اغلاق
آخر تحديث: 2018/5/16 الساعة 18:22 (مكة المكرمة) الموافق 1439/9/2 هـ

انضم إلينا
دراما خارج الموسم.. هل نُشاهد المسلسلات في غير رمضان؟

دراما خارج الموسم.. هل نُشاهد المسلسلات في غير رمضان؟

إسلام السقا

محرر سينما
  • ض
  • ض
بعد الانتهاء من عرض مسلسل "هذا المساء" في رمضان الماضي، كانت لقطته الأخيرة قد طُبعت بالفعل في ذاكرة الكثيرين، وتُرجم حُب المسلسل بتكرار نشر الصورة نفسها التي يتداولها الجميع، سمير يُمسك بيد الفتاة نور فيما تجلس إلى جواره من الناحية الأخرى تُقى التي خاض معها مغامرة كاشفة حركها الحُب في شوارع مصر المهزومة ثورتها.

  

كان "هذا المساء" تشكّلا نادرا في الإنتاج التلفزيوني المصري من ناحية الجودة، خصوصا لمسلسل لا "أمثولة مركزيّة" فيه ويوصف بأنه الأفضل في تاريخ الدراما المصريّة على الإطلاق. مع ذلك لن يكون من السهل اعتباره نقطة فاصلة في تاريخ هذه الصناعة، ولكنه جاء في لحظة كان لا بد أن يكون فيها.(1)

   

كما في السينما فإن الدراما استطاعت أيضا أن تخطب ود الأدب عندما تكثّفت الأعمال التلفزيونية المقتبسة عن كتابات روائيّة، منها ما اشتهر وذاع صيته كمسلسل "ذات" و"موجة حارة" و"أفراح القبّة" و"واحة الغروب"، وهو اهتمام لا يمكن للعين أن تُخطئ مزاياه في ظل سيطرة الأعمال الكوميدية والاجتماعيّة المفتعلة على دراما رمضان، فالجودة التي ضمنتها هذه الأعمال إلى جانب أعمال لكُتّاب شباب بعينهم كتبوا للشاشة الصغيرة مباشرة، كانت في مكانة بعيدة عن تلك التي اعتاد عليها المُتفرج المصري والعربي. كانت المرحلة التي انتمى إليها "أفراح القبة" وما تلته من أعمال تُشبه "القفز وراء السور"، وإن كان السور هنا مُفردة فقيرة ولكنه في الواقع أسوار وحواجز ومتاريس ظلت تحكم شكل الإنتاج التلفزيوني الدرامي في مصر لعقود عدّة.

       

    

تُعلن هذه المرحلة عن نفسها وتكشف ما تحت خمارها بعد الأخذ بعين الاعتبار حالة الجدل التي خلقها مسلسل "سابع جار"، وإن كانت طبيعة النقاشات التي دارت حول ما تضمنه المسلسل ليس لها مكان هنا، إذ تفرّعت وأخذت أكثر من "سكّة" كان أبرزها ما سُمّيَ بأخلاقيات الطبقة الوسطى، ولكن أنبأت تلك الحالة عن ميلاد حقيقي للمرحلة كونه أحد الأعمال القليلة التي جازفت بالخروج من الموسم الرمضاني المُعتاد.

    

يُمكن لكل تلك الجهود التي سبقت "سابع جار" أن تُعتبر جسورا على طريق "القفزة" التي أصابت الدراما المصرية التي وُصفت "بالثورة الدراميّة" في مصر، ولم يستطع العديدون فصلها عن الثورة المصرية والجيل الذي خلّفته تلك المرحلة من حياة شبابها، الذي يعمل غالبيتهم اليوم على رأس تلك الأعمال، إخراجا وإنتاجا وتمثيلا وفي ورش الكتابة أيضا، وهم أبناء الجيل المنفتح أكثر على الإنتاجات التلفزيونية العالمية في "عصره الذهبي الثاني".

    

استطاع هؤلاء أن يكونوا أكثر جرأة من غيرهم عندما صارت أعمالهم تُعرض بكل بساطة ومن دون قلق باد على وجوههم خارج الموسم الرمضاني ضمن موجة من الأعمال التي سبقته بشجاعة تكثّفت خلال العامين الماضيين مع مسلسلات "الأب الروحي" و"اختيار إجباري" و"الشارع اللي ورانا" وغيرهم العديد من الأعمال التي عُرضت طيلة السنة على القنوات المصريّة بدلا من الاكتفاء بإعادة تدوير دراما رمضان حتى يصل رمضان الذي يليه.

       

    

ما قبل القفزة

يبدو من المنطقي التساؤل هنا من أين جاءت هذه الجُرأة ولماذا تأخّرت كل تلك السنين؟ بالنسبة إلى آيتن أمين، إحدى المُخرجات الثلاث لمسلسل "سابع جار"، فالدراما التلفزيونية تغيّرت ليس في مصر فحسب ولكن في العالم كله خلال السنوات الأخيرة، وهو ما دفع عددا من صُناع الأفلام إلى الاتجاه نحو إخراج أعمال تلفزيونية لأوّل مرة في تاريخهم، مثلما حدث مع شريف البنداري مُخرج مسلسل "الجماعة 2" وعمرو سلامة الذي ينوي العودة للتلفاز بمسلسل "طايع" في رمضان الحالي.(2)

       

لربما كان التغيير الذي تحدثت عنه آيتن متعلق بطبيعة المواضيع التي تُناقشها الدراما، الأكثر صلة بهواجس من يعيشون "دراما" الحياة اليومية، ولكن يبقى التغيير الأكبر هو ما يُمكن أن تصنعه الأداة أو الوسيلة التي تُصنع من خلالها تلك الأعمال، خصوصا مع بروز منتجين من خلفيات فنيّة، مثل محمد حفظي ومجدي الهواري، يعملون على رأس مسلسلات من هذا النوع، مُدركين ربما أنّ التلفزيون يسمح لهم بالتجريب بين الحين والآخر على عكس السينما التي لا تغفر لمن يريد التجريب.(3)

   

التطور الذي أصاب أدوات التصوير التلفزيوني وتقنياته خلق من الدراما مساحة موازية للسينما تتقاطع معها وتختلف أحيانا، ولكن هذا لا يعني دوما أن تكون صورة المسلسل مطابقة لصورة الفيلم، فالفرق واضح بالنسبة لآيتن أمين التي ترى الفيلم بعين المخرج بينما يكون المسلسل بروح كاتبه، في "سابع جار" كان الإنتاج على درجة كبيرة من التقشف، كما كان نجومه إما مجهولين بالنسبة للجمهور وإما أنهم قليلو الظهور مثل سارة عبد الرحمن، ومع بساطة الصورة والديكور والأزياء كانت النتيجة أكبر مما تخيّل صُنّاعه بكثير.

        

     
لو كان رمضان رجلا

لا يبدو رمضان كموسم للدراما التلفزيونية مشكلة بحد ذاته، فالعيش على "المواسم" هو سمة خاصة بكافة الأعمال الفنية المرئيّة في مصر، إما رمضان وإما الأعياد وإما إجازة الصيف/الشتاء، وهو ما يدعم الكثير من الأعمال أصلا ويضمن استمرار ظهور مثيلاتها، وبالتالي فإنه من غير المنطقي تحميل "رمضان" مسؤولية إفساد شكل الدراما، ولكن كل ما يحصل هو أنه موسم لا يُناسب كل الأعمال فحسب.

     

ليس سرا أن عادة "المط" والتمديد الفارغ في أحداث المسلسلات صار صفة أساسيّة فقط كي تتلاءم تلك الأعمال مع مدة عرضها في موسم رمضان حتى وإن لم يحتمل موضوع المسلسل هذا الطول. ومع انفتاح أكبر على أعمال عالمية وظهور منصات بث مباشر منزلية مثل "نتفليكس" فإن الأعمال المكونة من 10 إلى 12 حلقة قابلة لأن تُحقق نجاحات مدوية أيضا، خصوصا وأنها أتت في قالب زمني يلائم وضعها.

   

مع إعلان نتفليكس عن أول مشاريعها في المنطقة العربية بمسلسل "جن" الذي نتوقع رؤيته في عام 2019 فإن أملا جديدا يلوح في الأفق بتخلّي المنتجين عن عقلية الحلقات الثلاثين وإخراج الكاتب من صندوقه. ورغم أنّ بيع المسلسلات يجري غالبا قبل حتى البدء بتصويرها، فإن نجاحها في تحقيق هذا البيع يعتمد بشكل أساسي على سوق الإعلانات، وهو ما يعتمد بدوره على حجم نجوم المسلسل والمنتج والقناة التي تنوي عرضه وأمور أُخرى مثل توقيت العرض وطول الحلقة. لذا قد يعني وجود نتفليكس في المنطقة التخلي عن سطوة ظروف التسويق هذه مرة وإلى الأبد.

        

يُشكّل العرض خارج موسم رمضان مخاطرة كبيرة لأي منتج، لأن المُعلنين أنفسهم يثقون برمضان أكثر من غيره من المواسم، لذا يعتبر المنتج أحمد الجابري أن العرض في أي موسم غير رمضان هو مسألة خاسرة كونها تُدار بشكل عشوائي. أمّا في الولايات المتحدة مثلا فإن العملية التي يحكمها الإنتاج أيضا تعتمد كذلك على المُعلنين ولكنها أكثر تنظيما بمراحل.(4)

         

      

إن عملية الإنتاج التلفزيوني في الولايات المتحدة دقيقة جدا، ويصل الأمر إلى تقسيم ساعات النهار بناء على نوع الفئة المستهدفة من الجمهور، بالتالي توزيع البرامج والإعلانات حسب قيمتها وملاءمتها للجمهور المستهدف. فيما يمتلك المعلنون غالبا حق اختيار نوعية البرامج التي تظهر إعلاناتهم خلالها.

   

وإن مثل هذه الاتفاقيات قد تؤثر على بنية بعض المسلسلات بالكامل. وهذا ما يفسر الجرأة في طرح بعض القنوات لقضايا حساسة لكن دون مبالغة، في حين تعرض قنوات أخرى قضايا مشابهة مع مشاهد لا تناسب العائلة. وفي سياق آخر تتبع القنوات عددا لا نهائيا من السياسات من أجل الوصول إلى أكبر قدر ممكن من الانتشار الجماهيري. مثلا يتم بث مسلسل رئيسي يتبعه مباشرة مسلسل ضعيف، وذلك من أجل زيادة التركيز على المسلسل الثاني فيحقق المزيد من الأرباح.

 

بالتالي فإن مواعيد العرض تحكمها سياسة إنتاجية بحت، تشبه ما يحدث في "مدينة الإنتاج" قليلا. إذ يشكّل رمضان شجرة مثمرة وعلى منتجي الأعمال الدرامية التسابق لقطف ثمارها، لذا لا يُعدّ الخريف الأميركي موسما عبثيا. حيث يشكل موسم الجوائز التلفزيونية مثل Emmy (سبتمبر/أيلول) أو جوائز جمعية النقاد الأميركية (أغسطس/آب) وغيرها؛ نهاية الموسم التلفزيوني الحالي وبدء الموسم الذي يليه، وهو في الوقت نفسه يجعل من العام كلّه موسما تلفزيونيا لا ينتهي إلا في الخريف ومنه يبدأ.

   

مع ظهور كل تلك الأعمال التي عرضتها القنوات المصرية قبل رمضان، ومع وجود أول مشروع لنتفليكس في المنطقة، ودخول عدد من صُناع السينما والمنتجين الشبان إلى مجال العمل التلفزيوني، إلى جانب ظهور مسلسلات حظيت بإشادة كبيرة رغم أن حلقاتها لم تتجاوز طول الواحدة منها عشرين دقيقة مثل "أفراح القبة"، فإننا بلا شك نشهد اللحظة التي يبدأ فيها الإنتاج الدرامي بالقفز وراء موسم رمضان. رغم أنه من غير المُثبت أن تكون المشكلة متعلقة بالوسيط (المكان الذي تُبث عليه الحلقات سواء التلفزيون أو الإنترنت) ولكنه يتعلق أحيانا بحجم القناة ذاتها وتوقيت عرضها للمسلسل. سيكون العرض خارج رمضان فرصة لتجاوز التنافسية والاحتكار اللذين يسببان صعود أعمال على حساب أُخرى والاهتمام ببعضها على حساب الآخر، كما سيؤدي إلى ظهور أنماط مغايرة من الأعمال الدراميّة، ونوعية جديدة من المُعلنين والمُشاهدين.

أكثر الأفلام ترشيحا للأوسكار

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار