اغلاق
آخر تحديث: 2018/6/7 الساعة 15:51 (مكة المكرمة) الموافق 1439/9/24 هـ

انضم إلينا
يحيى الفخراني.. الفنان الذي وقعت في حبه شاشات التلفاز

يحيى الفخراني.. الفنان الذي وقعت في حبه شاشات التلفاز

مها فجال

محررة فنية
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
 

"الواحد لازم يعرف بردو هو معتمد على إيه في وصوله للمتفرج. إيه اللغات اللي بيجيدها عشان يصل إلى ذهن وعقل ووجدان المتفرج، وأنا معنديش لغات الوسامة اللي توصلني له".
(1)

 

قال يحيى الفخراني تلك الكلمات في مقابلة تلفزيونية أجراها في بداياته، وربما لم يمتلك بالفعل لغة الوسامة، لكنه تمكن بدلا عنها من عشرات اللغات الأخرى التي أوصلته إلى قلوب المشاهدين حيث احتل مكانة خاصة، منذ أدواره الأولى، وإلى اليوم.

 

فبجسد مُمتلئ وابتسامة تكاد تسع الدنيا، ظهر الفخراني أمام الناس على الشاشات؛ ولم يكن أحد حينها قد اعتاد بعد أن يلعب الأدوار الأولى ممثلون من غير ذوي الجسد الممشوق والعبوس المثير. لكن يحيى وبجواره عشرات الممثلين الآخرين الذين لم تطابق أشكالهم مواصفات النجم القياسية استطاعوا بفضل الموهبة وحدها أن يكسروا تلك الأنماط ويضعوا معادلات مختلفة كثيرا للنجاح لم يحتل الشكل الخارجي للمرة الأولى فيها الصّدارة. (2)

 

أما نجاح الفخراني الخاص، فقد وقف وراءه شغف عميق حيال ما يفعل، ومتعة شخصية يجدها حالما يخلع عنه ذاته على خشبة المسرح أو أمام الكاميرات، ويستحضر ذاتا أخرى مختلفة عنه يجسدها داخل عالمها المختلف دائما عن عالمه. فقد كان الحب والحب وحده هو المحرك الرئيس لحياته المهنية في التمثيل والتي استمرت قرابة الخمسين عاما.

 

"هو الغرض إيه؟ إنك تنبسط". قالها الفخراني في أحد الحوارات، وظلت تلك الجملة بمنزلة اختصار لفلسفته الشخصية في التمثيل. فعندما يُخيّر بين المال في مقابل عمل هابط، وأداء دور جميل في لقاء أجر أقل، كان يتخذ دائما الخيار الثاني، باستثناء مرة واحدة سنتعرض لها بعد قليل اتخذ فيها الخيار الأول وتعلّم من بعدها ألا يسلك ذاك الطريق مجددا أبدا. ولهذا، يبقى إلى الآن واحدا من أقرب الممثلين إلى قلوب الجماهير التي لا تكن له سوى كل حب واحترام. (3)



ميلاد الفن والحب على خشبة المسرح
قبل أن يصبح يحيى الفخراني نجما مشهورا، لم يكن سوى ممثل هاوٍ في مسرح الجامعة لم يجن من التمثيل سوى المتعة، وحسنا، بعض الأشياء الأخرى، مثل لقاء حب حياته في الكواليس. ومنذ ذلك الوقت، ظل يقترب من الفن بروح الهواة التي صقلت موهبته وحمته من الانحدار وراء البحث عن الشهرة والمال.

 

لا توجد صور كثيرة ليحيى الطفل، لكن تظل واحدة مميزة للغاية. يقف في تلك الصورة على اليمين حاملا أوكورديونًا وسط مجموعة من الأطفال فيما يبدو درسا موسيقيّا. وبالرغم من أن والده لم يكن بالغ الثراء، وبالرغم من أن الطبقة الأرستقراطية غالبا هي من حرصت وحدها على تعليم أبنائها الموسيقى في ذلك الوقت، فقد ظل الأب لا يبخل على ابنه الوحيد بأي شيء قد ينمي عنده موهبة أو مهارة ما. ومن ثم، فقد بدأ صقل حس يحيى الفني منذ سنواته الأولى. (4)

 

لا نعرف الكثير عن الفترة ما بين طفولته ودخوله الجامعة، لكن من الأكيد أنه كان طالبا مجتهدا، وهو ما ساعده على اجتياز اختبارات الثانوية العامة بتفوق كان السبب بعدها في التحاقه بكلية الطب. وفي مسرح تلك الكلية، كان أن ولد شغفه بالتمثيل ووجد من ستكون رفيقة حياته منذ تلك اللحظة وإلى الآن.

 

ففي ذات مساء، وقت عرض مسرحية لبرنارد شو، حدث خطأ فني أثناء العرض غضب يحيى على إثره وقرر عدم الاستمرار في التمثيل تلك الليلة. وهنا تدخلت زميلته لميس جابر، التي هدأت من ثورته وأقنعته بالعدول عن رأيه من أجل المشاهدين. وبالفعل اقتنع يحيى وعاد إلى الخشبة، ليمر العرض بسلام وتضج القاعة بالتصفيق بعده، وتولد في تلك الليلة أول مشاعر الحب بين يحيى الفخراني ولميس جابر.(5)

 

يحيى الفخراني في "الملك لير"


شارك يحيى بعدها في عشرات الأعمال الكلاسيكية من النصوص العربية والأجنبية، فأدى على خشبة المسرح القومي مسرحيات كثيرة منها "مدرسة الأزواج" لموليير، و"البهلوان" ليوسف إدريس في بداياته، ثم عاد للمسرح مجددا في 2002 بشخصية "الملك لير" في رائعة شكسبير، وأدّى مؤخرا دور البطولة في مسرحية "ليلة من ألف ليلة"، وبالرغم من كل تلك الأعمال، فإن شهرته الحقيقية لم تبدأ سوى مع التلفاز. (6)

 

الدراما التلفزيونية.. من الصوفي إلى الشيطان
لم يكن من الممثل الصاعد حينها يحيى الفخراني سوى الارتياع عندما رشحه المخرج محمد فاضل لدور البطولة في مسلسل "صيام صيام" سنة 1981. فقد كان البطل "صيام عبد الحميد" فتى متعدد العلاقات تقع في حبه البنات ويطلبن وصاله، الشيء الذي تخيل الفخراني كونه مضحكا وغير واقعي بالمرة نظرا لعدم امتلاكه الوسامة المطلوبة. لكنه في النهاية قام بالدور وخابت توقعاته تماما عندما نال المسلسل نجاحا مُدويا.(7)

 

يحيى الفخراني في "صيام صيام"


وقبلها بعامين، كان الفخراني قد مثّل دور الابن الأكبر لـ "بابا عبده" في المسلسل الشهير "أبنائي الأعزاء شكرا"، ليضعه هذان الدوران على أول طريق الشهرة في عالم التلفزيون الذي سيقتحم بعده، ولفترة قصيرة جدا، عالم السينما. فقد ظلت طوال تلك السنوات العلاقة التي تجمع الفخراني بالتلفاز حميمة. فعبر شاشته، مثّل مجموعة من الأدوار التي لا تُنسى، وواظب لسنوات طويلة على تقديم عمل جديد بشكل دوري كل عام، لتنال أغلب أعماله الاحتفاء النقدي والجماهيري في آن.

 

إن كانت هناك "وصفة" معينة لنجاح يحيى الفخراني في مشواره الطويل مع التلفاز، فستكون تلك الوصفة ضد وصفات معظم نجوم الدراما التلفزيونية الآخرين. فعلى عكس الكثير الآن، يبتعد الفخراني تماما عن أي عمل كُتِب خصيصا له، ويقول عن هذا: "لو العمل اتكتب ليحيى الفخراني أنا أول واحد هيتأذي. عملت شخصيات كتير أوي، فأي واحد هيكتبلي هيجيب من هنا ومن هنا مش هيجيب أي حاجة جديدة. فمين أول واحد هيتأذي؟ أنا، بعدين هو طبعا". (8)

 

ولهذا، نجد تنوعا شديدا في الأدوار التي أداها على التلفاز، وسببه في الأساس عدم التزامه بفريق عمل معيّن يعمل معه على الدوام. فوقفت كل شخصية من الشخصيات التي أدّاها فريدة ومميزة عن الأخريات، يؤدي دور طفل صغير في جسم رجل كبير في "يتربى في عزه"، بعد أن كان قد أدى دور الرجل الصعيدي الصارم في "الليل وآخره"، يلعب دور الأجنبي الذي يعتنق الإسلام ويدخل في طرق الصوفية في "الخواجة عبد القادر"، ثم يأتي بعدها بعدة سنوات ليقدم دور الشيطان نفسه في "ونوس".

 

يحيى الفخراني في "الخواجة عبد القادر"


وقد كان من السهل جدا أن يحصر الفخراني نفسه في عالم أسامة أنور عكاشة بعد النجاح الشديد الذي لاقاه في دور "سليم البدري" في "ليالي الحلمية"، خاصة أن عكاشة قد عرض عليه بعدها مباشرة دور حسن في مسلسل "أرابيسك". لكن الفخراني رفض الدور حتى لا يؤطر نفسه في أعمال مؤلف بعينه وقدم بدلا عنه في العام نفسه مسلسل "لا" ذا القصة المختلفة تماما من تأليف مصطفى أمين وسيناريو وحوار عاطف بشاي، ليلقى مجددا نجاحا كبيرا. أما دور البطولة في "أرابيسك"، فآل إلى صلاح السعدني، الذي وبالرغم من أعماله الكثيرة، يظل "ليالي الحلمية" و"أرابيسك" وحدهما عمليه المميزين. فعلى عكس الفخراني، كان قد وقع أسيرا لنصوص عكاشة وفشل في تجاوزها. (9)

 

وبجانب حرصه على عدم تكرار نفسه، يقترب الفخراني من اختياراته الفنية بتأنٍ شديد وحرص يفرضه عليه حسه الفني، فلا يُقدم على أي دور لا يشعر بالألفة معه والرغبة في تقديمه للجماهير، بغض النظر عن أي حسابات أخرى، الأمر الذي أدى إلى نجاحه الشديد في التلفاز. أما السينما، فكان وضعها مختلفا بعض الشيء.

 

السينما: تركها في قمة نجاحه
يقف يحيى الفخراني في موضع المرارة من إحدى تجاربه السينمائية التي لا يفتأ يتحدث عنها وعن الأثر السيئ الذي تركته في نفسه في الكثير من حواراته، فيروي عنها قائلا: "هناك حكاية لي مع موزع سينمائي كبير في بداية مشواري الفني لم أنس حكايتي معه حتى الآن، قال لي: "أعمل الفيلم ده، أنا عارف إنك عايز تعمل أفلام راقية، لكن أنا مش هاقدر أعمل لك ده قبل أن تصبح نجما للشباك"، وقبلت فيلمه الذي انتمى لأفلام المقاولات للأسف ولم ينجح دون ذكر اسمه".(10)

 

وفي موضع آخر يقول: "بعد ما كلمني الموزع، لقيت المنطق بتاعه صح، لكن كم من منطق بيبان صح وهو مغلوط. صُحاب رأس المال المهم عندهم يكسبوا من وراك، مش مهم يحرقوك أو يضيعوك. فلما عملت الفيلم، أيقنت إنه إنشاله ما مثلت لو هعمل دور مش عاجبني. لأنه جالي إكتئاب فظيع وكرهت الدنيا بعدها، وأنا مش عايز أعمل حاجة وابقى تعيس فيها أو أبقى متضايق وأنا بعملها. أكبر مكسب للفنان هو لحظات الأداء، حتى اللي بعد كده، وحتى الأداء مش مكسب". (11)

 

تركت تلك التجربة أثرا لم ينمحِ في خياراته الفنية بعدها، فظل دائما وأبدا يبحث عن متعته الشخصية في أي دور يؤديه، ويشارك فقط في الأعمال ذات القيمة الفنية العالية. فبعد ذاك الفيلم الهابط، لعب دور البطولة في فيلم "خرج ولم يعد" لمحمد خان -أحد أفضل مئة فيلم في السينما المصرية على الإطلاق- وفاز عنه بجائزة أفضل ممثل في مهرجان قرطاج السينمائي عام 1984. وشارك في العام التالي في فيلمي "الكيف" و"إعدام ميت" لعلي عبد الخالق، كما قام بإنتاج فيلم "عودة مواطن" لمحمد خان أيضا والذي لعب فيه دور البطولة. وفي 1993، قام بدور البطولة أمام فاتن حمامة في فيلم "أرض الأحلام" لداوود عبد السيد، كما كان من المفترض أن يلعب هو دور ابن رشد في فيلم "المصير" ليوسف شاهين لكن نشأت خلافات بينه وبين المخرج جعلته يرفض الدور ليؤول في النهاية إلى نور الشريف.

 

يحيى الفخراني في "خرج ولم يعد"


ولم تقتصر أعمال يحيى الفخراني في السينما على المخرجين من ذوي الأسماء الكبيرة، فقام بالبطولة في أفلام أولى لمخرجين شباب في الثمانينيات والتسعينيات. فمثّل في فيلم شريف عرفة الأول "الأقزام قادمون" عام 1986، وفيلم سعيد حامد الأول "الحب في الثلاجة" في 1992، وفيلم ساندرا نشأت الأول "مبروك وبلبل" عام 1998، والذي كان آخر ما مثّل في السينما.

 

ترك الفخراني السينما وهو في قمة نجاحه فيها، حتى اتهمه الكثيرون بالجنون. لم يعد يجد فيها أدورا تثير اهتمامه، وشعر ببداية تدني مستوى الأعمال المعروضة وتفضيل المنتجين الثبات في مناطق آمنة بلا أدنى استعداد للابتكار أو التجريب، وقد قال عن هذا في أحد حواراته: "السينما المصرية طول عمرها للنجوم الشباب، وتخضع "للموضات"، والموضة لا تجعلك حرا فيما تقدمه، وتجعل المنتج يقدم "رجلا ويؤخر الأخرى"، إذا تحمس لفيلم مختلف عن السائد، لأن رأس المال جبان، لا يغامر".

 

وعند سُؤاله عما قصده بالموضات السينمائية قال: "بمعنى من يقطع أو يشتري تذكرة في شباك التذاكر؟ في الأجيال السابقة لنا كانت طبقة "الباشوات والهوانم"، ثم "الأساتذة والموظفين"، فكانت السينما تعبر عن هؤلاء لأنهم الذين يقطعون تذكرة في شباك التذاكر، وعندما لمعت وبدأت مرحلة بطولاتي السينمائية كانت طبقة الحرفيين والعمال هي المسيطرة، فقدمنا أفلاما تخاطبهم، وبعد جيلي جاءت موضة "الشباب والطلبة" فصنعت نجوما جددا، وقدمت ما يلبي احتياجات الطلبة، وأخيرا موضة الجمهور الحالي، وبالتالي أصبحت أفلامنا كما نراها الآن".(12)

 

ربما خسرت السينما المصرية الكثير بابتعاد صاحب موهبة فائقة مثل يحيى الفخراني عنها، لكنه على الأقل عوّضنا بوجوده الدائم والمستمر على شاشات التلفاز في رمضان، فيقدم عملا كل عامين مؤخرا، وقبلها واظب على تقديم عمل كل عام؛ بعض تلك الأعمال لم يكن ناجحا، وبعضها جاءت مخيبة للآمال، لكن يظل الغالب الأعم من أعماله يقع في ناحية المسلسلات التي حُفرَت في ذاكرة الجماهير الجمعية وصارت بالنسبة إليهم حكايات لا يمكن أن تُنسى. 

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار