اغلاق
آخر تحديث: 2018/7/1 الساعة 15:46 (مكة المكرمة) الموافق 1439/10/18 هـ

انضم إلينا
فيلم "كارما".. الفقير كما تحب أن تصوره الدولة

فيلم "كارما".. الفقير كما تحب أن تصوره الدولة

فريق التحرير

مجموعة محررين
  • ض
  • ض

شخصان مخالفان لبعضهما البعض في الأصل والدين والطبقة، يرى الواحد منهما حياة الآخر في غفوة المنام، هذا هو الخط الأساسي الذي يدور حوله فيلم خالد يوسف الأخير "كارما". أما الأول، فهو "أدهم" رجل الأعمال المسلم فاحش الثراء الذي يسكن قصرا فارها، والثاني هو "وطني" المسيحي الفقير القاطن في عشة داخل إحدى العشوائيات.

 

ليست فكرة الفيلم، على غرابتها، بالجديدة، فقد سبق وتناولها المخرج البلجيكي "آلان بيرلنر" في فيلم "شغف العقل" (Passion of Mind) عام 2000، والذي يدور أيضا حول امرأتين ترى كل واحدة منهما الأخرى في حلمها. قام خالد يوسف في "كارما" باستيحاء روح الفكرة ونقلها إلى محيط آخر، بحيث يكون المحرك الأساسي للحبكة هو ما بين شخصيتيه، أدهم ووطني، من مفارقات؛ وخلال تلك المفارقات، جاءت محاولة يوسف للنفاذ إلى فكرة فيلمه الأساسية حول الهوة الشاسعة التي تفصل أغنياء مصر عن فقرائها، وحول مدى تقبل المجتمع والآخرين لتخلي شخص ما عن ديانته واعتناق أخرى. فهل يا تُرى نجح "كارما" في مناقشة تلك القضايا بالعمق الذي تستحق؟

 

سياحة العشوائيات

   

صُكَّ مُصطلح "سياحة العشوائيات" (Slum Tourism) في نهايات القرن التاسع عشر في بريطانيا وأميركا، ويقصد به زيارة الأثرياء للأماكن الفقيرة ليروا كيف وأين يعيش الفقراء. ما زالت سياحة العشوائيات قائمة إلى الآن، يلعب فيها الفضول الدافع الأساسي لميسوري الحال حتى يشاهدوا أسلوب معيشة مختلفا تماما عن معيشتهم، وبالطبع ليشعروا ببعض الرضا عن حياتهم وأنفسهم. ففي هذا النشاط، لا مكان للتعاطف الحقيقي أو محاولة المساعدة، فقط يصبح الأقل حظا وسيلة تسلية مختلفة قليلا لأبناء الطبقة البرجوازية. (1)

  

وفي فيلمه "كارما"، يقدم خالد يوسف صورة كاركتورية للفقراء، لا تجعل منهم أي شيء أكثر من مادة لاستدرار الشفقة المصطنعة من مشاهديه ميسوري الحال -تماما كما تفعل سياحة العشوائيات-، دون أن يغفل بالطبع عن رسم شخصية الفقير رسما ملائما لمواصفات الدولة وإعلامها الرسمي القياسية.

   

يظهر الفقير في الفيلم كسولا، على قدر متواضع من الذكاء، والأهم من ذلك أنه مهادن ومسالم بلا أي نية للغضب أو الثورة على الحكومة. فسبب ضيق حال "وطني" وعائلته هو بطالته التي اختارها بنفسه عندما آثر أن يقضي كل نهاره في الحفر والبحث عن كنز وهمي لا وجود له سوى في خياله بينما تتضور ابنته جوعا ولا تجد والدته ثمن العلاج.

  

وعندما تتدخل الزوجة في محاولة جني القليل من المال، لا يكون تدخلها ذاك سوى عن طريق التساهل قليلا مع أحد بلطجية الحي في لقاء بعض الجنيهات. لا يخطر في بال "وطني" ولو لمرة أن عليه أن يعمل، ولا تمر الفكرة نفسها في عقل "مدينة" أنه ربما لو عملت هي الأخرى ستستطيع توفير النقود بطريقة أقل مهانة.

الفقراء في "كارما" كُسالى، يتخذون الطريق الأسهل دائما، لا يعملون ولا يتوقفون عن التذمر، ولا ينقذهم من قصورهم الذهني هذا سوى "أدهم" الوافد من أرض الأثرياء الأذكياء، الذي يعلمهم العمل ليتمكنوا خلال فترة قياسية من جني ما يكفي من المال للذهاب إلى مطاعم فخمة. وبهذا، يُلقي الفيلم ومخرجه مسؤولية الفقر بشكل واضح وبلا أي مواربة على الفقراء أنفسهم دون التعرض ولو بشكل هامشي للوضع الاقتصادي الطاحن الآخذ في دفن الملايين أكثر وأكثر تحت خط الفقر رغم كل محاولاتهم في المقاومة والتشبث بحياة شبه كريمة.

    

    

بتلك السطحية نفسها وعدم الواقعية تأتي الحوارات في جزء "وطني". فلا حديث له ولعائلته سوى عن الفقر، في كل مشهد وكل لقطة لا بد أن ينعطف الحوار بشكل ما ليصبح عن الفقر. فتختم نرجس والدة وطني حديثها معه في أحد المشاهد والذي بدأ أساسا حول علاقته الحميمة مع زوجته بجملة: "الجنس زاد الفقراء". وعندما تخبره نرجس في مشهد آخر أنها دعت له القديس مارجرجس حتى يصرع الجني الراقد في جسده، يخبرها أنه من الأولى لو دعته أن يصرع الفقر.

  

مع كل ذلك، دأب المخرج أيضا على تصوير حياة فقراء فيلمه وكأنهم جزء من أحد إعلانات التبرعات التي لا تهدف سوى لاستدرار دمعة أو اثنتين من أعين المشاهدين بلا تعاطف أو فهم حقيقيين. ففي أحد المشاهد، يصور المخرج ابنة وطني تطلب منه طبقا من البليلة، وبعد أن يشتريها وتهم هي بالأكل، يكتشف البائع أن نقود وطني مقطوعة. في اللقطة التالية، نجد "كلوز-أب" على فم الفتاة المفتوح على آخره والملعقة المملوءة بالأكل تكاد تمس شفتيها، ثم تنسحب الملعقة ويغلق الفم ويعود الطبق مرة أخرى للبائع وفي الخلفية تعلو موسيقى حزينة. وفي مشهد موت نرجس والدة وطني، لا يبكي أو يصرخ حينها سوى لأنه ليس معه من المال ما يكفي لدفنها.

  

تلك المباشرة والخطابية تسيطر على الفيلم من أوله لآخره وتحرك كل عناصره، فتعلو نغمته الخطابية نصا وحوارا وصورة وتخفت بقية العناصر الفنية. يكتب الناقد طارق الشناوي عن هذا ويقول: "لو أردت أن تعثر على تعريف عملي للمباشرة في العمل الفني، أحيلك إلى أفلام خالد يوسف، بداية من "العاصفة" 2001 حتى "كارما" 2018، الفكرة التي يقدمها هي تعبير عن موقف يعيشه، إلا أنه يظل بداخله إحساس مسيطر وهو أن الجمهور ربما لن تصله، أو أن عليه أن يكون مباشرا ويرتدي زي الأستاذ ويلقي عليهم حكمته، غالبا يسيطر على أفلامه الصخب الدرامي والموسيقي، وهكذا كل شيء يبدو صارخا وصاخبا وعلى بلاطة، وكأنه بصدد حصة سياسية، وأحيانا اجتماعية يكرر فيها المقرر".(2) لكن يظل مع كل هذا الجزء الثاني من الفيلم هو الأكثر فجاجة في مباشرته، وفيه يعيش أدهم كوطني ووطني كأدهم.

    

  

     

فقدان الاتجاه

لطالما كانت فكرة الشبيهين اللذين يتبادل كل منهما حياة الآخر ذريعة لتناول فني عميق يطرح قضايا تتراوح ما بين الفلسفي والاجتماعي والنفسي. ونجد لهذا أمثلة كثيرة، فاعتمد جوزيه ساراماجو على تلك الفكرة في رواية "الآخر مثلي"، ودوستيوفسكي في "الشبيه"، ومارك تواين في "الأمير والشحاذ". لكن المخرج خالد يوسف قرر أن يُضيّع كل إمكانات الفكرة الخصبة وينجرف بدلا من هذا وراء الخطابات العالية والوعظ المباشر.

 

لتصبح أهم المفارقات التي يقوم عليها هذا الجزء هي كون أدهم المسلم يعيش كوطني وسط عائلته المسيحية، ووطني المسيحي يأخذ مكان أدهم ويبقى محاطا بالمسلمين. وهنا، ودون استدعاء منطق الأحداث لهذا، يفاخر كل منهما بديانته الأصلية بالرغم من أننا لم نشاهد أيا منهما يفعل أي شيء يمت للدين بصلة في الجزء الأول. فيضع وطني أيقونات مسيحية على مكتبه، ويصوم أدهم نهار رمضان في الحارة المسيحية. وعندما يُقابَل الاثنان بالاستنكار من محيطهما، تصبح تلك الفرصة المثلى لترديد خطابات محفوظة في الحوار حول عدم وجود فارق بين مسلم ومسيحي وكون الجميع سواسية أمام الله.

  

يقول طارق الشناوي في نقده لـ "كارما" إن خالد يوسف أضاع بوصلة الجمهور في فيلمه الأخير، وربما لا يوجد جزء يوضح ذلك الضياع أفضل من جزء المفارقة الأخير هذا. فمنذ سنوات طويلة والكل بالفعل مدرك أن لا فارق بين مسلم ومسيحي، فقد ساوت الدولة بين الجميع وضغطت على الكل بقرارات اقتصادية طاحنة لم تفرق بين أحد وآخر. (3)

  

وعندما تطرق الفيلم إلى المفارقة التي قد تشغل الناس الآن، وهي المفارقة الطبقية، لم يلجأ لمواجهتها سوى إلى الحلول الفردية. فيشن وطني الذي يشغل مكان أدهم حربا على الفساد والفاسدين ولا يستبعد منها حتى نفسه، كما يقوم بالتبرع بالملايين للفقراء والمحتاجين. بينما يقوم أدهم الذي يشغل مكان وطني بالعمل وتعليم مدينة حرفة تجلب لهما النقود.

  

وهكذا، فالفقر والفساد وسوء توزيع الثروات في تناول خالد يوسف هي كلها مشاكل أفراد لا مشكلة مجتمع ودولة، ويأتي حلها أيضا من عند الأفراد بدون أي إشارة ولو من بعيد إلى مسؤولية الحكومة عن أي من هذا. يبقى علينا أن نتساءل إذًا، لماذا يا تُرى سحبت الرقابة تراخيص عرض الفيلم في بادئ الأمر وهو يتبع رؤية الدولة وإعلامها حرفا حرفا؟[1] 

 

وبالإضافة إلى الوقوع في فخ المباشرة التي تظهر بداية من أسماء الشخصيات -"وطني"، "مدينة"، "كارما"- جاء بناء السيناريو مرتبكا وفي كثير من الأحيان غير مُقنع. فيُدخِل خالد يوسف -الذي كتب الفيلم بالإضافة إلى إخراجه- الكثير من الخطوط الفرعية ولا يتقن بناءها، مثل خط الفتاة التي تقع في حب أدهم، ثم، وبلا أدنى تمهيد، يقوم بخنقها، أو مثل نهاية الفيلم التي جاءت أيضا خالية من المنطق، حيث تعود الفتاة للحياة فجأة، ويكشف[2]  الطبيب النفسي فجأة أيضا أن أدهم كانت له ابنة اسمها "كارما" ماتت في حادث وتأثر بشدة لموتها ما كان السبب في أحلامه الغريبة.

      

     

تظل مشاكل السياسة والمجتمع لها حضورها الطاغي في أفلام خالد يوسف، وإن كان تناولها يأخذ دائما اتجاها بعيدا عن الفن وينحدر ناحية الخطابة. ربما كان السبب وراء هذا هو خلفية يوسف نفسها، وكونه قد دخل الفن من باب السياسة في الأصل. فقبل أن يصبح مخرجا، كان قياديا في الحركة الطلابية في الثمانينيات، وهو ما هيأ له مقابلة شخصيات ثقافية مرموقة كان منها يوسف شاهين الذي أدخله عالم السينما. ولم يعتزل خالد يوسف منبر الخطابة، لا على المستوى المجازي حيث ظلت دائمة الحضور في أفلامه، ولا على المستوى الفعلي، فسرعان ما عاد للسياسة مجددا بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني، ويشغل الآن منصب نائب برلماني؛ وقد جاءنا فيلم "كارما"، بتبنيه خطاب السلطة وحشوه بالرسائل الموجهة، بالضبط كفيلم سينمائي يقوم عليه عضو مجلس الشعب وترعاه هيئة الشؤون المعنوية التي ذُيلت التترات بشكر خاص لها. (4)

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار