اغلاق
آخر تحديث: 2018/5/1 الساعة 15:59 (مكة المكرمة) الموافق 1439/8/16 هـ

انضم إلينا
السينما التقليدية خائفة.. قصة اضطهاد "نتفليكس" بمهرجان كان

السينما التقليدية خائفة.. قصة اضطهاد "نتفليكس" بمهرجان كان

محمد عوض

محرر فن
  • ض
  • ض

شهدت ثمانينيات القرن التاسع العشر الإرهاصات الأولى لتصميم آلة عرض للصور المتحركة، كان أكثرها تطورا آلة "كينتوسكوب" التي سجلت براءة اختراعها باسم توماس إيدسون، وهي آلة تعتمد على تطبيق قواعد عرض "الفانوس السحري" على الأفلام، وتشبه إلى حد كبير ما يعرف في الثقافة العربية بـ "صندوق الدنيا"، إذ تتسع لمشاهد واحد فقط يمكنه من خلال فتحة العرض أن يشاهد الصور المتحركة. وشهد عام 1893 أول عرض سينمائي عام باستخدام هذه الآلة وهو فيلم "Blacksmith Scene" الذي يعتبر أول إنتاجات استوديو توماس إيدسون.[1]

       

بعد ذلك قام الأخوان لوميير بدراسة مستفيضة لآلة إديسون، ليقوما بابتكار آلة يمكن أن تقوم بعمل الكاميرا، وآلة العرض، وآلة طبع الأفلام في وقت واحد، وقاما بتسجيلها باسم "سينماتوجراف"[2]، وهكذا ابتكرا الاسم الذي ظل فن صناعة الأفلام يحمله حتى اليوم. وفي ديسمبر/كانون الأول عام 1895 قدم الأخوان لوميير العرض الجماهيري الأول في قبو الجراند كافيه بمدينة باريس.

  

ومن هنا تحولت السينما من العروض الفردية إلى العروض الجماهيرية، لتصبح تجربة المشاهدة الجماعية عنصرا أصيلا في الخبرة السينمائية طوال ما يزيد عن 120 عاما، حتى تظهر شبكة نتفليكس للبث الإلكتروني وتهدد بعودة السينما إلى سيرتها الأولى، وتدفع باتجاه ثقافة المشاهدة الفردية بالمنزل، على حساب المشاهدة الجماعية بدور العرض.

  

في النصف الأول من شهر أبريل/نيسان الجاري تداولت وسائل الإعلام خبر انسحاب شبكة نتفليكس بأفلامها من المشاركة في الدورة 71 لمهرجان "كان" السينمائي الدولي التي تقام فعالياتها في الفترة من 11 إلى 19 مايو/أيار القادم، وهو الخبر الذي أعاد إلى السطح أزمة نتفليكس مع مهرجان "كان" في نسخة العام الماضي، وأشعل المناقشات بين المتخصصين وغير المتخصصين بشأن هذه الأزمة على خلفية الاتهامات المتبادلة بين الطرفين اللذين اتخذا من الدفاع عن فن السينما مبررا لموقفيهما المتباعدين. في هذا التقرير نرصد الأزمة من بدايتها، كما نناقش تداعياتها على فن السينما ومستقبل صناعة الأفلام.

      

آلة "كينتوسكوب"  (مواقع التواصل الإجتماعي)

     

"كان" و"نتفيلكس"، خلاف بين التقاليد الفرنسية ورأسمالية أميركا؟

بدأت الأزمة مع دورة العام الماضي من مهرجان "كان" السينمائي عندما قررت شبكة نتفليكس إطلاق حملة إعلانية لاثنين من أفلامها المشاركين في المسابقة الرسمية للمهرجان هما "Okja"، و"The Meyerowitz Stories"، وهو الأمر الذي أثار غضب اتحاد مالكي دور العرض بفرنسا، إذ إن القانون الفرنسي يفرض فترة انتظار مدتها 36 شهرا تفصل بين الإصدار السينمائي (أي طرح الأفلام بدور العرض) وبين البث المنزلي سواء على التلفزيون أو المواقع الإلكترونية فيما يُعرف بقانون "الإفراج المسرحي"، وهو ما يعني أن طرح نتفليكس لفيلميها إلكترونيا ورفضها للإصدار السينمائي هو تجاوز واضح لهذا القانون.[3]

   

للوهلة الأولى تبدو الأزمة قانونية بالأساس، لكن مع التعمق تتضح المزيد والمزيد من طبقات هذه الأزمة تحت السطح. فبداية هناك الاختلاف الجوهري بين الموقف الفرنسي ونظيره الأميركي، ففي حين أن القانون الفرنسي يفرض فترة انتظار 3 سنوات بين الإصدار السينمائي والبث المنزلي، ﻻ يعرف السوق الأميركي مثل هذا الإجراء، خاصة مع وجود شركات مثل نتفليكس وأمازون التي تقوم بطرح أفلامها للبث المنزلي بعد أيام قليلة من الإصدار السينمائي، وفي بعض الأحيان قد يتم الإصدار السينمائي والبث المنزلي في اليوم نفسه.

  

دخلت الأزمة منحى جديدا بعد إعلان "تييري فريمو" -مدير مهرجان "كان"- أنه إذا رفضت نتفليكس، أو أي كيان آخر، الالتزام بقانون "الإفراج المسرحي" في فرنسا فسيتم منع أفلامها من المنافسة في المسابقة الرئيسية للمهرجان في المستقبل.[4] ومن ثم عادت الأزمة إلى السطح مع اقتراب نسخة هذا العام من مهرجان كان، ومع تأكيد فريمو -في مقابلة صحفية مع مجلة فرايتي- على تطبيق القاعدة التي أطلقها العام الماضي قائلا: "نحن جميعا نعمل من أجل السينما، ونتمنى عرض الأفلام المشاركة في المسابقة في دور العرض. هذا هو نموذج عشاق السينما، ويجب على نتفليكس احترام ذلك"، كما أكّد أنه في حال تمسك نتفليكس بموقفها، فإن المهرجان يرحب بعرض أفلامها لكن خارج المسابقة الرسمية.[5]

     

تييري فريمو -مدير مهرجان "كان"

مواقع التواصل
   

من جانبها صعّدت شبكة نتفليكس الأزمة من خلال إعلان "تيد ساراندوز"، كبير مسؤولي المحتوى في نتفليكس، لمجلة فرايتي في 11 أبريل/نيسان الماضي، إن الشبكة ستنسحب من المهرجان بالكامل، وليس المسابقة الرسمية فقط. وقال إن القرار الجديد يفرض على الأفلام المشاركة أن يتم عرضها في فرنسا أوﻻ.[6] بالطبع يفتقر تصريح ساراندوز إلى الصحة، بل إنه يتنافى مع فلسفة أي مهرجان في العالم، والصحيح أن القاعدة تقضي بأن الفيلم المشارك في المسابقة الرسمية ﻻ بد أن يكون من المخطط له العرض في فرنسا في أي وقت خلال العام بعد المهرجان.[7]

 

مَثّل تصريح ساراندوز خيبة أمل بالنسبة للكثيرين من عشاق السينما، حيث إنه كان من المنتظر أن تشهد دورة هذا العام عرض مجموعة من أهم الأفلام من إنتاج نتفليكس، على رأسها فيلم "The Other Side of the Wind"، وهو مشروع لم يكتمل للمخرج الكبير أورسن ويلز، تم تصويره في الفترة ما بين 1970 و1976، وبسبب بعض الأزمات القانونية لم يستطع ويلز استكمال الفيلم حتى وفاته عام 1985، وقد قامت شركة نتفليكس بالعمل على إتمام الفيلم الذي ينتظر طرحه خلال هذا العام.

 

بالإضافة إلى فيلم أورسن ويلز، هناك أيضا فيلم "Rome" للمخرج ألفونسو كوارون (مخرج فيلم "Gravity")، وفيلم "Norway" للمخرج بول جرين جراس (مخرج فيلم "Captain Phillips") ومن هنا يبرز المستوى الأول للأزمة التي تتمثل في الفجوة الأيديولوجية بين القوانين الفرنسية التي تحكم السينما، وبين النهج الأميركي الرأسمالي الذي يحكم تدفق المحتوى، وهو ما يحيلنا إلى المستوى الثاني الذي يتمثل في الخلاف حول ما إذا كانت ثقافة السينما تتعلق بالأساس بالخبرة المشتركة للجمهور من خلال الوسيط الأساسي (دور العرض)، أو أن الأمر يتعلق بحرية الأفراد وقدرتهم على اختيار ما يريدون مشاهدته، ومتى وكيف يريدون مشاهدته.

     

   
هل تشكل نتفيلكس تهديدا لصناعة السينما في العالم؟

منذ أن بدأت منصات البث الإلكتروني مثل "Netflix" و"Amazon" بطرح أفلامها في دور العرض، ثارت مناقشات وتعليقات في أروقة صناعة السينما الأميركية والعالمية حول ما إذا كانت هذه الأفلام تستحق التقدير والاعتراف بها شأنها شأن الأفلام التقليدية التي يتم إطلاقها في دور العرض، خاصة عندما يتعلق الأمر بالجوائز الكبيرة مثل الأوسكار.

   

في حوار له مع تلفزيون "ITV" علّق المخرج الأميركي الكبير ستيفن سبلبيرج قائلا: "بمجرد أن ترتبط بالشكل التلفزيوني، ففيلمك هو فيلم تلفزيوني. فإذا كان فيلمك جيدا، فهو بالتأكيد يستحق جائزة مثل الإيمي، وليس الأوسكار. فأنا ﻻ أعتقد أن الأفلام التي تم منحها للتو مؤهلات للعرض في السينما لمدة أقل من أسبوع، يجب أن تتأهل للحصول على ترشيح لجائزة الأوسكار".[8]

    

ومن المعروف أن أكاديمية علوم وفنون الصور المتحركة المانحة لجائزة الأوسكار تشترط العرض لمدة أسبوع واحد على الأقل في ولايتي لوس أنجلوس ونيويورك، في موعد أقصاه الخامس والعشرين من شهر ديسمبر/كانون الأول، حتى يكون الفيلم مؤهلا للمنافسة على جائزتها المرموقة[9]. وهو الشرط الذي التزمت به شبكة نتفليكس لدى ترشيح فيلمها "Mudbound" لجائزة هذا العام.

  

     

غير أن الخلاف حول توجهات شبكة نتفليكس يتجاوز المنافسة على الجوائز المرموقة إلى ما يمثل تهديدا حقيقيا للصناعة بأكملها. إن تحسن شاشات التلفزيون، وارتفاع جودة المحتوى التلفزيوني الذي يمر بعصره الذهبي هذه الأيام، بالطبع ترك أثرا بالغا على الإقبال على مشاهدة الأفلام بدور العرض. كما أن ثقافة المشاهدة تختلف اختلافا جذريا بالنسبة للأجيال الجديدة التي تعتمد بشكل حصري على هواتفها الذكية وأجهزة الكمبيوتر المحمولة في الاطلاع على كافة أنواع المحتوى الثقافي والمعرفي من خلال شبكة الإنترنت.

 

في مواجهة هذا الوضع الصعب الذي تمر به الصناعة، تبذل الاستوديوهات العملاقة وشركات الإنتاج والتوزيع الكبرى قصارى جهدها لجذب المزيد من الجمهور -وخاصة من الأجيال الأصغر- ودفعه إلى مغادرة الأرائك الوثيرة بالمنزل والخروج إلى دور العرض وقاعات السينما الكبيرة المظلمة. وتقوم بتوظيف التقنيات الحديثة مثل كاميرات وشاشات عرض "IMAX" لزيادة القيمة التنافسية للسينما في مواجهة التلفاز، من خلال توفير تجربة أكثر إثارة للجمهور من تلك التي يمكنه الحصول عليها بغرفة معيشته.

 

ويبدو أن هناك توجها عاما في هوليوود لتوسيع استخدام تقنية "IMAX"، إذ نلاحظ أن عدد الأفلام التي استخدمت كاميرا "IMAX" يتصاعد من فيلم واحد في عام 2015، إلى 3 أفلام في عام 2016، و4 أفلام في 2017، ويبلغ حده الأقصى هذا العام بإجمالي 8 أفلام. ولكن في الوقت نفسه يمثل الاعتماد على مثل هذه التقنية عبئا ماديا كبيرا، حيث تصل تكلفة استئجار كاميرا "IMAX" مليون دوﻻر كاملة.

 

وتمثل هذه الأعباء المادية جانبا آخر من جوانب أزمة الصناعة، حيث إن الاستوديوهات الكبرى تتجه بشكل كبير إلى تقليص ميزانياتها الإنتاجية، كما أنها تنظر إلى كل مشروع على أنه مقامرة غير مأمونة العواقب.  وبسؤال أبطال فيلم "The Meyerowitz Stories" في المؤتمر الصحفي الخاص بالفيلم في مهرجان "كان" عن موقفهم من أزمة شبكة نتفليكس مع المهرجان، أشار كل من بن ستيلر، وآدم ساندلر، وإيما طومسون إلى أن الاستوديوهات الكبيرة بهوليوود لم تعد تصنع هذا النوع من الأعمال الكوميدية كما اعتادوا عليه في العقود الأخيرة.[10]

    

  

وأضاف ستيلر: "لقد تغير المشهد العام لصناعة السينما في هوليوود، إنهم يصنعون عددا أقل من الأفلام الكوميدية، يصنعون أقل من كل شيء، باستثناء ما يدر عليهم ربحا وفيرا، ولهذا فإن شكبة نتفليكس هي الوحيدة التي تصنع أفلاما مثيرة للاهتمام في نطاق الميزانيات المتوسطة، وهو الأمر الذي اعتادت عليه الاستوديوهات في السبعينيات والثمانينيات وربما حتى التسعينيات، ولكن ذلك اختفى نوعا ما في عشر السنوات الأخيرة"، أما "Bong Joon-ho" مخرج فيلم "Okja" فيقول: "في الواقع أحببت العمل مع نتفليكس، لقد منحتني الحرية التامة من حيث اختيار الممثلين، والتصوير، والمونتاج".[11]

 

هذا عن الأفلام متوسطة الميزانية، ولكن ماذا عن الأفلام ذات الميزانيات الكبيرة؟ ﻻ نجد اختلافا كبيرا، فبالنظر إلى فيلم "The Irishman" للمخرج الكبير مارتن سكورسيزي والذي تبلغ ميزانيته 100 مليون دوﻻر، كان من المقرر أن تقوم على إنتاجه شركة "Paramount Pictures"، ولكنها تراجعت ورفضت المشروع بعد رحيل مدير الاستوديو براد غراي، لتحصل نيتفليكس على حقوقه بعد ذلك.[12]

 

ما الذي يدفع شبكة نتفليكس إلى تبني مشروعات ذات ميزانية كبيرة ترفضها استوديوهات عملاقة خوفا من الخسارة؟ تبدو الإجابة الأكثر منطقية أن شبكة نتفليكس ﻻ تعطي أولوية للربح في المرحلة الحالية. بالطبع هناك فارق كبير نسبيا بين تكلفة العرض السينمائي وتكلفة البث الإلكتروني لصالح نتفليكس، لكن ما يشغل مديرو عملاق البث الإلكتروني في المرحلة الحالية هو نشر ثقافة المشاهدة عبر الإنترنت وليس نشر المحتوى نفسه، ويبدو أنهم يتقدمون صوب هدفهم بخطى واثقة، فالشبكة التي ظهرت إلى النور منذ 20 عاما ﻻ أكثر، وبدأت خطة للتوسع خارج أميركا في عام 2014 أي منذ 4 أعوام فقط، تبث خدماتها الآن في أكثر من 190 دولة حول العالم.[13] وهي تدرك أن المشاهد/المستهلك الحداثي هو أقرب إلى مشاهدة الفيلم بغرفة المعيشة على أريكة وثيرة، منه إلى بذل المجهود للذهاب إلى دار العرض وشراء تذكرة سينما باهظة الثمن.

 

تغيير ثقافة المشاهدة هو ما تطمح إليه نتفليكس وترى فيه المستقبل، أو على حد تعبير "تيد ساراندوز" المثير للجدل "إننا اخترنا مستقبل السينما، وإذا اختار مهرجان "كان" التشبث بالتاريخ، فلا بأس".[14]

    

الخاسر الحقيقي

يتمثل التهديد الحقيقي لذلك النهج الذي تتخذه شبكة نتفليكس في أنه قد يفضي إلى الاتجاه نحو الترفيه الرخيص على حساب الفن السينمائي، حيث إن المرونة في التعامل مع صناع الأفلام تسمح للشركة باستثمار موارد متوسطة المدى في الأفلام التي لم تعد الاستوديوهات الكبيرة على استعداد للمقامرة فيها، ومن ثم لن يجد صانع السينما من بد سوى الاعتماد على نتفليكس، وهو ما سيؤثر بالتبعية على عدد الأفلام المطروحة بدور العرض.

     

   

ولكن في الوقت نفسه هناك وجه آخر للأزمة، يتمثل في حيرة صانع الفيلم الذي يرغب في مشاركة عمله الفني في المحافل السينمائية الكبرى مثل مهرجان "كان"، ولكنه في الوقت نفسه ﻻ يجد سبيلا لإنتاج هذا العمل سوى شبكة نتفليكس.

  

ﻻ تنحصر وجهة النظر الفرنسية فيما يمثل مصالح مالكي دور العرض السينمائي، ولكنها تمتد أيضا إلى المفهوم الفرنسي "الاستثناء الثقافي"، وهو جانب من القانون الفرنسي يهدف إلى معاملة السلع والخدمات الثقافية بشكل مختلف عن غيرها من السلع والخدمات. ووفقا لهذا المفهوم، فإن السينما هي في المقام الأول فن جماعي وعام مهم للغاية، وﻻ يمكن إخضاعه لقوى العرض والطلب البسيطة للسوق الرأسمالية المفتوحة.

  

إن تصريحات من قبيل "حراس السينما" أو "أمناء الفن" التي يستخدمها كبير مسؤولي المحتوى بشبكة نتفليكس هي من قبيل المبالغة اللفظية الدعائية. وفي حين تبقى الأهداف الرأسمالية لشبكة نتفليكس واضحة ﻻ لبس فيها، فإن الفرنسيين يبدون أكثر إيمانا بموقفهم، وأكثر وفاء لإرثهم الكبير في هذا الفن الحديث، ذلك الإرث الذي أسسه رواد سابقون مثل الأخوين لوميير، وجورج ميليه بتطوير التكنولوجيا وصناعة بعض أكثر الأفلام المبتكرة شهرة، بالإضافة إلى إسهامات رواد الموجة الفرنسية الجديدة مثل جان لوك جودار، وفرانسوا تروفو وتقديمهم للعديد من التقنيات الفنية التي ﻻ يمكن إنكار أثرها على صناع السينما في العالم كله منذ ستينيات القرن الماضي وإلى اليوم.

 

هل يعني ذلك أننا أمام طرفين واضحين للخير والشر؟ بالطبع لا، فلا يمكننا أن ندّعي أن المهرجان الفرنسي هو بمنزلة الملاك الحارس لفن السينما، ولكن الأمر يتجاوز هذين الطرفين إلى سؤال أكثر تجريدا؛ هل السينما فن أو وسيلة ترفيه؟ وهل الوسيط السينمائي والخبرة الجماعية عنصر أصيل على مستوى تلقي هذا الفن، أم أنه صالح للاستهلاك الفردي؟

    

  

أما سؤال المستقبل فيبقى رهن موازنات القوى والتي تصب في مصلحة شبكة نتفليكس، أو الرأسمالية بشكل أعم. ربما يستطيع مهرجان "كان" التمسك بموقفه والثبات على قراره بمنع الأفلام التي لم تُطرح بدور العرض من المشاركة في مسابقته الرسمية، ولكن ذلك لن يمنع من تغيّر معادلة صناعة السينما في العالم كله، مع تغير ثقافة المشاهدة، ومع إقبال الأجيال الحديثة على منصات البث الإلكتروني، وإدبارها عن المسارح ودور العرض، ومع زيادة تدفق أموال نتفليكس وتبنيها للمزيد من المشروعات ذات الميزانية المتوسطة والكبيرة نسبيا، فإن الاستوديوهات العملاقة قد ترضخ للأمر الرأسمالي الواقع وتتحول هي الأخرى إلى البث الإلكتروني.

 

إن أمثالا من قبيل "ما أشبه الليلة بالبارحة" تتضاءل قدرتها التعبيرية أمام ما نشهده من تطور واقع السينما اليوم. وقد تبدو المفارقة بسيطة في أن الدافع الأساسي لإديسون -قبل أكثر من 120 عاما من اليوم- هو دافع تجاري يقوم على الاحتكار، وهو ما يتوافق مع دوافع شبكة نتفليكس اليوم، أما المفارقة العظمى فتكمن في أن إديسون أميركي الجنسية، بينما الأخوان لوميير هما بالطبع فرنسيان.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار