انضم إلينا
اغلاق
العشق المستحيل.. كيف باعت لنا هوليوود نسخة خيالية للحب؟

العشق المستحيل.. كيف باعت لنا هوليوود نسخة خيالية للحب؟

مريم عادل

محررة فنية
  • ض
  • ض
استمع للتقرير

   

"بعض الناس لن يقعوا في الحب أبدا إذا لم يعرفوا أن الحب موجود"
(فرانسوا دي لا روش)

   

في عام 1856 صدرت رواية "مدام بوفاري" للأديب الفرنسي غوستاف فلوبير، والتي شكّلت صدمة للمجتمع الفرنسي في ذلك الوقت. تسرد الرواية حياة إيما التي قبلت بالزواج من الطبيب شارل بوفاري الذي كان يعالج والدها. اعتقدت في البداية أنها وجدت الحب الذي طالما قرأت عنه في الأشعار والروايات الرومانسية التي شكّلت عاطفتها وخيالها، لكن بعد زواجها ومع روتين الحياة أصابها الملل سريعا، حتى في أيامها الأولى بعد زواجها كانت تتمنى لو أنها كانت تقضيها في أماكن أخرى ذات أسماء رنانة أو أنها مع أحد النبلاء بدلا من زوجها، ولم يكن لديها أي اهتمام بمتطلبات البيت اليومية ولم تكن الليالي الهادئة إلى جوار زوجها تعني لها شيئا، وازدادت الأمور سوءا عندما أنجبت طفلتها الأولى، كانت تشعر أن حياتها تسير في الاتجاه الخاطئ، لأنها تختلف كثيرا عن الحياة التي قرأت عنها في الروايات.

       

بدأت إيما بعد ذلك في البحث عن حياة مليئة بالنشوة والهيام والعاطفة المشتعلة التي تملأ صفحات رواياتها، أقامت عدة علاقات غرامية، وتسببت في خسارة زوجها لأمواله، وأهملت ابنتها، وانتهى بها الحال كما أراد فلوبير نهاية مأساوية تشبه نهايات أبطال التراجيديا. يعتبر الكثير من الأدباء والنقاد هذه الرواية الكلاسيكية واحدة من أفضل الأعمال الأدبية في التاريخ، تناقش رواية "مدام بوفاري" باستفاضة وعمق فكرة تأثير القصص والحكايات على حياتنا وعلاقاتنا، يلخص ماريو بارغاس يوسا هذه الرواية في ثلاث كلمات "المرأة التي قتلها الأدب". في ذلك العصر كانت القصص المكتوبة هي الرائجة، أما في عصرنا الحالي فإننا نشاهد القصص على شاشة السينما التي أصبحت أحد أهم مكونات الثقافة الشعبية، فإلى أي مدى كان فلوبير متبصرا؟ وهل فعلا ساهمت القصص السينمائية في تشكيل مفاهيمنا عن الحب والعلاقات؟(1)(2) في دفاعه عن روايته أمام المحكمة يقول فلوبير:

     

 "هناك الآلاف من إيما بوفاري ولم يكن عليّ إلا أن أرسمها من الحياة".

       

   

في الأفلام الجميع يحبون بالطريقة نفسها!

يقول الصحفي "بول هودسون" إنه عندما كان طفلا نشأ لكي يكون نموذجا لروميو، كلما شعر بإعجاب تجاه فتاة يتذكر ذلك الطفل الذي كان عليه، كيف كان يود أن يكتب لهم الرسائل الغرامية ويشاركهم طعامه، ويقطف لهم الورود ويقوم بكل الأفعال التي يمكن أن نتخيل أن يقوم بها شاب صغير قدوته كازانوفا. يقول لقد تعلمت هذه الحِيل الصغيرة في الحب من أفلام الحب المختلفة التي نسميها الآن (chick flicks)(3). وفي عام 1929 أجرى "هربرت بلومر" تحقيقا ونشره تحت عنوان "السينما والسلوك"، يكشف في هذا التحقيق كيف أن الجمهور يتعلم من نجوم السينما "طقوس التواصل الغرامي" التي منها:

           

اللمسات الساحرة والانفعالات الرومانسية والكلمات التي تُقال تحت المطر وفي ضوء القمر، كذلك طريقة الإدلاء بالأسرار وأسلوب الهمس بكلمة "أحبك"، ونظرات العين والابتسامات. ينطبق الأمر أيضا على الحركات الطقوسية ذات الدلالة الجنسية خصوصا التدخين والشرب التي تستنسخ مباشرة من حركات النجوم بحسب بلومر. وفي عام 1930 صدر لـ "إدغار ديل" كتابه "The content of movies" الذي يحلل فيه مجموعة كبيرة جدا من محتوى الأفلام، خلص ديل إلى أن القُبلة في الأفلام السينمائية "تتطابق مع التصريح بالغرام" وتخضع هذه القُلبة الهوليوودية لقواعد محددة بدقة أدرجها ديل في كتابه لكي ينتج عنها "اتحاد سامٍ تتوازن فيه الروحانية مع الحمى الجسدية توازنا متناسقا"ـ يعلق الكاتب "إدغار موران" على دراسة ديل قائلا: "في كل يوم، ثمة ملايين الشفاه تعيد تلك القُبلة ذاتها التي هي القربان الأول في الحب المعاصر".(4)

     

"ربما لم تبتكر السينما القُبلة لكنها بجّلتها وساعدت في جعلها التقنية الأساس في ممارسة الحب، عن طريق جعلها مرئية وأكثر وضوحا"(5)(6)    

        

flesh and the devil 1926 (مواقع التواصل)

      

يتخذ الشباب سلوك النجوم في الأفلام نموذجا ملهما للحب بهدف الشعور بالثقة وتأكيد الذات بأفضل الطرق الممكنة، إنها طريقة مضمونة تلك التي نجح بطل الفيلم عندما استخدمها مع حبيبته، يقول شاب إنجليزي في الرابعة والعشرين: "كنت أعتقد أن محاكاة جيدة لغيبل ستروق لصديقتي". لا يقتصر الناس على محاكاة أساليب الحب التي يشاهدونها على الشاشة، إنما يتبعون كذلك كل أشكال الإجابات النموذجية للحب المثالي التي تروجها وسائل الإعلام الجماهيرية وخبراؤها. تحدد الأفلام والبرامج التلفزيونية -أهم مصادر الثقافة الشعبية- ما هو متوقع من كل طرف في العلاقة، عندها يصبح الحب مجموعة من الإجابات النموذجية، التي تقتل طرق التعبير الأصيلة مما يزيد من هوة الانفصال النفسي بين الأزواج، يقول إريك فروم إن هذا النوع من العلاقات هو "علاقة بين شخصين يظلان غريبين طوال حياتهما".(7)(8)

     

هل أفسدت هوليوود الحب؟

يُعدّ فيلم "2004 The notebook" أحد أشهر الأفلام الرومانسية وأكثرها شعبية(9)، يلتقي شاب وفتاة في مقتبل العمر ويعيشان تجربة حب عنيفة ثم ينفصلان لعدة أسباب ويعيش كل منهما في مدينة مختلفة. بعد عشر سنوات من الانفصال، كانت الفتاة تمارس حياتها بعد فترة طبيعية من الحزن، اهتمت بدراستها وتعرفت على شاب آخر أحبّته وأعلنا خطبتهما وبدأت تستعد للزواج، أما الشاب "نوح" فيبدو أن حياته توقفت بعد هذه العلاقة بطريقة غريبة، لقد ظل خلال عشر سنوات يقوم بفعل شيء واحد، أن يبني بنفسه البيت الذي كانت تحلم به عندما كانا معا، لعلها تعود يوما ما ومن ثم تأخذ قرارها. يقول هودسون إن هذا الفيلم واحد من أفلامه المفضلة لكنه ليس واقعيا على الإطلاق.

   

ما الذي نفهمه من هذا الفيلم؟ ربما ببساطة أن الحب يعني أن تعيش نوعا من الهوس، أن تتوقف عن المضي قدما في حياتك وأن تؤمن بهواجس غير منطقية وتتشبث بها وتهدر عشر سنوات من عمرك خلف فكرة ليست واقعية. قضى نوح 10 سنوات في بناء منزل لفتاة لا يعرف عنها أي شيء، وما فعلته هي عندما رأت المنزل فيما بعد أن تركت خطيبها الذي تشعر بالسعادة معه والذي اقترب موعد زفافهما من أجل حبها الأول الذي عاشته في فترة مراهقتها. في أحد المشاهد الفاصلة في الفيلم بعد شجار نشب بينهما يشير نوح إلى أن شجارهما دليل على الحب، واستدل بأنها لا تستطيع أن تخوض شجارا مشابها مع خطيبها، بالتالي فهو ليس الشخص المناسب.(10) فكرة الشجار الذي يعني الحب تكررت أيضا في فيلم "How To Lose A Guy In Ten Days 2003"، بالإضافة إلى سلوكيات مثل تحويل حياة الآخر إلى جحيم والكذب عليه واستغلاله ستؤدي بنا إلى الوقوع في الحب في نهاية المطاف، وهي الفكرة التي بُنيت عليها الحبكة الأساسية للفيلم.

      

  

في فيلم "beauty and the beast" الذي أعادت هوليوود إنتاجه أكثر من مرة، تستطيع الفتاة الجميلة الطيبة تغيير الوحش عن طريق الرعاية غير المشروطة التي قدمتها له. تضع هذه الفكرة الكثير من الضغوط على الطرف الذي يود إصلاح صفة سيئة في الطرف الآخر، ومن الممكن أن يشعر بالذنب إن لم يتمكن رغم تقديم العناية والحب من تغيير الطرف الآخر. كما ينصح علماء النفس بتحذير الصغار الذين يشاهدون هذا الفيلم بأن تصرف بيلا ليس حكيما في الحياة الواقعية. إن الفكرة التي يقدمها الفيلم هي إذا كانت المرأة طيبة بما فيه الكفاية سوف تتمكن من إظهار القلب الطيب للوحش، هذه المغالطة بحسب علماء النفس تقف وراء الكثير من العنف المنزلي الذي تتعرض له المرأة.(11)(12)

         

كما يشير علماء النفس إلى أن محبي أفلام مثل "1998 You've Got Mail" و"The Wedding Planner 2001" و"While You Were Sleeping 1995" غالبا ما يفشلون في التواصل بشكل جيد مع شركائهم، لأن كثيرا منهم يرون أن من يحبك عليه أن يعرف ما الذي تريده دون أن تكون مضطرا للحديث معه بشأنه.(13) كما تركز أفلام مثل "when harry met sally 1989" و"Four Weddings and a Funeral 1994" على أن الجزء الأهم والأصعب في العلاقة هو البداية، كل شيء بعد ذلك سهل، وهي الفكرة التي تتبناها معظم الأفلام الرومانسية. كذلك فإن فيلم "snow white and the seven dwarfs" يرسخ لدى الفتيات فكرة وجود المنقذ الذي سوف يأتي حتما ويغيّر حياتها ويحقق أحلامها وتعيش في سعادة دائمة. المشكلة فعلا أن هذه الأفلام تنتهي في اللحظة التي تبدأ فيها العلاقة الحقيقية.(14)

            

   

الرومانسية والحب المستحيل

تشير الدراسات النفسية أن الحب في الحياة الواقعية أكثر تعقيدا بكثير من ذلك الذي يُقدَّم في الأفلام الرومانسية التي تدعم مجموعة من الأفكار غير الصحية والمدمرة عن الحب والعلاقات الزوجية، أشهر هذه الأفكار: "فكرة توأم الروح"، أي إنه يوجد لكل إنسان شخص واحد فقط مخلوق من أجله، عندما يلتقي به سوف ينتهي للأبد شعوره بالوحدة. كذلك فكرة "الحب من النظرة الأولى"، وهي فكرة تقول إن الشخص الذي ستحبه ستشعر بهذا الحب من الثواني الأولى لرؤيته، فهو مبني بالكامل على الحدس بلا وجود للتفكير المنطقي. وفكرة "الأطراف المختلفة تتجاذب"، وهي الفكرة التي تجمع دائما في الأفلام بين حبيبين من بيئات اجتماعية مختلفة سواء مستوى اجتماعي أو مادي، بالرغم من أن ما تشير إليه الدراسات أن الحياة مع أشخاص مختلفين في العادات والطباع إلى هذا المستوى الحاد أصعب كثيرا وعمرها أقصر.

     

كذلك تُبنى الأفلام على فكرة "حبيبك يعرف عنك كل شيء"، فالحبيب يظهر كشخص لست بحاجة إلى إخباره ما الذي تحبه وما الذي تكرهه، ما الذي يزعجك وما الأشياء التي تخاف منها، كل أفكارك وهواجسك سوف يعرفها وحده إذا كان يحبك حبا حقيقيا دون حاجة منك إلى الحديث عنها. وكذلك فكرة "الحب يمكنه التغلب على كل شيء"، والحقيقة أنه في الكثير من الأحيان تتغلب ظروف الحياة الصعبة والمعقدة على الحب المسكين. والفكرة التي ينتهي معها كل فيلم "الحياة السعيدة للأبد"، فمع نهاية كل فيلم من هذه النوعية يشعر المشاهد أن هذا الجزء الذي يسبق الزواج هو الجزء الأصعب وكل ما سوف يأتي بعد ذلك سيكون سعادة خالصة وعلاقة الزواج سوف تكون دائما مثل علاقة غرامية مشتعلة، مما يصيب الأشخاص بحالة من انعدام الرضا عن حياتهم الزوجية بواجباتها المللة ونمطها الهادئ والمتكرر.(15)(16)

  

وبالرغم من أن معظم الناس يعرفون أن العلاقات الحقيقة لا تشبه تلك العلاقات المثالية الكاملة التي يشاهدونها في الأفلام فإن بعضنا يصدق أن الحياة يمكن أن تسير كما شاهدها في أفلامه المفضلة، وحتى أولئك الذين يعلمون الفارق بين الواقع والخيال قد يؤمنون ببعض الأفكار الرومانسية.(17)(18) هل معنى هذا أنه يجب علينا أن نتجنب مشاهدة الأفلام الرومانسية؟ بالطبع ما زال بإمكاننا الاستمتاع بالهروب الذي توفره لنا هذه الأفلام، لكن بدون أن تكون هذه القصص هي النماذج التي نبني عليها علاقاتنا. وربما علينا أن نبحث عن قصص أخرى تطرح مشكلاتنا بشكل طبيعي وتقترح طرقا ذكية ومفيدة للتعامل معها.(19).

      

      

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار