخذ بعض هذه القصص طابعاً كوميدياً ومضحكاً، فيما يميل بعضها الآخر إلى الحزن.

   

بالطريقة نفسها التي اختار أسلوباً سردياً مختلفاً، تخلّى تاكاهاتا هنا عن أسلوبه المعتاد في الرسم. في هذا الفيلم، الذي يعدّ أول فيلم كامل ينجز بتقنية الديجيتال في أستوديو "جيبلي"، يختار تاكاهاتا أسلوباً شديد البساطة والمنيمالية: عناصر قليلة في خلفية المشهد، وتبسيط لملامح الوجوه وحركة الشخصيات، مع استعمالٍ للألوان المائية لم يظهر من قبل في أفلام "جيبلي".

  

لم يحقّق "جيراني من عائلة يامادا" انتشاراً كبيراً عند صدوره، ولم يكتسح شبّاك التذاكر الياباني (14). وبعده غاب تاكاهاتا عن الأضواء لأربعة عشر عاماً، قبل أن يعود بفيلمٍ روائي هو الأخير له بعنوان "حكاية الأميرة كاغويا".

 

"إذا سمعت أنّك مشتاق سأعود"

مع "حكاية الأميرة كاغويا" (2013) سيخطف تاكاهاتا الأضواء ولو مؤقّتاً من ميازاكي، حائزاً على نجاحٍ جماهيري لم يحزه منذ فيلمه "قبر اليراعات"، إضافة إلى نجاحٍ نقدي كبير تمثّل بترشحه للأوسكار عن فئة أفضل فيلم تحريك طويل. استوحي الفيلم من حكاية تعود للقرن العاشر اسمها "حكاية قاطع البامبو". تجري الأحداث خلال حقبة إيدو، حين يجد مزارع فقير يعمل في قطع أشجار البامبو أميرة صغيرة في واحدة من قصبات البامبو فيقرّر تربيتها مع زوجته.

     

       

تكبر الفتاة التي تكون بحجم راحة اليد بسرعة كبيرة، لتتحوّل مع الوقت إلى شابة فاتنة تأسر كلّ من يقابلها. لكنّ هذا الجمال لن يساعدها في اختيار مسار حياتها، فهي محكوم عليها بالذهاب إلى العاصمة كيوتو لتصير زوجة لأحد كبار القوم فيها.

   

يتشابه هذا الفيلم مع "عائلة اليامادا" من ناحية الرسم والألوان، مبتعداً بشكل كليّ عن أفلام تاكاهاتا السابقة، إذ يلجأ فيه مرّة أخرى إلى الألوان المائية ويحيي فيه صفاء الرسم بضربات الفرشات. يبدو الفيلم أشبه بلوحات انطباعية ضخّت فيها الحياة، وهو تعبير يوافق عليه تاكاهاتا مضيفاً: "أتسأل كيف يمكن أن نقدم عالماً نعرفه جيّداً، كيف نرسم منظراً شديدة العادية واليومية والطبيعة والناس. ظننت لوقت طويل أنّه من الأفضل مخاطبة مخيلة الناس وذكرياتهم لكنّ هذا كان مستحيلاً في التحريك العادي. فعل الرسم اليدوي (sketching) كان الوسيلة الأفضل للحفر في عقول الناس والذكريات الانطباع الحقيقي للأشياء والأشكال" (15).

     

    

يبدو الفيلم بحكايته ورسمه أشبه بعملٍ فولكلوري من التراث الياباني على شكل ملحمة شعرية طويلة للطبيعة والحب والجمال، لكنّه قادر في الوقت نفسه على التعبير عن المجتمع في الوقت الحالي. تخضع كاغويا طوال الوقت للأوامر، ما الذي يجب أن تفعله الآن وما الذي يجب عليها فعله في المستقبل، من ستتزوج، كيف ستلبس، إلخ... ولا تكون سعادتها إلّا بالتمرّد على هذه الأشكال من السلطة.

     

   

بعد هذا العمل اختار تاكاهاتا أن يبتعد عن الإخراج، معبّراً عن عدم يقينه من قدرته على مجاراة عوامل الوقت والزمن والجهد المطلوب لإنجاز فيلم أنيمي (16).

 

بين تاكاهاتا وميازاكي

لم يحظ إيساو تاكاهاتا يوماً بالشهرة نفسها التي حظيّ بها شريكه في أستوديو "جيبلي" هاياو ميازاكي. كان تاكاهاتا دائماً رجل الظلّ، ليس لأنّه أقل مهارةً أو موهبة، بل لاختياره أسلوباً مختلفاً في العمل أكثر تجريبيةً وأكثر يابانية. فيما تبدو أفلام ميازاكي على كثرتها وتنوّع مواضيعها أشبه بتنويعاتٍ على فيلمٍ واحدٍ طويل، يظهر كل فيلم من أفلام تاكاهاتا كتجربةٍ متميّزة فريدة من نوعها، مع حساسية اجتماعية أعمق وأكثر واقعية من عوالم ميازاكي الفانتازية.

      

تاكاهاتا وميازاكي في شبابهما

مواقع التواصل
   

على الأغلب أنّ تاكاهاتا الشاب الذي تساءل يوماً بعد مشاهدته فيلم المخرج الفرنسي بول غريمو "الملك والعصفور" إن "كانت أمورٌ كهذه يمكن إنجازها من خلال التحريك؟" (17)، وجد الإجابة لسؤاله، ومعه الكثير من الناس حول العالم ممّن شاهدوا أفلامه وأحبوا شخصياته من سيتا وستسوكو وتايكو إلى كلاب الراكون أسرة اليامادا والأميرة كاغويا. 

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار