اغلاق
آخر تحديث: 2018/9/15 الساعة 11:09 (مكة المكرمة) الموافق 1440/1/6 هـ

انضم إلينا
هل تقتل التكنولوجيا الحب والرومانسية؟

هل تقتل التكنولوجيا الحب والرومانسية؟

مها فجال

محررة فنية
  • ض
  • ض
استمع للتقرير

       

"كما نعرف، فالحب في حاجة إلى أن نُعيد اختراعه"

(آرثر رامبو)

 

تخيّل أن هنالك تطبيقا للعلاقات يماثل ما تفعله التطبيقات الموسيقية في الأغاني، تطبيق يولّد لك قائمة تشغيل (playlist)، لكن عوضا عن المقطوعات، ستتكون تلك القائمة من أشخاص حقيقيين عليك مواعدتهم؛ وبعد فترة معينة يكون التطبيق قد تعلّم فيها عنك ما يكفي من المعلومات، سيقوم بترتيب لقائك مع الشخص المثالي، توءم روحك، لتعيشا معا طوال العمر على غرار أبطال القصص الخيالية التي طالما أحببت. (1)

  

لا بد أن تلك الفكرة تبدو برّاقة للغاية، فكل العلاقات غير الناجحة التي اضطررت أن تدخل فيها على غير علم بأنها ستفشل، وكل الوقت والمجهود الذي أضعته على أشخاص عرفت بعد فوات الأوان أنهم لم يكونوا مناسبين لك منذ البداية، وكل تلك العشوائية التي تتسم بها خياراتك والفوضى التي تشكّل حياتك -وحيواتنا جميعا- العاطفية ستعود إلى غير رجعة. وبدلا من هذا، ستلقي بعبء ومسؤولية إيجاد الشريك المثالي على برنامج إلكتروني يقود بالعلم والخوارزميات تلك المهمة.

    


من ذلك التخيل الجامح، كان أن انطلقت فكرة حلقة "أوقف الدي جيه" (Hang the DJ) في عقل الكاتب البريطاني تشارلي بروكر صانع مسلسل "بلاك ميرور". لكن، وعلى غرار بقية حلقات المسلسل، لم يكن ذلك الخيال ورديا تماما، فعوضا عن أن يصبح ذلك التطبيق حلا لمشاكلنا العاطفية، قام بتوليد سلسلة من المشاكل ألقت بدورها بالكثير من الأسئلة حول مفهوم الحب في العصر الحديث، والدور الذي صارت التكنولوجيا تلعبه في حيواتنا العاطفية، وذلك كله عبر قصة فرانك وآيمي.

 

علاقات سهلة؟

نتعرف على فرانك وآيمي للمرة الأولى في مكان يبدو لنا كمطعم، وفي سياق يظهر للوهلة الأولى كموعد غرامي تقليدي، لكننا سرعان ما نكتشف أن العالم الذي يسكنه بطلانا أبعد ما يكون عن العادية. فأول ما فعله الاثنان فور جلوسهما للطاولة هو إخراج كل منهما لجهاز بيضاوي صغير والضغط عليه، ليظهر على الشاشة رقم نعرف فيما بعد أنه تاريخ "انتهاء صلاحية" العلاقة. منذ تلك اللحظة، نكتشف من المتحكم الحقيقي في كل شيء هنا.

    

   

يشير الاثنان إلى الجهاز باسم "النظام"، وفي كل مشهد نعرف أكثر وأكثر مدى سيطرة ذاك النظام على حيوات الناس العاطفية. فبالإضافة إلى تحديد المدى الزمني لعلاقتهما، كان النظام هو مّن رتّب اللقاء منذ البداية واختار المنزل الذي سيقضيان فيه ليلتهما، بل والسيارة التي ستقلّهما من وإلى المكان، وبالطبع الشريكين اللذين سيواعدهما كلٌّ منهما بعد مضي المدة التي حددها النظام لاستمرار العلاقة، والتي في حالتهما لن تتجاوز الاثنتي عشرة ساعة، هذا بالرغم من التوافق الكبير الذي نلمحه بينهما منذ اللحظة الأولى.

  

بالرغم من أننا لم نصل بعد إلى ذلك الواقع الموازي الذي تُحِكم فيه التكنولوجيا السيطرة على جميع مفاصل حيواتنا العاطفية، فإن الفكرة التي يطرحها "بلاك ميرور" هنا تتخذ نواتها من واقعنا المُعاش؛ فمنذ سنوات وشبكة الإنترنت والأسواق الافتراضية تمتلئ بمئات المواقع والتطبيقات التي تعدنا بإيجاد الشريك المناسب بضغطة زر. بالطبع لا تمتلك تلك التطبيقات مثل تلك القدرات التي يتحلى بها النظام في حلقة "أوقف الدي جيه"، لكنّ كليهما ينطلقان من الحاجة نفسها: سأم البشر من عجزهم المتكرر عن إيجاد الشريك المناسب ورغبتهم في أن تتولى التقنية عنهم المهمة.

    

   

يعبر فرانك وآيمي عن تلك النقطة عند اضطجاعهما معا فوق السرير وحديثهما معا، يتأملان كيف كانت العلاقات قبل "النظام":

-         "كان على الناس أن يتولوا أمر علاقاتهم بأنفسهم، أن يكتشفوا وحدهم من الشخص الذي يودون البقاء معه".

تقول آيمي

-         "شلل الخيارات. الكثير والكثير من الخيارات، حتى ينتهي بك الأمر عاجزا عن معرفة من الذي تود أن تكون معه. ليس ذلك على الإطلاق الوضع عندما يكون كل شيء مُرتَّبا له".

            يرد فرانك

-         "حقا، إن الأمر أسهل بكثير عندما يكون كل شيء مُرتَّبا".

 

لكن، هل حقا الأشياء المُرتَّب لها من قِبل التكنولوجيا هي الأسهل؟ ومع الافتراض أنها الأسهل، فهل يعني هذا أنها الأفضل؟ هذا ما يناقشه الكاتب والفيلسوف الفرنسي آلان باديو في كتابه "في مديح الحب"، وتحاول بقية أحداث الحلقة الإجابة عنه.

  

الحب في زمن التكنولوجيا: قليل من المخاطرة، قليل من المتعة

في أول فصول كتاب "في مديح الحب"، يتأمل آلان باديو ما حدث للعلاقات العاطفية في عصر مواقع المواعدة الإلكترونية من خلال ملاحظاته لواقعه الحالي:

 "تضج شوارع باريس بملصقات تُروّج لموقع مواعدة أجد إعلاناته حقا مثيرة للقلق: "احصل على الحب بلا مُصادفات!"، "كن في علاقة غرامية دون أن تقع في الحب!"، "احصل على العلاقة المثالية بلا عناء!". كل ذلك بفضل موقع المواعدة بالطبع.

  

تعكس هذه الموضة فهما للحب يضع السلامة في المرتبة الأولى، حب مُؤمّن ضد كافة المخاطر: ستحصل على الحب، لكن بعد أن تقيّم العلاقة المُحتمَلة من كافة الأوجه، بعد أن تختار الشريك المُرتقَب بعناية فائقة عبر البحث عنه في الإنترنت -ستتفقد بالطبع صوره الشخصية، بعض التفاصيل عن ذوقه واهتماماته، تاريخ ميلاده، بُرجه وما إلى ذلك- وبعد أن تنتهي من كل هذا ستستطيع أن تقول لنفسك: "هذا خيار خالٍ من المخاطر!"

    

   

هذا ما يروّجون له، وإنه ليُدهشني كيف تتبنى الحملة الإعلانية مثل تلك الفكرة. فبقدر ما الحب هو متعة يبحث عنها الجميع تقريبا، والشيء الذي يعطي للحياة معناها وضراوتها، فأنا مقتنع أن الحب لا يمكن أن يصير هبة نحصل عليها بلا مخاطر".(2)

 

تنبع كلمات باديو عن تصور للحب يجد في المصادفة العشوائية والمخاطرة غير مأمونة العواقب الجذوة الحقيقية لعواطف الحب المشتعلة في البدايات، والدفء والحميمية التي يتمتع بها الحبيبان فيما بعد. أما الطريقة الميكانيكية التي تروّج لها تلك المواقع للقاء وإدارة العلاقات -والتي مدّت حلقة "بلاك ميرور" خطّها على استقامته لتقدم لنا "نظامها" الطاغية- فلا تولّد سوى برودة ودرجة غير قليلة من الاصطناع والرّتابة نشهدها بالفعل في العلاقات المتعددة التي يفرضها النظام على فرانك وآيمي بعد أن حكم على علاقتهما بالانتهاء بعد اثنتي عشرة ساعة فقط من ميلادها. وبهذا تولّد تطبيقات المواعدة مجرد نسخة إلكترونية حديثة عن الزواجات التقليدية المُرتّبة -أو ما نحب أن نطلق عليه "زواج الصالونات"- ليس إلا.

  

وتأتي المشكلة الثانية التي تعاني منها اللقاءات المُدبّرة إلكترونيا في كتاب باديو وتتعرض لها الحلقة أيضا؛ فتلك المواقع، والنظام في بلاك ميرور، يختار لك بعناية شخصا لا بد أن يوافقك تماما في الصفات والميول والاتجاهات والتفضيلات، ما يمحي بينكما أي نوع من أنواع الاختلاف ويُرسّخ لعلاقة خالية تماما من المشاكل، علاقة بلا مخاطر، كما تعدنا الإعلانات. لكن هل المشاكل والعقبات هي حقا أشياء ليست مهمة ويجب التخلص منها؟ (3)

   

   

وفقا لآلن باديو، فالعكس تماما هو الصحيح: "الحب مغامرة متحدية وعنيدة. جانب المغامرة مهم، لكن التحدي أيضا مهم بالدرجة نفسها. فالاستسلام عند أول عقبة، عند أول خلاف جاد، عند أول مُشادة، لا يؤدي سوى لتشويه الحب. الحب الحقيقي هو ذاك الذي ينتصر ويدوم، في بعض الأحيان عن طريق الألم، عبر العقبات التي يضعها الزمان والمكان والعالم في طريقه". (4)

  

المشاكل إذن تلعب دور الاختبار الحقيقي الذي يُقيّم مدى قوة وصلابة العلاقات؛ علاقة بلا تحديات تبدو من بعيد كفكرة رائعة، لكن علاقة بلا تحديات هي أيضا علاقة هشّة لا تجد ما تستند إليه وتنمو فوقه. ولحسن الحظ، فإن تشارلي بروكر كاتب حلقة "أوقف الدي جيه" يوافقنا الرأي، أو على الأقل هذا ما نراه عبر التواءة الحبكة في اللحظات الأخيرة التي تغير المعنى والسياق لكل ما رأيناه للتو.

 

محاكاة الحب

عبر سلسلة من العلاقات غير ذات المعنى قليلة الجدوى ومنزوعة الشغف، يمر فرانك وآيمي قبل أن يعيد النظام ترتيب لقائهما مجددا. لكن هذه المرة، يتفق الاثنان على عدم النظر إلى تاريخ انتهاء الصلاحية، في أول خطوة يتمردان فيها معا على سيطرة النظام، ويبدآن في الشك في مزاعمه حيال توفير الشريك المثالي. لكن مع تمردهما هذا، تعرف المشاكل طريقها للعلاقة.

 

ففي رفضهما الامتثال لقواعد النظام، وضع الشريكان للمرة الأولى خيارهما الشخصي وإرادتهما الحرة فوق ما يحدده النظام لهما. لكن بما أنهما شخصان وليسا شخصا واحدا، فعند نقطة معينة تتصادم رغباتهما المنفصلة وما يُبنى عليها من أفعال. فبينما تلتزم آيمي بما تعاهدا عليه من عدم النظر إلى تاريخ انتهاء الصلاحية، فإن فرانك الذي يأكل القلق قلبه يستسلم في إحدى الليالي ويختلس النظر إلى الجهاز.

  

"خمس سنوات" يرى فرانك، ستستمر تلك العلاقة خمس سنوات. مُتنفسا الصعداء، يزيح فرانك الجهاز بعيدا، لكن قبل أن يعرف قلبه الراحة، تومض شاشة الجهاز سريعا معلنة أن ذلك التاريخ قد تم تخفيضه. تواصل الفترة الزمنية في الهبوط، كعقاب لفرانك على النظر إلى انتهاء الصلاحية دون شريكته آيمي، وتتقلص حتى تصل في النهاية إلى عشرين ساعة فقط.

 

بيدين متشابكتين وخُطى واثقة، يهرب الاثنان من المدينة التي يحكمها النظام. عند أطرافها، يذهبان إلى حائط يطوّقها، وفي لقطة قريبة الشبه من نهاية فيلم "عرض ترومان" (The Truman Show)، يصعدان درجاته. رويدا رويدا، تبدأ معالم كل شيء في الاختفاء، لنراهما يقفان في فراغ أسود تماما. لم يكن عالم النظام أكثر من محاكاة، لكن قبل أن نعرف خطوة فرانك وآيمي القادمة فور ذلك الاكتشاف، نكتشف أنهما نفسهما محاكاة. المحاكاة رقم ألف تحديدا.

  

   

ففي وسط حانة عشوائية وعلى أنغام أغنية "أوقف الدي جيه" (Hang the DJ) في الخلفية، يقف فرانك وآيمي الحقيقيين والذين لم يتحدثا قط قبل تلك اللحظة، ويتبادلان النظرات. في يد كل منهما هاتف جوال يشغل البرنامج نفسه، وعلى الشاشتين رقم "99.8%".

  

قام البرنامج الذي استعان كلاهما به لتحديد نسبة التوافق بينهما بإنتاج ألف نسخة إلكترونية من فرانك وآيمي الحقيقيين، ومن أولئك الألف، قرر 998 من تلك النسخ التمرد على النظام، منها بالطبع النسخة التي عايشنا معها أحداث الحلقة. كان بالعقبات إذن أن حاول البرنامج تقييم نسبة توافق بين فرانك وآيمي إن قررا المواعدة، تماما مثلما رأى آلان باديو في كتابه "في مديح الحب". لكن حتى مع تلك النهاية التي تبدو سعيدة، تظل كل تلك المشاكل التي تحيط ببرامج المواعدة الإلكترونية قائمة، فمن قام بالتجربة وجاوز العقبات لم يكن سوى نسخ إلكترونية تحاكي الواقع، بينما وقف الأشخاص الحقيقيون بعيدا في مأمن.

  

قد نبدو بعيدين كثيرا عن ذلك العالم الذي وصفته حلقة "بلاك ميرور"، لكن نظرة واحدة إلى مواقع المواعدة الإلكترونية، ستثبت لنا أن قصة "أوقف الدي جيه" في القلب منها لم تكن محض خيال جامح. فيستخدم أحد المواقع مثلا "الاختبارات النفسية" لتقييم "الأشخاص المناسبين لبعضهم بعضا" وتكتب في صفحتها الأساسية: "هنالك طريقة أفضل لإيجاد الحب من أن تدع الحظ يحدد مصيرك".(5) بينما يقدم موقع آخر لمستخدميه خدمة "مساعد إلكتروني" سيكون على الأرجح قريب الشبه بالمساعد الذي رأيناه على مدار الحلقة بصوته الآلي وعجزه عن فهم البشر.(6)(7) فقد يصنع الخيال عوالم ليست موجودة حقا، لكن حتى أكثر تلك العوالم غرائبية وبُعدا عن الواقع تظل تحكمها وتسري فيها هواجسنا الحقيقية جدا. 

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار