اغلاق
آخر تحديث: 2018/9/13 الساعة 15:00 (مكة المكرمة) الموافق 1440/1/4 هـ

انضم إلينا
"كابتن فانتاستيك".. هل فكرت أن تعيش خارج النظام الرأسمالي؟

"كابتن فانتاستيك".. هل فكرت أن تعيش خارج النظام الرأسمالي؟

إبراهيم هلال

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض

تبدو تجربة الحياة في الغابة، خارج المدينة، حيث المشاهد الطبيعية وطهي الطعام والنوم تحت النجوم، تجربة جميلة لعطلة نهاية السنة على سبيل المثال، لكن هل جربت أن تكون حياتك كلها في الغابة خارج المدينة؟ الأمر أشبه بفيلم "Into the Wild" الذي يترك البطل فيه مستقبله الوظيفي بعد تخرجه من الجامعة ويذهب للتجول في البراري والغابات بحثا عن متعة السفر والحياة خارج المدينة، غير أن الحياة خارج المدينة في فيلم "Captain Fantastic" أشبه بمعسكر تدريبي وتثقيفي دائم.

 

عائلة من أب وأم وستة أطفال أكبرهم شاب يقترب من 18 عاما وأصغرهم طفل يقترب من 5 سنوات، يقرر الزوجان بعد رحلة من المناقشات مع عائلتهم وكره المجتمع الأميركي والعالم الصناعي الرأسمالي الممتلئ بالمستهلكين والبضائع السامة -كما يسمونها-، أن ينتقلا بأطفالهم إلى خارج المدينة نهائيا وفي عمق غابات شمال غرب المحيط الهادئ، ويقاطعون الحياة المدنية بالكامل، فيعيشون على الصيد والقراءة والموسيقى والتدريبات الشاقة، إلا أن حدثا استثنائيا سيؤدي إلى انتحار الأم صاحبة ذلك القرار، ومن منبع الفرح العذب والبهجة الغامرة من قلب معسكر القيم المثالية لحلم أسرة يسارية مغامرة أحيت حلم مقاومة الرأسمالية، تسيل دموع أطفال فقدوا أمهم، وخاصموا العالم حتى أصبحوا مسوخا لا يعرفون الحياة العادية.

   

    

فيلم "Captain Fantastic" هو فيلم من كتابة وإخراج المخرج والممثل الأميركي "مات روز"، ومن بطولة الممثل "Viggo Mortensen"، صدر في عام 2016 وحصل على جائزة أفضل مخرج في مهرجان كان 2016، وبجانب ما يطرحه الفيلم من إمكانية للحياة خارج المدينة، والتعليم المنزلي للأطفال، يُلقي الفيلم بعلامة استفهام كبيرة حول علاقة القرارات الأيديولوجية واختيارات كيفية العيش في العصر الحديث بالحالة النفسية والمزاجية عند الإنسان. (1)

 

من قلب الغابة.. من قلب المُثل المضادة للرأسمالية

يبدأ الفيلم بمشهد صيد لظبي بري، يذبحه بوديفان الابن الأكبر، ليخبره الأب "بن" أنه أصبح أخيرا رجلا، وحينها وعلى طريقة رجال البراري، يأكل"بوديفان" كبد الظبي نيئا، ثم تحتفل الأسرة بالصيد، يغتسلون تحت شلال مياه طبيعي، استعدادا لإعداد الطعام والشواء. هذه هي الحياة الرائعة لعائلة "بن" التي تبدأ صباحها بتمرينات رياضية شاقة من العدو في الغابة ثم ممارسة أنواع من اليوغا وقد يتسلقون الجبال المرتفعة، أما عن التعليم، فحياة الأطفال الستة وسط كتب الأدب والفلسفة والفيزياء، ويتجادلون باقتباسات من تروتسكي وبول بولت وغرامشي ونعوم تشومسكي. (2)

   

   

يصنع الأب أعمالا خشبية يدوية ويبيعها لمتجر في المدينة، أما ابنه الأكبر لودفيك الذي يعرف عن الفلسفة والفيزياء والأدب ويتحدث ست لغات، فلا يعرف كيف يغازل الفتيات ولا يعرف إلا القليل جدا عن العالم الخارجي، ودائما ما يسبب له ذلك الخجل والقلق الشديد، أما الابن الأوسط ريليان فهو دائما غاضب على أبيه وعلى طريقة عيشهم، وزاد من ذلك الغضب شعوره الدائم أن الأب هو السبب وراء مرض الأم والتي غابت عنهم ليتم حجزها في المشفى النفسي والعقلي. (2)

   

   

  

تستمد أسرة "بن كاش" طعامها من الصيد، لكن بعد أن تفشل الابنة الوسطى في إصابة الحمل، تدخل الأسرة مطعما أميركيا لتناول الفطور. يصور ذلك المشهد إلى أي حد يرفض الأب ثقافة الأميركيين الحديثة وطريقة حياتهم وسلعهم، فعندما تسأله ابنته الصغيرة ذات ثمانية الأعوام عن معنى مشروب "الكولا" يرد الأب "مياه مسممة" ثم يأخذهم خارج المطعم ويخبرهم أنهم سيذهبون لمهمة "تحرير الطعام" حيث سيتظاهر الأب بإصابته بأزمة قلبية داخل "سوبر ماركت" وينشغل البائعون في محاولة إسعافه أو مشاهدة ابنته الصغيرة وهي تحاول إسعافه فيما يقوم باقي الأطفال بسرقة الطعام وتحويله إلى الحافلة.

 

سيظهر غضب ريليان مرة أخرى عندما تقوم الأسرة بالاحتفال بذكرى مولد "نعوم تشومسكي"، ويصيح: "أي أسرة مخبولة تحتفل بمولد شخص غريب بدلا من الاحتفال بأعياد الكريسماس مثل باقي الناس"، فيرد الأب متسائلا: "هل الأفضل أن نحتفل بمولد جني أسطوري أحمق أم بمولد شخص واقعي عظيم مثل تشومسكي؟"، أما الهدايا فهي خليط من الأسلحة البيضاء والسكاكين الحادة وقوس أسهم وكتاب "متعة الجنس" لطفل في الخامسة من عمره، يشمئز الطفل من الكتاب فيهديه الأب سكينا حادا تبهر عيني طفل تعلم منذ الصغر الطعن بالسكين بدلا من اقتناء الألعاب البلاستيكية. (3)

 

التربية المنزلية والتربية الكاثوليكية

عندما اعترض الابن الأوسط ريليان على حياة أسرته وأفعال أبيه، منحه الأب "بن" حرية الكلام، ودعاه للنقاش بطريقة موضوعية كاملة قائلا: "يجب ألا نسخر من حياة الناس"، وترد ابنته الكبرى: "إلا الكاثوليكيين طبعا"، أما عندما كانت الأسرة ضيوفا في بيت خالتهم، فقد سمح الأب "بن" لأطفاله بأن يشربوا النبيذ، وتكلم بصراحة شديدة "تصل لحد الوقاحة" عن الخلافات التي وقعت بين زوج الخالة وبين زوجته المتوفاة "ليزلي" وتكلم أيضا عن مرض زوجته وعن انتحارها، مما جعل خالة الأطفال تستشيط غضبا، وفي الصباح التالي عندما عرضت خالة الأطفال على الأب "بن" أن يدخل أولاده للمدرسة، جعل ابنته ذات ثمانية الأعوام تشرح فكرة الدستور وقائمة الحقوق العامة وتدخل الشركات الرأسمالية في تمويل المرشحين للانتخابات وعيوب النظام الديموقراطي أمام أولاد خالتها في مرحلة الثانوية والذين وقفوا كالبُلْه أمام فصاحتها. (4)

   

   

وعلى عكس فيلم "Dogtooth" الذي يقوم فيه الأب بمنع أبنائه من الخروج من المنزل حفاظا عليهم من المؤثرات الخارجية حتى أصيبوا بالجنون، يعطي الأب "بن" في فيلم "Captain Fantastic" أبناءه الحرية الكاملة لمعرفة أي شيء وفعل أي شيء يحبونه وقراءة أي كتاب لكن تحت بصره وبعد أخذ إذنه، ورغم ذلك يعلّم "بن" أبناءه أن الأديان مجرد حماقة مثيرة للسخرية، ويعلّم أبناءه كيف يسخرون من التقاليد والأعراف المجتمعية الكاثوليكية خاصة، ويظهر ذلك جليا عندما يكتشف "بن" أن زوجته كانت تتخذ البوذية كفلسفة حياة وكتبت في وصيتها رغبتها بأن يُحرق جسدها احتفالا لاستمرار الحياة ويُلقى برماده في مرحاض عام، فيحرّض أبناءه على وجوب أخذ جسدها بدلا من أن يُدفن "في ملعب جوف ويرثيها أشخاص يلبسون ملابس أنيقة مثل راقصات الباليه". (5)

   

    

يطرح الفيلم أسئلة حول التعليم المنزلي والتعليم النظامي الذي رفضه "بن"، وهو الأمر الذي تدور حوله نقاشات كثيرة حول العالم خاصة في الولايات المتحدة الأميركية، هل يستطيع الآباء أن يثقوا في نظام التعليم وفي المدارس، وماذا يفعل الآباء كي يحموا أبناءهم من المؤثرات الخارجية، وما القيم التي تمنحها المدارس، وهل تستطيع أسرة أن تنعزل بأبنائها عن المجتمع وتعلّمهم قيما مضادة للمجتمع الاستهلاكي، وكيف تحمي أبناءك من المنتجات الاستهلاكية التي تدمر صحتهم؟ كل تلك الأسئلة أثارها الفيلم، لكن الأخطر هو أن تكون حياة تلك الأسرة كلها وهما، اختلقه مزاج زوجة مضطربة نفسيا، وللأسف لم يعد ذلك الحلم واقعيا. (5)

 

بين الأيديولوجي والسيكولوجي

كان انتحار الأم حدثا فارقا ومؤثرا في حياة أسرة "كاش"، فالأبناء الستة كانوا في أمس الحاجة إلى والدتهم، خاصة أثناء الحياة داخل الغابة منعزلين عن المجتمع وعن عائلتهم وعن أي بشر آخرين، لكن الأم بعد ولادة طفلها السادس تصاب باكتئاب حاد تصاحبه حالة من عدم التوازن النفسي المتأرجح بين التفاؤل الشديد والهوس لحد رسم الخطط المستقبلية بكل تفاصيلها، وبين الاكتئاب واليأس الشديد ورفض الحياة بكاملها، وفي إحدى نوباتها تقرر الأم أن تقطع شرايينها وتتخلص من الحياة تاركة زوجها وأبناءها الستة يعيشون داخل خطتها التي وضعتها بنفسها وأملت كل تفاصيلها على زوجها "بن". (6)

   

    

بيد أن هذه الخطة والحلم الجميل من رفض العالم الرأسمالي ورفض المجتمع الاستهلاكي والانعزال عن الناس والحياة في الغابة، كانت مجرد اندفاع خلقه عقل "ليزلي" ومزاجها المضطرب، وشجعها عليه زوجها، فهي خطة تلاقت وأفكاره المناهضة للرأسمالية، لكن هذا الحلم ويا للأسف لم يكن واقعيا، فالأبناء الستة كانوا يعيشون حياة قاسية من التمرينات وتسلق الجبال وقراءة الكتب كأنهم في معسكر تدريبي، ولم يذهبوا أبدا إلى المدارس، ورغم أنهم كانوا يجيدون اللغات ويعرفون قوانين العالم ومختلف أفكاره وفلاسفته، لم يمتلكوا أي نوع من الخبرة لممارسة حياة طبيعية، يطرح الفيلم هنا قضية ارتباط المزاج النفسي بالأفكار عبر قصة محبوكة تقترب كثيرا من الواقعية.

   

   

في مقال "Ideology and Insanity: What is Mental Illness?"، "الأيدولوجية والجنون.. ما المرض العقلي؟" يجادل الكاتب حول أن مفهوم المرض العقلي مرتبك من الأساس، فالسلطة أحيانا تستخدم ذلك المصطلح لوصم فعل مختلف عن المعايير التي تفرضها، لكنه يقر أن الأيدولوجية قد تتصل بالاضطرابات المزاجية، وفي حين أن التفكير الحديث للمجتمع الأميركي يهدف لحث الناس على أن يكونوا اجتماعيين ومنخرطين بشكل دائم في الجموع، فالمجتمع قد يصم أي معايير أو حياة مختلفة عن المعايير السائدة بالمرض العقلي (7)، إلا أن حالة الزوجة "ويزلي" والتي كانت تمر باضطراب نفسي حقيقي كانت مختلفة، فتأرجحها بين التفاؤل الشديد والاكتئاب الشديد الذي أدى إلى انتحارها في النهاية، ساعدها في التخطيط الدقيق لحياة أبنائها خارج المدينة، وليس بالضروري أن يكون مزاجها المضطرب هو من دفعها لتلك الخطة وذلك القرار، فقد قررت ويزلي وزوجها "بن" الحياة خارج المدينة قبل إصابتها بتلك الاضطرابات، وكانت معاناتها من الاكتئاب أكبر دافع لخلق تلك القصة.

 

رغم أن فيلم "Captain Fantastic" كان الفيلم الدرامي الثاني للمخرج "مات روس" فإنه حمل الكثير من الأفكار، وسخر من تقاليد المجتمع والحياة الاستهلاكية لسكان أميركا، وطرح إمكانية هجر المدينة والعيش داخل الطبيعة، ورفض النظام المدرسي، وفضّل التعليم المنزلي -رغم أن "بن" وافق في النهاية على أن يذهب أبناءه للمدرسة كما وافق على سفر ابنه الأكبر خارج الولايات المتحدة-، وفي النهاية طرح الفيلم سؤالا حول إلى أي مدى يمكن أن يؤثر اضطراب المزاج على الأفكار والقرارات الحياتية؟

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار