اغلاق
آخر تحديث: 2017/10/31 الساعة 21:15 (مكة المكرمة) الموافق 1439/2/11 هـ

انضم إلينا
"صياد العقول".. ديفيد فينشر ورحلة البحث في أنماط الجريمة

"صياد العقول".. ديفيد فينشر ورحلة البحث في أنماط الجريمة

إسلام السقا

محرر سينما
  • ض
  • ض

يقدّم مكتب التحقيقات الفدرالي الأميركي تعريفا لمفهوم "القتل المتسلسل" بوصفه سلسلة من الجرائم تبدأ باثنتين على الأقل (1) يتم ارتكاب كل منها في حادث منفصل عادة بينما يكون الجاني شخصا واحدا. تتضمن أغلب الجرائم التي ترتكب تحت مظلّة هذا المفهوم تواصلا جنسيا بين القاتل وضحيته، وبينما يسعى القاتل المتسلسل إلى إنشاء أسلوب قتل خاص به ويحمل توقيعه فإن الضحايا أيضا لا بد وأن يجمع بينهم عامل مشترك.

 

في مسلسل "صياد العقول" (Mindhunter) الصادر عن "نتفلكس" في 13 (أكتوبر/تشرين الأول) 2017 الماضي نجد أنفسنا أمام بحث مطوّل وبطيء أحيانا في كافة الملابسات التي رافقت التوصّل إلى صيغة بات متعارفا عليها اليوم لوصف هذا النوع من المجرمين بالقتلة المتسلسلين.

 

يقوم على هذا العمل الرجل الذي لم يحصل على فرصة من أجل اكتشاف نفسه، الأميركي ديفيد فينشر، الذي بدأ كمخرج إعلانات تلفزيونية ثم الفيديو كليب الغنائي لعدد من المغنيين والفرق العالمية، وهي مرحلة استمرت زهاء عقدين قبل أن يبدأ بصنع الأفلام السينمائية التي ضمنت له الترشح مرتين لأوسكار أفضل مخرج، إلى أن انتقل مؤخرا إلى مرحلة جديدة مع الإنتاج والإخراج التلفزيوني.

 

 
يؤمن فينشر، على النقيض من غيره، بأن السينما لم تمت ولكنها غيّرت من شكلها فحسب، فهي تعمل الآن ضمن "فورمة" معيّنة تدور حول الإثارة والرومانسية والبطولة، أفلام تضع شركات الإنتاج أنوفها في أدق تفاصيلها في خضم سعيها نحو جذب انتباه لجنة تقييم الأوسكار إلى جانب حيازة زخم التدفق الصيفي على دور العرض. (2)

 

في مواجهة ذلك بدأ فينشر مشروعه الشخصي مع شركة "نتفلكس" العالميّة والتي تسير بسرعة الضوء نحو نجوميّة لم يتوقعها أحد في عالم الإنتاج. دشّنها مع مسلسل "بيت من ورق" (House of Cards) الشهير ويكملها الآن مع "صياد العقول" (Mindhunter) الذي يُخرج منه أربع حلقات هم: الأولى والثانية والتاسعة والعاشرة.

  
  

جنون المعرفة

يحكي المسلسل الخطوات الحثيثة لروبرت ريسلر، عميل الإف بي آي والكاتب الذي بدأ التوصيف لهذا النمط من الجرائم حقيقة. يقال إن ريسلر (الذي يؤدي دوره الممثل جوناثان غروف تحت اسم هولدن فورد في المسلسل) قد استوحى الاسم من عروض المغامرة الأسبوعية التي كانت تشهدها بعض دور العرض في أميركا عصر كل سبت في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي (3) التي حملت اسم "serial adventures".

 

كان وجه الشبه بينها وبين القتلة المتسلسلين أن كليهما لا ينتهي شغفه بتحقيق جريمة/حلقة واحدة، بل كانت كل جريمة محفزا لأخرى أكثر إتقانا بعدها، كما كانت كل حلقة من هؤلاء تنتهي نهاية متوترة تحفز لمشاهدة ما يلي بعدها من أحداث في حلقة جديدة، خالقة بذلك أفقا أوسع للدراما والتشويق.

 

بعد فشله في إجراء مفاوضات ناجحة بالكامل مع مجرم في حالة احتجاز لرهينة يتم نقل المحقق هولدن من العمل الميداني إلى التدريس داخل غُرف مكتب التحقيقات الفدرالي، حيث يتم تجييش مجموعات كبيرة من المحققين الصغار من أجل تهيئتهم لخوض غمار الحرب النفسية الضارية خارج أبواب المكاتب.

  

 
كان واضحا منذ البدء سعي هولدن للفهم وحيازة المعرفة الكاملة التي تمكنه من تحليل الطريقة التي يفكر بها المجرمون، بدأ ذلك مع محاولاته إدخال بعض التعديلات في نظام التعامل الأمني مع حالات احتجاز الرهائن والمفاوضات مع المجرمين في موقع الحدث، فقام بتأسيس برنامج جديد يعتمد على الحوار الذي يستدرج فيه رجل الأمن أي مجرم يقف أمامه من أجل فهم دوافعه ونواياه، كانت أولى نصائحه "الاستماع الجيد" للمجرم لا محاولة فرض السلطة والقوة عليه.

 

يطبق هولدن نظريته هذه على نفسه عندما يبدأ -بمساعدة محقق آخر- رحلة طويلة بين القرى والمدن الأميركية من أجل تنظيم ورشات عمل للشرطة المحلية هناك حول كيفية التعامل مع المجرم وكيفية القبض عليه وحتى التنبؤ بنواياه، ليواجه هناك سلسلة من الجرائم يعمل على حلها باستخدام أساليب نظرية مستمدة من علم النفس بدرجة أولى.

 

يفشل في البداية ولكنه يصنع من التجربة مُعلّما آخر فيتحسّن أداؤه مرة تلو الأخرى في التعامل مع رجال أمن غير مهتمين أبدا بفهم القاتل أو ظروف نشأته بقدر اهتمامهم بقتله أو محاسبته فقط. كما يطوّر طرقا متعددة للتعامل مع المشتبه بهم وكيفية الحصول على اعتراف منهم.

 

ولعل هذا السبب وحده هو ما جعله قابلا للارتباط بأول فتاة تحدّثه بشكل نظري مبني على دراسات في علم الاجتماع ونظرية دوركهايم حول "تنميط" بعض الأشخاص في المجتمع ما يدفعهم ليكونوا مجرمين. وعلى الرغم من مساندة "ديبي" له في مجال أبحاثه ومحاولة الإجابة عن تساؤلاته، كان هولدن يواجه الكثير من العوائق تعلقت ببيروقراطية وجمود النظام الجنائي الأميركي في ذلك الوقت. (4)

 

 

الأنماط المتعددة للجريمة

لا يحمل هذا المسلسل موضوعا جديدا في متنه، فثيمة المحققَين اللذين يجولان في سيارتهما مناطق مختلفة داخل أميركا كنا قد رأيناها في مسلسل "محقق فذ" (True Detective) قبل عامين عدا عن ظهورها في عمل فينشر الشهير "سبعة" (Seven). كما كان موضوع القتلة المتسلسلين مستهلكا إلى حدّ بعيد في المنتوج المرئي الأميركي كونه واحدا من الهواجس المجتمعية الكبرى هناك مثلها مثل جرائم القتل الجماعي (Mass Murder) أو حوادث القتل المدرسية.

 

بالنسبة لهولدن، الذي يكتشف لأول مرة سُبل التعامل مع المجرمين الكبار قبل حتى بروز ما بات يعرف بـ "القتل المتسلسل" ويقابل بعضهم في فرصة نادرة، كان واعيا بأهميته للأجيال اللاحقة، كان كل ما يراه جديدا كليا عليه، على عكس ما يدور في ذهن المتابع لهذا العمل مثلا والذي سيكون من الطبيعي أن يتساءل: ما الجديد في مسلسل كهذا؟

 

ارتكز العمل على أمرين أساسيين في طريقه نحو قلوب المشاهدين، بغض النظر عن نجاحه من عدمه، كان الأول الوقوف المطوّل أمام محاولات "فهم" عقلية المجرم والبدء بالتعامل معه من منظور مختلف، عمل لا يريد التسويق لنفسه على أنه مُرعب مثلا ومثير، بل هو أشبه بدراسة تم تقديمها في قالب درامي.

 

اهتمام المسلسل بالجانب النفسي لأبطاله جعل من مشاهد التحقيقات ضعيفة إلى حد السذاجة أحيانا، فلا تبدو كل الحلول التي يصل إليها هولدن صعبة على أي مستوى

آي أم دي بي
 

أما الأمر الثاني فهو شخصية هولدن نفسه الذي يبدو غير متأثر على الإطلاق بالفظائع التي يتعامل معها، بل يزداد حماسة للمزيد في كل مرة. يتمتع ببرود شديد تجاه أفعال المجرمين يحسده عليه زملاؤه في العمل، حتى إن شريكه في التحقيقات أخبره ذات مرة "إن لم تكن هذه الأحداث قادرة على السيطرة عليك فأنت منحرف مثلهم". وهو ما يفتح باب التكهن حول نيّة فينشر حيال هولدن، الذي ينتهي به المسلسل وهو في حالة إغماء، تنبئ بنهوض شيء ما في داخله، شيء لربما يجعل منه وحشا آخر في الجزء الثاني من المسلسل.

 

ينجح فينشر في تحويل أسئلة هولدن لتكون هي ذاتها أسئلة الجمهور دون أفق واضح لذلك، وهو ما يتسق مع النمط الدراسي الذي يقدم فيه عمله هذا، فمثلا "من المرجح أن يتساءل أحدهم عن سبب تعلّق غالبية الجرائم بعلاقة مرتكبها (المضطربة) مع أمه؟ ولماذا يبدو أحد المجرمين مهووسا بالأحذية النسائية؟ وهل تحوّل هولدن من مجرد محقق إلى صديق حميم لأحد القتلة؟". (5)

 

إن اهتمام المسلسل بالجانب النفسي لأبطاله جعل من مشاهد التحقيقات ضعيفة إلى حد السذاجة أحيانا، فلا تبدو كل الحلول التي يصل إليها هولدن صعبة على أي مستوى، وهو ما يتعلق بما سبق ذكره بأنّنا ومن موقعنا الحالي في القرن الواحد والعشرين بتنا نعرف الكثير عن هوس المجرمين ودوافعهم الجنسية، إلى الدرجة التي يبدو كل ما يجري في المسلسل مألوفا إلى حدّ بعيد، ولكن بالنسبة لهولدن نفسه كان كل شيء يتم اكتشافه للمرة الأولى.

 

المخرج الأميركي "ديفيد فينشر" (آي أم دي بي)


هذا ما يُذكر على لسان إحدى الشخصيات داخل المسلسل: "اعتدنا عندما نجد جثة لفتاة مع 50 طعنة فيها أن نبحث فورا على الحبيب المجروح، أما الآن فمن الممكن جدا أن تكون فعلة عابرة على يد ساعي البريد.. إنه عصر مختلف"، لذا فإن ما يُعرض داخل المسلسل هو النمط الجديد بالنسبة لمحقق يعيش في أواخر السبعينيات، عصر لم تكن فيه مثلا حوادث قتل جماعي كتلك التي حصلت في إحدى الحفلات الكبيرة في لاس فيغاس في الأول من (أكتوبر/تشرين الأول). (6)

 

هذا ما يجعل من اختيار فينشر محط تساؤل حقيقي، لماذا يختار أحدهم إنتاج عمل كبير كهذا من أجل قضايا انتهى النقاش فيها علاوة على عدم تقديمه الحد الأدنى من الإثارة المطلوبة أو حتى ترك علامة مميزة اعتاد محبو فينشر رؤيتها في أعماله، حتى إن مفهوم القتلة المتسلسلين بات متراجعا إلى جانب أنماط جديدة من الجرائم التي تجري في العالم اليوم.

 

قرر فينشر والقائمون معه على هذا المسلسل تجاوز كل تلك الأسئلة وتقديم عمل عادي في مجمله مع نهاية مفتوحة خصوصا مع المشاهد المتكررة في بداية عدد من الحلقات وفي المشهد الختامي للمسلسل والتي أنبأت بميلاد قاتل جديد لا بد وأن يستكمل المسلسل أحداثه معه خلال الموسم القادم. حينها قد يتضح لنا أكثر دوافع فينشر لطرح مسلسل من هذا النوع في هذا التوقيت. 

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار