اغلاق
آخر تحديث: 2018/7/4 الساعة 11:31 (مكة المكرمة) الموافق 1439/10/21 هـ

انضم إلينا
خمسة أفلام فلسفية تناولت أهم أسئلتنا في الحياة

خمسة أفلام فلسفية تناولت أهم أسئلتنا في الحياة

مها فجال

محررة فنية
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع


قديما، سُمّيت الفلسفة بـ "أُم العلوم"، وذلك يرجع إلى أن أهم العلوم الأساسية انبثقت عنها وتفرّعت منها. لكنها أيضا أثرّت بالفن وتأثرت به بشكل كبير؛ فأتت بعض من محاورات أفلاطون على هيئة قصصية، وصاغ الكثير من فلاسفة العصر الحديث، مثل سارتر وكامو، فلسفتهم في شكل مسرحيات وروايات.

 

أما العلاقة التي تجمع ما بين الفلسفة والسينما فهي بذات العمق أيضا؛ فالسينما، باعتبارها آخر الفنون ظهورا وأكثرها اتساعا في الأساليب، استطاعت أن تحوي وتضم ما سبق وتناولته غيرها من الفنون ولكن بطريقتها الخاصة جدا؛ فنجد الحبكة الأساسية في بعض من أعظم الأفلام هي عبارة عن طرح لأحد الأسئلة الفلسفية التي أرّقتنا منذ القدم، والتي يصبح مناقشة الفيلم أو محاولة تحليله بدون الرجوع إليها مستحيلا. وفيما يلي، سنقدم بعضا من تلك الأفلام مع تناول لأهم الثيمات الفلسفية التي ناقشتها.

 

"السيد نوبودي".. هل هنالك فارق حقيقي بين خيار وآخر؟

يقف الفتى الصغير "نيمو" ذو تسع السنوات على رصيف السكة الحديد، دون أن يعلم بعد إن كان في الدقائق التالية سيصعد على متن القطار مع أمه أم سيبقى هنا مع أبيه؛ لكن على أي حال، سيكون عليه أن يتخذ القرار سريعا.

  

 

الخيارات وما نتخذه من القرارات والسكك الموازية التي تنبني عليها الحياة هي الثيمة الأساسية لفيلم "السيد نوبودي". ففي الفيلم، يواجه نيمو مفترقات طرق كثيرة، وفي كل سكة يأخذها، تمتد أمامه حياة مختلفة كثيرا عن تلك التي كان سيعيشها لو كان قد اتخذ سكة أخرى؛ نعرف هذا لأن الفيلم يعرض لنا بالتفصيل حيواته الموازية عند كل خيار.

  

ربما هذا هو أجمل ما في الفيلم، أو في الخيال عامة، أنه يُرينا ما هو مستحيل علينا كبشر محكومين بقواعد الفيزياء أن نراه. فلا أحد منا يستطيع أن يُرجع الزمن للوراء ويتخذ خيارا آخر ليرى كيف كانت لتسير حياته حينها؛ نحن أسرى بشكل تام لخياراتنا التي لا رجعة فيها.

  

لكن في "مستر نوبودي" نجد بعض العزاء عن عجزنا هذا، ففي كل الحيوات الموازية التي تتفرع من كل خيار مختلف يتخذه نيمو، لا يجد نيمو في نهاية حياته أن أحدا منها كان أفضل من الآخر، كلها تساوت مع بعضها بعضا وحملت له ذات القدر من السعادة ومن الشقاء. يقول نيمو: "كل طريق هو طريق صحيح، كل شيء كان يمكن أن يكون أي شيء ويحتفظ بالقدر نفسه من المعنى".(1)(2)

 

أوديسة الفضاء.. هل يمكن أن يتجاوز الإنسان نفسه؟
 

"الإنسان سيتم تجاوزه، فهو حبل معقود بين الحيوان والإنسان الأعلى، حبل فوق هاوية؛ ما هو عظيم فيه هو كونه جسرا لا هدفا، معبرا وصيرورة اندثار"

(هكذا تحدث زرادشت، فريديريش نيتشه)

 

في زمن موغل في القدم، تتصارع مجموعة من القردة على مورد طعام، وفي لحظة ستغير التاريخ بأكمله، رفع أحدهم للمرة الأولى عظمة واستخدمها كأداة، كسلاح. وبعد هذا بأربعة ملايين عام، في سياق تطور مطرد للأدوات، صارت العظمة قمرا صناعيا يطوف الفضاء ويحمل مزيدا من الأسلحة.

   

  

تلك هي اللقطات الأولى من فيلم ستانلي كوبريك العظيم "أوديسة الفضاء" (2001: Space Odyssey)، والتي تلعب في خلفيتها مقطوعة "هكذا تحدث زرادشت" لستراوس. نجد هكذا إشارة واضحة في شريط الصوت يعضدها شريط الصورة على فلسفة نيتشه، والتي رأت في الإنسانية رحلة تسير داخل خط مستقيم في صيرورة أخذت الإنسان فيما سبق من الهمجية الحيوانية إلى شكله الحالي، وستقوده مع عمله هو على ذلك إلى تجاوزه لنفسه، إلى الإنسان الأعلى. (3)

  

نرى تلك الصيرورة منقسمة في الفيلم إلى أربع مراحل: من الحيوان إلى الإنسان، ومن الإنسان إلى كائنات غير أرضية، ومنها إلى أبعاد مجاوزة، ثم في النهاية الوصول إلى الإنسان الأعلى في آخر لقطات الفيلم، مُمثلا في رضيع يبرق كنجمة وينظر إلى الأرض من بعيد. (4)

  

تلك هي إحدى أبرز الثيمات الفلسفية التي تناولها الفيلم، والذي لم يخلُ من ثيمات أخرى بعضها سابق لعصره. ففي شخصية الحاسوب "هال" ومحاولته قتل أفراد السفينة الفضائية جميعا، نجد إحدى أولى المعالجات السينمائية لفكرة الذكاء الصناعي والخطر الذي يمثله على البشر. يقول مارتن سكورسيزي عن سينما ستانلي كوبريك: "مشاهدة فيلم لكوبريك هو كالصعود إلى قمة جبل ورؤية الأفق، تنظر حولك وتفكر، كيف استطاع أحدهم أن يبلغ مثل تلك الذُرى؟".

  

سولاريس.. ما الذي يجعل أيا منا إنسانا؟

 

بالرغم من كون فيلم ستانلي كوبريك "أوديسة الفضاء" (2001: Space Odyssey) أحد أعظم الأفلام على الإطلاق بشهادة النُقاد ومحبي السينما، فإن المخرج الروسي أندريه تاركوفسكي لم يشعر حين رآه سوى بسخط شديد؛ ففي رأيه، لم يكن سوى فيلم مُدعٍ، جامد، خالٍ من المشاعر. لذا، فبعدها بأربع سنوات، صنع تاركوفسكي تحفته "سولاريس" (Solaris)، الذي حاول فيه تقديم تناول مغاير وأكثر عمقا وحساسية لأفلام الخيال العلمي.

 

في سولاريس، يكون على عالم النفس كريس كيلفين أن يذهب إلى سفينة فضاء يسكنها منذ سنوات طويلة مجموعة من العلماء الذين استشرى فيما بينهم مرض نفسي مجهول يجعل أحدهم يُقدم على قتل نفسه. يسافر كيلفن إليهم ليدعوهم إلى العودة، لكن، فور وصوله إلى هناك، يجد هو نفسه ما يربطه بالمكان ويجعله غير قادر على الرجوع.

 

لم يكن المحيط "سولاريس" الذي يدرسه العلماء مجرد مساحة من سوائل تجري، بل كيان عاقل يمتص مشاعر البشر وخطاياهم الماضية وذنوبهم ويعيد خلقها من جديد. ليبقى السؤال: هل تلك النسخ التي تعيد توريط العلماء في مشاعر وقصص دفنوها منذ زمن بشر حقيقون؟ وما الذي يجعل أيا منّا إنسانا أصلا؟ ما الواقع؟ وكيف نفرق بينه وبين خيالاتنا وتصوراتنا عنه عندما يعيد كيان مجهول خلقه أمام أعيننا؟ (5)

 

حاز فيلم "سولاريس" على جائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان عام 1972.

   

"ربيع، صيف، خريف، شتاء.. وربيع".. هل نحن أسرى لدورة الزمن؟

 

في التصور البوذي وديانات الشرق الأقصى عامة، لا يسير الزمن في مستقيمات بل في دوائر؛ حيث كل مرحلة من حياتنا هي نقطة في دائرة ستتكرر إلى ما لا نهاية، ولا يتبع الموت بعث وحساب، بل تسكن الروح كائنا آخر وتعيد فيه كرة الحياة.

 

داخل تلك الدائرة، تدور أحداث الفيلم الـكوري "ربيع، صيف، خريف، شتاء... وربيع" (Spring, Summer, Fall, Winter... and Spring) للمخرج كيم كيدوك. ففي البداية، يجد راهب بوذي يسكن وحده في الغابة فتى صغيرا مُلقى في البرية. يكبر الفتى في فصل "الربيع" الذي يستهل به المخرج السرد، حيث يتخذ الراهب من الحياة المادة الخام لتعليمه كيف يكون رجلا صالحا. أما في فصل "الصيف"، بعد سنوات طويلة حين يكون الفتى قد صار شابا يافعا، تتهدد كل تلك التعاليم عندما تصل فتاة في مثل سنه مع والدتها طالبتين من الراهب أن يحاول شفاء الفتاة من مرض عُضال ألمّ بها. تُشفى الفتاة في النهاية، لكن بعد أن يكون الفتى قد أُصيب منها بسهام الرغبة والحب.

 

ما بين الخريف والشتاء، نتابع التفسخ الذي جلبه الحب الأرضي والتعلق بالكائنات الفانية على الفتى الذي يصبح رجلا. ويبقى السؤال، هل كل حب بالضرورة يشتمل في ثناياه على رغبة في الاستحواذ؟ هل يمكننا أن نكون أحرارا حقا ونحن ما زلنا متعلقين بغيرنا من البشر مربوطين بأغراض دنيوية لا نستطيع منها الفكاك؟

 

يتبع الفيلم في فصله الأخير راهبا آخر يجد فتى آخر أيضا في البرية، ويبقى السؤال عندها مفتوحا: أمكتوب على كل دورة أن تتكرر بحذافيرها أم يمكن لنا أن نغير الاتجاه إلى مصير أفضل؟ (6)

 

"برنامج ترومان".. هل نستطيع أن نعرف إذا ما كان عالمنا حقيقيا؟

 

تخيل مجموعة من البشر يسكنون كهفا مُظلما مُكبَّلين فيه بأصفاد. كل ما يراه أولئك من العالم هو مجموعة من الظلال التي تتساقط على الحائط والتي يعتقدون أنها كائنات قائمة بذاتها وليست إسقاطات لأشياء أخرى. وعندما ينجح أحدهم في فك قيده والخروج من الكهف ويرى العالم الحقيقي المُضيء لأول مرة، يعرف أن كل ما كان هو والآخرون يعيشونه مجرد وهم، وأن الحياة الحقّة توجد في الخارج.

 

كان ذلك التخيل خاصا بأفلاطون، وقد خطه في كتاب "الجمهورية"، وفيه نجد أحد أبرز التساؤلات الفلسفية حول طبيعة الحقيقة والشك في أن يكون كل ما نعيشه نحن البشر، مثل سُكّان الكهف، هو مجرد وهم بينما توجد الحياة الحقّة في مكان آخر.

 

بالنسبة إلى ترومان بوربانك، كان ذلك الكابوس حقيقة، فقد كان يعيش داخل أستوديو عملاق صُمّم خصيصا لكي يُحاكي العالم الخارجي ويوهمه أنه يعيش حياة عادية، بينما في الواقع، لم يكن عالمه سوى برنامج تلفزيوني يشاهده الملايين حول العالم، وكل الشخصيات حوله، أمه، أبوه، زوجته، أصدقاؤه، هم في الحقيقة ممثلون محترفون.

 

يناقش فيلم "برنامج ترومان" المعضلة نفسها التي طرحها أفلاطون عن طبيعة الواقع ومدى استطاعة البشر تمييزه عن الوهم. لكنه تناول أيضا معضلات أخرى تمس زماننا الحديث مباشرة، مثل هوس البشر برؤية حياة الآخرين على الشاشات، والطرق الملتوية التي صارت وسائل الإعلام تتبعها لجني مزيد من المشاهدات، وبالطبع تساؤل إذا كانت حياتنا الخاصة "خاصة" فعلا، في ظل وجود كاميرات مراقبة في كل مكان واستطاعة الدول تسجيل المكالمات، ويمكننا أن نضيف أيضا الخطر الراهن المتمثل في معرفة مواقع التواصل الاجتماعي كل تفصيل صغير عن حياتنا. (7)

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار