هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
"سايكو باس".. هذا ما تحتاج لفعله حينما يحكمك المجرمون!

"سايكو باس".. هذا ما تحتاج لفعله حينما يحكمك المجرمون!

إبراهيم هلال

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض

قليلة هي الأعمال الفنية والعروض السينمائية والتلفزيونية التي تحاول عرض نظرية متكاملة بدقة كبيرة، كما فعل مسلسل الأنمي الياباني "Psycho Pass" الذي عَرض بشكل مكثف ومتكامل بنية نظام الحكم المتوقع في المستقبل في القرن الثاني والعشرين بعد تقدم التكنولوجيا بشكل غير مسبوق، وما أوجده ذلك النظام من معضلات قانونية واجتماعية وأخلاقية تتداخل مع تطور العلم والتكنولوجيا معتمدا على روايات ويليام جيبسون وفيليب كي ديك وتصورات متنوعة لفلسفات متباينة. هذا التقرير يستعرض الجزء الثاني من المسلسل بعد طرح الجزء الأول في تقرير سابق.
    
مشكلات هذا النظام المسمى "Sibyl" -المزود بحاسوب ضخم يقوم باستقبال جميع البيانات الخاصة بسكان المدينة وتحليلها لتزويدهم بالقرارات والتوصيات الملائمة حول كل شيء في حياتهم والمسؤول عن تحديد معامل الجريمة الخاص بهم- تصل إلى ذروتها في الحلقة الرابعة من الموسم الثاني، عندما يقوم رجل في منتصف عمره باحتجاز مجموعة من الرهائن في متجر المصحة العقلية التي توفر الدواء المعالج للاضطرابات النفسية وانخفاض المعامل النفسي "Psycho Pass" ويحتجز معهم مفتشة من مكتب الأمن، ثم يقوم بتجريدهم من ملابسهم وتعذيبهم وإخافتهم حتى يصابوا بالذعر ويرتفع معامل جريمتهم، وعندما تصل سيارات الشرطة، تقوم بإطلاق سلاح "الدوميناتور" أو المسيطر على المفتشة بدلا من المجرم، لكن الأفظع لم يحدث بعد.

     

     

فحين يسمح الرجل للرهائن بالخروج من مكان احتجازهم يفرون مذعورين وقد ارتفع معامل جريمتهم، فلم يستطع رجال الأمن التفريق بينهم وبين المجرم فاعتبروهم جميعا مجرمين، واستقبلوهم بطلقات نارية حولت أجسادهم الهزيلة والمرتعشة إلى فتات شحم وعظم، لتتحول الساحة الأمامية لمبنى المصحة النفسية إلى بركة دماء، نتيجة المجزرة التي ارتكبها رجال الشرطة تجاه مجموعة من البشر الأبرياء!

     

يأتي الموسم الثاني لمسلسل الخيال العلمي "Psycho Pass" في إحدى عشرة حلقة، وبرغم أن كاتب ومخرج الموسم الأول من المسلسل قد تبدل، فإن المسلسل حافظ على مسار الفكرة التي بدأت في الجزء الأول، والتي تدور حول حقيقة نظام "Sibyl" أو "العرافة" وتقنية المعامل النفسي "Psycho Pass"، وبينما قادنا الموسم الأول إلى التعرف على عيوب النظام الأساسية وما يسببه من معضلات أخلاقية، يدخلنا الموسم الثاني إلى صلب حقيقة ذلك النظام واكتشاف كيفية عمله (1)، حيث يقدم مقاربة لنظام حالة الاستثناء التي طرحها وعرّفها المفكر جورجو أغامبين في كتابه "حالة الاستثناء".

      

السيادة والسلطة والاستثناء وأبطال مجرمون

تقع أحداث المسلسل بموسميه في القرن الثاني عشر، وتدور القصة حول وجود نظام قانوني يسمى "Sibyl" أو "العرافة"، وهذا النظام عبارة عن مجموعة عقول استثنائية مزودة بحاسوب ضخم لتحليل البيانات، يستمد بياناته من آلاف الكاميرات والماسحات الضوئية التي تملأ شوارع المدينة فيجعل أزقتها وشوارعها وكل منشآتها بما فيهم من أفراد تحت المراقبة الشاملة، وبذلك يستطيع ذلك النظام أخذ بيانات الجميع وتحليلها وإعطاء كل فرد "معاملا نفسيا" على أساسه يقوم النظام بتعريف المجرم، ليقرر رجال الأمن بواسطة سلاح الدوميناتور أو المسيطر المتصل بدوره بالنظام باحتجاز الشخص الذي يزيد معامله النفسي على مئة، وإزالة أو قتل الشخص الذي يزيد معامله النفسي على مئتين.

     

   

تظهر شخصية شوجو ماكشيما في الموسم الأول، وهو شخص يقتبس دائما في حديثه من الفلاسفة ويستطيع ضبط مشاعره فيتمكن من ارتكاب أي جريمة دون أن يزيد معامله النفسي على رقم مئة، وبالتالي لا يستطيع سلاح الدوميناتور الإطلاق عليه، وبحسه الساخر ومفهومه الخاص للأخلاق، يتحدى ماكشيما نظام العرافة ويسبب أعمال شغب واسعة في المدينة، يقتحم على أثرها مستغلا انشغال رجال الشرطة بمواجهة الشغب مبنى وزارة الرعاية الاجتماعية ليدمر قلب نظام العرافة، لكن محاولته تفشل وتُلقي المفتشة تسنموري أكاني ومعها المنفذ (عبارة عن مجرم كامن يعمل مع الشرطة كمخبر) القبض على ماكشيما وتسلمه لرئيسة النظام.

  

حتى الآن يسير المسلسل بشكل منطقي، إلا أن ما ستفعله رئيسة النظام سيُلقي الضوء على ملمح مهم عن حقيقة نظام العرافة، حيث عرضت الرئيسة على ماكشيما صفقة ينضم بموجبها لنظام العرافة كعقل معترف به من النظام، فتقول: "كلنا كنا من قبل مجرمين حتى انضممنا إلى النظام"، فالنظام ما هو إلا مجموعة من العقول التي لم يستطع النظام استيعابها من قبل، ولكي يضمن نظام العرافة قوته ويطور من نفسه فهو يضع استثناء للمجرمين الاستثنائين الذين لا يستطيع النظام تحديد المعامل النفسي الحقيقي لهم، فبينما يُطبق النظام القانون المتمثل في الاحتجاز أو الإزالة على جميع الأشخاص في المجتمع، فإنه يستثني هؤلاء الذين بانضمامهم للنظام سيطوّرون من قدرته على التحليل. (2)

   

على الجانب الآخر يُمثّل رفض ماكشيما الانضمام إلى نظام العرافة فكرة الرمز التي كانت من أهم أطروحات الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين، الذي جمعت كتاباته بين عناصر المثالية الألمانية، والرومانسية، والمادية التاريخية، والتصوف اليهودي، وتُعدّ أطروحته التي قدمها لجامعة فرانكفورت عام 1925 لنيل الأستاذية عن "أصل دراما الباروك في ألمانيا"، والتي رفضتها الجامعة، من كلاسيكيات النقد الألماني الحديث، حيث يمثل ماكشيما إحدى أهم أفكار أطروحة بنيامين، "وهي فكرة "الرمز" بوصفه رسالة عن الحقيقة المكتوبة وعن صوت الإنسان المخدوع، وبوصفه التعبير عن أمله الدائم في الخلاص". (3)

      

    

"ويعبر بنيامين عن توجهاته الميتافيزيقية في مفهوم الثورة الروحية الدائمة، حيث يرى إن ثمة عداء مبدئيا بين المعرفة والدولة"، وهو العداء الذي يبدو ظاهرا في حالة ماكشيما حين يستخدم اقتباسات الفلاسفة والأدباء ليعبر عن سخطه الدائم على نظام العرافة والمجتمع الذي خلقه. لكن فالتر بنيامين له أهمية أخرى، فالسجال الذي دار بينه وبين الفيلسوف الألماني كارل شميت، ذلك السجال الذي ساعد في بلورة نظرية "حالة الاستثناء" (3) التي يطرحها المسلسل كآلية قانونية كامنة في نظام العرافة.

     

يذكر أغامبين إسهام كارل شميت التأسيسي للعلاقة بين الاستثناء والسيادة، فمن بيده السيادة هو من يضع ويقرر "حالة الاستثناء" وهي "المساحة المهجورة الواقعة بين القانون العام والشأن السياسي، وبين النظام القانوني والحياة. وإذا ما رُفع الحجاب عن تلك المنطقة الغامضة، سيصبح بمقدورنا الاقتراب من فحوى الاختلاف.. بين ما هو سياسي وما هو قانوني، وبين القانون والكائن الحي"، ويضيف أغامبين: "على هذا الصعيد، يمكن تعريف الشمولية الحديثة بأنها: عملية تأسيس حرب أهلية قانونية من خلال تطبيق حالة الاستثناء، بما يتيح إمكانية التصفية الجسدية ليس فقط للخصوم السياسيين، بل لشرائح كاملة من المواطنين تعتبرهم السلطة، لسبب أو لآخر، غير قابلين للاندماج في النظام السياسي. منذ ذلك الحين، بات الخلق الطوعي لحالة الطوارئ دائما، حتى وإن كان غير معلنا". (3)

   

هذا ما نشاهده في المجتمع الذي يحكمه نظام العرافة في مسلسل "Psycho Pass" حيث تقوم السلطة باستبعاد بل محو الأشخاص الذين تراهم غير قابلين للاندماج، والطريقة التي يطبق بها النظام العدالة طريقة تنقسم بين حجز مَن معاملهم النفسي أقل من مئتين وإزالة ومحو من يمتلكون معاملا نفسيا أكثر من مئتين، فالمجتمع في حالة طوارئ دائمة لكنها غير معلنة، قانون المدينة هو تعليق العمل بالقانون وإعمال العنف بواسطة سلاح الدوميناتور، بينما يتم تعليق نظام القانون المعلق من الأصل في حالة العقول الاستثنائية مثل ماكشيما.

      

     

هذه الحالة من الاستثناء وتعليق المحاسبة القانونية واستبدالها بالعنف "الشرعي" ملاصقة للسياسة الحيوية التي يستخدمها نظام العرافة، والسياسة الحيوية هو مصطلح رئيسي في فلسفة ميشيل فوكو، ويعني به علاقة السياسة الحديثة بالحياة الإنسانية، "حيث يحاجج فوكو بأن الفعل السياسي للسلطة الحديثة لم يعد متعلقا بمجرد سلب الحياة من الرعايا أو الدفاع عنها كما هو الحال في الإمبراطوريات القديمة، بل ظهر مصطلح جديد للتعبير عن المحكومين بدلا من الرعية وهو "السكان"، ويُمثل ظهور هذا المصطلح -حسب فوكو- دليلا على تحول واضح في دور الدولة من كونها مجرد سلطة هامشية بالنسبة لحياة رعيتها اليومية، لسلطة متدخلة في أخص شؤون رعاياها وشروط حياتهم من خلال أدوات الإحصاء السكاني والاهتمام بالصحة العامة وغيرها.. بحيث أصبحت مراقبة كل شروط الحياة الإنسانية مهمة سياسية صرفة". (3)

     

لذلك يطبق نظام العرافة المراقبة الشاملة على جميع سكان المدينة، لكنّ المسلسل يقدم شكلا أكثر تطورا من نظام البانوبتيكون الذي اقترحه جيرمي بنثام والذي استخدمه فوكو للتعبير عن فكرته بخصوص المراقبة الحديثة، وهو عبارة عن شكل معماري لسجن مصمم بشكل دائري ويقع في منتصفه برج للحراسة به كشاف ضخم، بحيث يقتنع كل سجين أنه مُراقب من ذلك البرج طوال الوقت حتى في حالة غياب الحارس، فتصوّر ماكشيما للمجتمع الذي يحكمه نظام العرافة كان أكثر وحشية.

   

ما قبل العرافة.. وما بعد "البانوبتيكون"

في الموسم الثاني من مسلسل "Psycho Pass" يتضح تاريخ نشوء ذلك النظام المسمى بـ "Sibyl" أو "العرافة"، حيث كان نظام الحكم في المدينة قديما يطبق نظام البانوبتيكون التقليدي الذي يعتمد على نظم المراقبة الخالية من التحليل والتدخل وتقنية المعامل النفسي، لكن بسبب عدم كفاءة ذلك النظام ظهرت عدة مشاكل وأخطاء سببت كوارث مرورية وحوادث طيران، واحدة من تلك الحوادث كان ضحيتها صفا كاملا من الأطفال الذين ماتوا جميعا ولم ينج منهم إلا طفل واحد، هذا الطفل نجا فقط بعملية جراحية تجريبية، أجرى فيها الطبيب تجربة أعاد فيها ترميم جسم بشري من أشلاء أجساد الموتى. (4)

     

  

هكذا عاد "كاموي" للحياة مرة أخرى، لكنه لم يعد بجسده الأصلي بل بعشرات الأشلاء من أجساد أصدقائه وزملائه ضحايا الحادثة، وخلف عدة تفجيرات وحوادث اختطاف وقتل في المدينة يظهر أن "كاموي" هذا هو العقل المدبر لتلك الأحداث، والمشترك بينه وبين ماكشيما في الموسم الأول أن سلاح الدوميناتور لا يستطيع الإطلاق عليه، وبينما كان نظام العرافة يستطيع التعرف على ماكشيما دون معاقبته، لم يستطع النظام التعرف على كاموي، فهو بالنسبة للنظام غير موجود من الأساس. (5)

  

وعلى عكس ماكشيما الذي كان يستهدف الناس ويحرض الفنانين والمضطربين عقليا ونفسيا على النظام مستخدما أجسادهم لمقاومة النظام، كان تركيز كاموي على المفتشين وتجميع أسلحة الدوميناتور أو المسيطر، وبينما كان ماكشيما متمردا على النظام يريد تخريبه وإثبات فشله، كان هدف كاموي هو تدمير معايير النظام الخاصة بالحكم، وأن يصبح هو سلطة موازية للنظام، وكما يوفر النظام العقاقير العصبية لتجعلهم متوائمين مع المجتمع بمعامل نفسي أقل من مئة، قدم كاموي هو الآخر طريقة موازية لتعديل المعامل النفسي للأشخاص، فعندما يقوم بإجراء عمليات جراحية بزرع ونقل الأعضاء من أشخاص ذوي معامل نفسي منخفض لأشخاص ذوي معامل نفسي مرتفع، يصبح شخصا جديدا بمعامل نفسي ثابت لا يستطيع نظام العرافة التعرف عليه ومن ثم محاكمته. (5)

  

وهذا يشبه الفكرة التي جادل بشأنها ديفيد ليون في كتاب "المراقبة السائلة" عندما قال: "لقد تعلمنا من فوكو أن علاقات السلطة تشمل جميع المواقف الاجتماعية المتنوعة، وأنها لا تقتصر على المواقف التي تتضح فيها محاولات السيطرة على جماعة من الناس أو إداراتها.. ولكن محاولة استخدام صورة البانوبتيكون اليوم يمكن أن يأتي بنتائج متعارضة أيما تعارض، فها هي لورنا رودز تستكشف السجون مشددة الحراسة، وقادها بحثها إلى القول بأن البانوبتيكون قد "يشخص حالتنا جميعا"، فتجربة السجن المشدد الحراسة تدفع بعض السجناء إلى تشويه اجسادهم بأنفسهم، ذلك لأن الاستغلال المحسوب للجسد يستدعي نقيضه، بمعنى أن معايشة السجناء لأجسادهم باعتبارها أجسادا مخذولة ومهجورة تدفعهم إلى استخدام أجسادهم لتوكيد ذواتهم، فيقاومون الانكشاف السلبي الذي يهدف إلى إخضاعهم بتعمد الانكشاف وتكثيفه بدلا من الاختباء" (6)، وهكذا يصبح التعذيب والتغير الجسدي موضوعا مركزيا في المسلسل.

      

   

التشويه الجسدي الذي يقوم به كاموي على أجساد ضحاياه، ليصبحوا أشخاصا غير خاضعين لمحاكمة نظام العرافة وعقابه، هو عنف من نوع آخر يهدف لأن يصبح "كاموي" نفسه نظاما موازيا باستطاعته أن يطلق الأحكام ويعاقب أفراد الأمن والشرطة، حيث لم يصبح العنف محتكرا من قِبل السلطة، وهو هنا لا يتحدى النظام فقط مثل ماكشيما، بل ينازع النظام على سيادته، لذلك على عكس ماكشيما الذي طلبت رئيسة النظام من المفتشة أكاني أن تحضره حيا لأنه مهم بالنسبة للنظام، أمرت رئيسة النظام أن تتم إبادة "كاموي" بأي طريقة.

   

يشرح أغامبين ذلك قائلا: "الأمر الذي لا يقبله القانون بأي حال من الأحوال ويعده تهديدا لا مجال للتسامح معه مطلقا، وجود عنف يقع خارج نظام القانون" (7)، وهذا ليس لأن هذا العنف بشع وغير مقبول، فقد أثبت كاموي أن السلطة ورجال الأمن يمكن أن يصبحوا مجرمين يرتكبون مجازر أبشع بكثير من أي شخص آخر، عندما جعل رجلا ذا معامل نفسي معدل يحتجز مجموعة من الأبرياء داخل متجر بمصحة عقلية، وترهيبهم وإخافتهم وتعذيبهم حتى ارتفع معامل جريمتهم، وعندما سمح لهم الرجل أن يخرجوا، استقبلهم رجال الأمن بطلقات نارية حوّلت المدخل الأمامي للمصحة إلى بركة دماء.

 

يقول أغامبين: "وليس هذا لأن الهدف من ذلك العنف لا يتماشى مع القانون، بل لمجرد أنه يقع خارج القانون"، ويقول فالتر بنيامين: "إذا كانت ثمة ضمانة على وجود كينونة للعنف أيضا فيما وراء القانون، فتغدو إمكانية وجود عنف ثوري قابلة للبرهنة أيضا، حيث إنه عنف مباشر محض"، ويعود أغامبين ليعلق: "يتسم هذا العنف بطابع خاص حيث إنه لا يؤسس للقانون ولا يحميه بل يسقطه مدشنا بذلك لحقبة تاريخية جديدة". (7)

    

  

مفارقة السلطة

في الموسم الأول من مسلسل "Psycho Pass" تكمن الآلية الأساسية في تطوير النظام واحتوائه لجميع أنواع البشر في قدرة النظام على أن يضم إليه العقول الاستثنائية التي لا يستطيع نظام الحكم عليها مثل ماكشيما، لكن بعد رفض ماكشيما لتلك الصفقة، وما شكّله هذا الرفض من تهديد للنظام، قامت مؤسسة توغاني الطبية التابعة للنظام بابتكار تكنولوجيا تجميع ونقل وزرع الأعضاء البشرية والدماغ البشرية، مما مكن النظام في خلق إنسان فائق كما في فيلم "Blade Runner" وهي التكنولوجيا نفسها التي ساعدت في نجاة "كاموي" وإعادة ترميم جسده.

    

لكن كما ظهر كاموي من تجارب حيوية يستخدمها النظام مثل بطل فيلم "V for Vendetta" ينازع النظام سيادته واستخدامه الاحتكاري للعنف، استخدم النظام التكنولوجيا الطبية لتصنيع نوع بشري معاكس لنموذج كاموي، ففي حين يستطيع كاموي بالطب ومزيج من العقاقير والعلاج النفسي معالجة المعامل النفس لأي شخص وجعله في المستوى الطبيعي، صنع النظام "توغاني" وهو منفذ يعمل مع مكتب الأمن، لكنه يجعل أي شخص يعمل معه بمعامل نفسي غير مستقر، فهو شخص يسبب القلق والاضطراب لأي إنسان فيزيد من معامله النفسي، ليكون تحت سيادة نظام العرافة دائما . (8)

    

هكذا يحاول النظام تدارك عيوبه بواسطة توغاني، فيحاول توغاني إصابة المفتشة أكاني بالقلق ليرتفع معاملها النفسي، لكنه يفشل. وفي المواجهة الأخيرة بين نظام العرافة وكاموي، الذي يرفض النظام الاعتراف به، يستخدم كاموي سلاح الدوميناتور لمحاكمة النظام نفسه، فتظهر المفارقة التي يدور حولها الموسم الثاني، فكاموي يريد أن يثبت أن النظام خاضع للمحاكمة مثل أي شخص في المجتمع، وهنا يصبح الأمر محيرا، فالنظام نفسه مكون من مجموعة عقول لم يستطع نظام العرافة محاكمتها من قبل (8)، فهل يستطيع النظام محاكمة نفسه؟

     

  

"هل نظام العرافة قوي كفاية لمحاكمة الجميع، وهل يستطيع محاكمة نفسه؟"، هذا سؤال طرحه أخصائي التحليل النفسي سايغا جوجي لمحاولة فهم ما يريده "كاموي"، فتكمن مفارقة النظام أنه يحكم على الجميع في حين أنه مكون من مجموعة عقول لم يتمكن النظام من محاكمتها، فهو في سبيل محاكمة المجرمين بنظره يرتكب جرائم أبشع، وكلما ظهر شخص لا يمكن محاكمته يضم نظام العرافة عقل ذلك الشخص ليطور النظام، فأصبح النظام عبارة عن خلية من العقول، أي مجموعة عقول مختلفة متجمعة في نظام واحد، وعندما ظهر كاموي كشخص يجتمع فيه مجموعة أجزاء بشرية فهو كذلك يمثل جماعة من البشر، كان تعامل النظام معه بمحاولة إبادته. (9)

 

فنظام الاستثناء الذي يقوم بتعليق القانون قد يسمح لفرد لديه مصالح معه أن ينجو من العقاب، لكن عندما تظهر جماعة كاملة لديها تصور مختلف عن السلطة والسيادة وتطبيق العدالة وتطلب محاكمة النظام، يأمر النظام إبادتها. لكن في المسلسل يختار النظام أن يخضع للمحاكمة فيقوم بالادعاء بمحاكمة نفسه، وتجديد شكله، وقبول نظام جديد للمحاكمة ينطبق على الجماعات ومعامل نفسي جماعي بدلا من الأفراد. (9)

 

هكذا ينتهي الموسم الثاني من مسلسل "Psycho Pass" الذي حاول إكمال فكرة الموسم الأول رغم أنه جاء أقل من المتوقع بسبب تغير الكاتب والمخرج، مؤكدا على فكرة أن القانون ليس هو العدالة، بل إنه الباب الذي يقود إليها فقط، وليس إلغاء القانون هو ما يفتح طريقا للعدالة، بل تعطيله وإعادة استخدامه بشكل أكثر عدلا، وهذا ما ستكافح السلطة للحيلولة دونه.

في النهاية، وكما يقول أغامبين: "سيأتي يوم تلعب فيه الإنسانية بالقانون مثل أطفال يلعبون بأشياء متعطلة ومهملة ليس بغرض إعادتها إلى استخدامها التقليدي، بل لتحريرها تماما ونهائيا من هذا الاستخدام". (10)

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار